أيهم أكثر إيلاما؟

أيهم أكثر إيلاما؟

13 0

بعد العشاء، التفت العائلة الصغيرة في جلسة دائرية دافئة حول بعض التحليات التي صنعتها لين بمساعدة أمها.

كان الصمت خامسهم لوقت طويل قبل أن يحل محله حديث الذكريات السابق؛ إذ أردفت لين بنبرة هادئة حذرة وكأنها تخشى فتح جرح عميق:

_أبي، هلا حدثتنا عن تلك القضية التي مات فيها السيد قاسم وتركت فيها الشرطة؟

تابع عنها شقيقها معطيا رأيه الصادق:

_نعم يا أبي، أريد أن أعرف أكثر عن هذه القضية.

تبادل هو وزوجته نظرات كانت مفهومة لهما فقط... هذه القضية لا أحد يريد تذكرها، إنها قاسية جدا على قلب جهاد، تذكرها لا يفتح الجرح فقط بل يزيد عمقه لذا لطالما تجنب الحديث عنها، ولكن أليست بداية الشفاء تكمن في التخطي؟

أخذ نفسا عميقا ثم طرده بخفة ليقول بعد أن أخذ قطعة صغيرة فطيرة الفراولة التي صنعتها ابنته:

_قد أنسى أي شيء إلا ذلك اليوم عندما كنا في المركز وقد أتانا قاسم بوجه مصفر قد نهشه الهم والضيق...

•قبل عشر سنوات•

دخل قاسم إلى مركز الشرطة مضطربا، يشعر بدقات قلبه القوية وكأن فؤاده يستعد للخروج في أي لحظة، يداه مشدودتان بقوة، عيناه تبحثان عن أي شخص من رفاقه، حتى وصل إلى القاعة التي يجتمع فيها معهم غالب الأحيان، دخل عليه وألقى السلام بصوت مرتجف لينتبهوا جميعا وقد كساهم القلق، كان الوقت قد قارب منتصف الليل ولم يغادرهم إلا منذ ساعة فلم عاد مجددا للمركز؟

تحدث قاسم أخيرا بعد أن كاد يقتلهم بصمته:

_خُطف عِمران.

تجمدت الأجساد، سكنت الأصوات، صفعتهم الصدمة على وجوههم، عُقدت الألسن ولا حرف خرج من أفواههم ليتابع قاسم مُخبرا إياهم بما جرى:

_لم يعد للمنزل منذ ذهابه لامتحانه اليوم!

سأله أحد محاولا التفكير بإيجابية أكثر:

_ولم أنت متأكد من أنه خُطف؟

_عمران، لا يغادر المنزل إلا بإخباري عن وجهته، لكنه لم يقل شيئا هذه المرة.

أسند ظهره على الحائط وأغمض عينيه ولسانه يردد الأدعية ويدعو الله بكل صدق أن يحفظ ابنه ويرده له سالما.

انتقل حزنه لقلوبهم فأثر الأمر فيهم جميعا ليقف جهاد بجدية قائلا وهو يتجه نحو الباب مغادرا:

_سأرسل فرقتين للبحث عنه.

تساءل نبيه:

_قاسم، هل اتصلت به؟

_هاتفه في المنزل.

علق جهاد مطمئنا:

_سنجده يا رفاق، لنثق بالله، هيا قاسم تعال معي لنبحث عنه، نبيه وأحمد ابقيا هنا حتى نحتاجكما.

أومآ له ليخرج مع قاسم، إنه مدين لرفيقه بالكثير فقد أنقذه سابقا لذا لن يتكره الآن، سيساعده، سيجد ابنه، سينقذه -بإذن الله-!

•عودة للحاضر•

قاطعته لين بفضول:

_وكيف وجدتم مكانه؟

ألقى لادن بسؤاله أيضا:

_كيف اختفى؟

ابتسم والدهما برفق وأخذ قطعة أخرى من الفطيرة وعاد يسرد ما جرى من جديد.

•••

مضى اليوم بأكمله ولا خبر يقودهم لمكان الشاب المفقود، تلاه مغيب شمس اليوم الثاني، ولا أثر، وفي كل يوم يزداد قلق قاسم أكثر، وتقل ثقته بعثوره على ابنه، لقد بحث في كل الفنادق، في كل المنازل، سألوا الناس، لا جدوى!

جثى قاسم على ركبتيه بعد أن شعر بكل ذرة داخله تنهار، لقد أوشكت شمس اليوم الثالث أن تطلع ولم يجدوا أي شيء، كان يمسك رأسه بيديه محاولا التماسك، الصداع يشتد عليه في كل لحظة فلم يذق النوم أبدا، جميع عظامه تؤلمه، لقد استنزف كل جهده في البحث، أين عمران؟ أين اختفى؟

حاول أحمد إقامته بمساعدة نبيه، فقد كان جاثيا أمام مركز الشرطة خائر القوى، حاولا تشجيعه، أن يزرعا في نفسه الأمل لكن لا فائدة، لقد غرق في أفكاره ولن يكون سهلا انتشاله منها.

ثم فجأة تسلل لسامعه صوت خطوات تقترب ركضا تلاها ظهور جهاد، كان صدره يعلو ويهبط تعبا، حمل في يده محفظة جلدية صغيرة وقال بنفس متقطع:

_لقد وجدت دليلا يقودنا على المُختطِف.

نظر له رفيقاه وكذلك قاسم الذي اتسعت عيناه بقلق واضح وهو يقول:

_قل ما عندك يا صديقي!

هز رأسه نافيا:

_ليس هنا (أشار للمبنى) لندخل أولا.

مد يده لذاك الجاثي ثم سحبه ليقف غير متزن، لكنه استند على رفاقه وسار أربعتهم نحو المبنى متجهين إلى قاعة الاجتماعات، وما إن أخذ كل منهم مكانه حتى أخرج جهاد من المحفظة بطاقة شخصية وقال:

_أيذكركم هذا الاسم بشخص ما؟

هُزت جميع الرؤوس نفيا، حاولوا التذكر ولكن لا شيء، أمسك قاسم البطاقة ودقق النظر في وجه الشخص ثم اسمه وأخذ يقلب بصره بينهما مرارا، كان جهاد ينتظر منهم معرفة صاحب البطاقة، فقد عرفه هو وإن لم يعرفوه هم، ثم فجأة... انطلقت شهقة تفاجؤ عنيفة من بين شفتي قاسم واتسعت عيناه وهو ينظر لصاحبه قائلا:

_إنه يشبه ذلك المجرم قبل سنتين!

علق جهاد مؤكدا بعد أن أشار للاسم:

_بالضبط، إنه شقيقه.

نظروا له بصدمة جميعا، هل أتى للانتقام؟

تحدث أحمد محاولا طرد الفكرة التي طافت حولهم جميعا:

_ربما سقطت منه سهوا، لا يمكننا اتهامه فقط لمجرد أنه شقيق ذلك السفاح صحيح؟

أيده كل من قاسم ونبيه قائلين:

_هذا صحيح!

_ليت الأمر توقف عند هذا الحد، فلو كان هذا كل شيء لوافقتكم ولكن...

برز القلق على وجههم بالأخص قاسم، فأخرج جهاد عدة صور من المحفظة الجلدية ووزعها أمامهم على الطاولة، كانت خمسة صور وكلها لعمران في أماكن مختلفة ويبدو أنها اُلتقطت بعد تلك الحادثة¹ بناءً على التوقيت الزمني الموجود على الصور.

تابع جهاد حديثه بجدية أكبر وهو يشير للصور:

_لو افترضنا أنه ليس المختطِف فلماذا يحتفظ بصور لعمران؟ ولماذا وجدت محفظته على مقربة من الثانوية التي يدرس فيها عمران؟ كل الأدلة تشير لكونه المجرم بلا ريب!

تحدث قاسم بحذر وكأنه يطرد الفكرة من رأسه:

_هل تظنونه قد أوقع المحفظة عمدا لنكتشفه؟

أجاب جهاد:

_لا أستبعد ذلك.

وقف أحمد وقال بنبرة عملية:

_سأرسل فرقة للقبض عليه.

خرج ليقول نبيه:

_ماذا سنفعل؟

أجاب قاسم خارجا:

_سأذهب للبحث عنه، لا بد أنه قريب في مكان ما!

عارضه جهاد بانفعال:

_الذهاب وحدك خطير!

نظر قاسم في عينيه نظرة تشي بالإصرار وقال:

_ابني في خطر، علي الذهاب لإنقاذه

تنهد الآخران ليتابع قاسم بعد أن رسم ابتسامة مطمئنة على شفتيه:

_سأخبركم في حالة عثرت على أي خيط اتفقنا؟

أجابه جهاد بيأس:

_حفظك الله.

غادر الآخر ليقول نبيه مخاطبا صاحبه:

_أرجو أن يكون بخير.

_إن شاء الله، علينا مساعدته في البحث، تولى مع أحمد أمر القبض على المجرم، وسأبحث أنا عن أي مكان يُحتمل فيه وجود عمران

كاد يخرج لكن استوقفه سؤال نبيه الذي خرج تلقائيا:

_ماذا لو كان المكان بعيدا؟ أو مكانا لا يخطر على بال؟

ابتسم وأجابه:

_سنبحث جيدا.

•••

عادت لين من المطبخ بعد أن وضعت فيه الأواني الفارغة من الحوليات وفطيرة الفراولة التي اُلتهمت كلها، جلست مقابل والدها وجانب شقيقها كما كانت سابقا ثم أردفت بتساؤل فضولي:

_لم أراد الانتقام من العم قاسم -رحمه الله- تحديدا؟

أجابها بهدوء وقد رنا الحزن لنبرة صوته فهذه الذكريات تُهيج آلامه حقا:

_يُحمله مسؤولية موت شقيقه.

علقت لين بانفعال:

_لكن مصيره الموت في كل الحالات! لقد قتل أنفسا كثيرا وكان مصيره الموت، وكاد يقتلك لولا تدخل العم!

كانت دموعها تنهمر لا إراديا وهي تقول كلماتها المنفعلة بغضب وكأنها شاهدت كل تلك المشاهد بعينيها، فضمها لادن إليه مرتبا على كتفها برفق ونظر لوالده الذي ارتسم شبح ابتسامة حزين على شفتيه وهو يقول:

_ما أرحم قلبك يا ابنتي.

مسحت دموعها دون أن تبتعد عن شقيقها وقالت لوالدتها بصوت متقطع:

_أكمل حديثك يا أبي.

هز رأسه ليكمل القصة ويبدأ في أكثر الأجزاء ألما بالنسبة له، اللحظات التي تسبق الفاجعة...

•العودة للماضي•

كان قاسم في سيارته متجها حيث اللا مكان، لم يكن ذهنه منشغلا بأين عليه الذهاب أو البحث عن ابنه، بل كل ما أراد أن يعرفه الآن هو لماذا ترك الرجل محفظته؟ أتركها عمدا كما ظنوا؟ أم أنها سقطت منه سهوا؟ وإن كان سهوا فقد يحالفهم ذلك ويعود للبحث عنها وهكذا يستطيعون القضاء عليه، ولكن... إذا كانت هناك عمدا؛ فهذا يعني أنه يخبرهم بعبارة واضحة أنه من اختطف عمران، يدين نفسه بثقة أنه لن يصل إليه أحد.

مهلا!

أحقا لا يريد أن يصل إليه أحد؟ ما الممتع في ذلك إذا؟ لا بد أن هناك شيئا ما، أراد الانتقام من قاسم فأخذ ابنه فهل سيقف الانتقام عند هذا الحد؟ لا بد أن المكان الذي يُحتجز فيه عمران يعرفه قاسم جيدا ويعلم المجرم أن الآخر يعرفه... ولكن ما هذا المكان؟ هذا ما شغل ذهن قاسم، ما المكان الذي يعرفه كلاهما؟ مكان لن يضطر فيه المجرم للتلميح له.

فجأة... اتسعت حدقتا قاسم وشهق بعنف وهو يقول مغيرا مسار السيارة بسرعة خيالية:

_المستودع!

قاد بجنون نحو الوجهة المطلوب وقلبه يخفق بقوة، تمنى كثيرا في قرارة نفسه ألا يكون المختطِف قد مس عمران بأذى، يجب أن يكون الأمر كذلك، فالمختطف سينتقم من قاسم نفسه، لا شأن لعمران، نعم لا شأن له، هكذا طمأن الرجل نفسه على ابنه.

لم يشعر بالوقت إلا وسيارته قد توقفت في ذاك الحي المهجور، أمام المستودع الضخم المُغلق، تحسس مسدسه بحذر، ثم نزل من السيارة، جال بعينيه يمينا وشمالا بحثا عن أي دلالة على وجد أحد لكنه لم يرَ أحدا بالجوار.

خفق قلبه عندما لاحظ وجود آثار حديثة لأقدام بدت لشخصين رجح أنها لعمران والمجرم، تتبعها حتى وصل إلى نهايتها أمام باب المستودع فلاحظ أن أحد الأثار قد أظهر أن صاحبها خرج مجددا من المستودع ولا بد أن صاحبها كان المختطِف.

تنفس قاسم بعمق ثم سمى الله، كان الباب ذاك النوع من الأبواب المدرجة التي تُفتح عن طريق رفعها للأعلى، وضع يديه أسفل الباب ثم رفعه بقوة ليُفتح رويدا رويدا حتى رفعه بالكامل ليترآى له ابنه الجالس منزويا في ركن المستودع وقد بدا عليه الانهاك والتعب.

افترت شفاه قاسم على ابتسامة متعبة، أخيرا وجده!

أخذ يحمد الله أن حفظ عمران وجمع الأب بابنه، ثم سار بخطى سريعة نحو ولده ليضمه، ليعتذر منه عما سببه له من متاعب، ليطمئنه أن الأمور بخير، وأنه بجانبه!

ولم يكد يلج للداخل حتى شعر بثلاث طلقات متتابعة تخترقه ممزقة جسده الذي أنهكه البحث والسهر، ثلاث طلقات أسقطته أرضا؛ لقد وقع في الفخ، استدرجه المجرم لينتقم، منحه الأمان ثم باغته بالهجوم، تركه ليطمئن أن ثم أطبق عليه المصيدة ؛ يا لهذه القذارة!

أخذ يترنح ببطء ثم سقط، سقط مضرجا بالدماء، يشعر بها تسري على جسده ساخنة حارة، الألم... من يستطيع وصفه الآن؟

أيهم أكثر إيلاما؟ ألم السكرات أم الرصاص أم فراق عائلته؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الذكرى الموجعة (الجزء الأخير من سلسلة ثنائي العدالة)

المؤلف البروء
2026/02/17 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة