Part2:
بسم الله الرحمن الرحيم
تغيرت ملامح وجه آسر إلى الاندهاش والغضب الطفيف في الوقت ذاته فقال وهو يربت على كتف سايرند:
- أنصحكِ أن تغيري نظرتكِ بهذا الموضوع، تعلمين أنكِ لن تجني الكثير من المال إن فكرتِ بسطحية هكذا واخترتِ أي تخصصٍ عادي، صدقيني لن تفلحي إن لم تدرسي الطب، ألا ترين أن أغلبنا أطباء هنا، أبي وأمي طبيبان، وأنا لم يسعفني الحظ لأن أكون مثلهما فأصبحت عمالة! هل تعرفين ما معنى هذا؟ هذا يعني أنني سأكون كالمهان بين الناس يستنقصون مني ويعطونني أجري ناقصًا يمنون به علي غير مهتمين بأتعابي في البناء! لو كنت طبيبًا لكان أفضل ولما تعرضت للأذى مثل اليوم! لكن ماذا أفعل؟
فتحت سايرند فاهها بصدمة وهي تسمع ما يقوله أخوها الأكبر؛ لتضحك فجأة بسخريةٍ قائلة:
- ظننت أن تفكيري بالذات يعد سطحيًا لكن؛ اتضح لي أن تفكيرك سطحيٌ أكثر من تفكيري! اعذرني على وقاحتي يا أخي لكن؛ أتصدق؟ لم أكره الطب عن عبث، دعني أرد عليك بما يناسب تفكيرك لا تفكيري، قلت لي: أمي وأبي طبيبان، إذًا هل نحن نراهما هنا؟ لا! لماذا آسر؟ الجواب ببساطة أن هذه المهنة تستهلك الإنسان وأغلب وقته، لا نرى أمي وأبي إلا في آخر الليل نسرد عليهما أحداث يومٍ كامل! وقد يتعدى الأمر أحيانًا إلى غيابهما اليوم بأكمله أو أكثر! اسمع أخي، أنا لا أنكر أن أمي وأبي داعمين لنا دائمًا في مسيرتنا ويتمنون لنا الأفضل لكن؛ يبقى هنا جوفٌ كبيرٌ فارغ، لم ولن يستطيعا ملأه وهما طبيبان، الطب سرق مني أغلى من أملك، كيف لي أن أتقبله وأحبه؟ قل لي كيف؟؟ أمي التي يجب أن تكون صديقةً لي صارت صديقةً للغرباء في مهنتها، أمي التي يجب أن تكون معي في ضرائي أصبحت بعيدةً عني لا تلتقي بي إلا بالصدفة! أتدري كم هذا موجع؟ ما الذي جنيناه من الطب غير المال الطائل؟ وهل المال كل شيءٍ في هذه الحياة؟
أنا لست جاهلة لأجزم بأن المال ليس مفيدًا، المهن متعددة وكثيرة ويمكننا جني المال من أي مهنةٍ كما يمكننا جنيه من الطب، لسنا بحاجة لأن نكون أصحاب ثراءٍ فاحش حتى تكون حياتنا جيدة، المال لن يعوضني عن وجود أبي وأمي وحنانهما واهتمامهما بي أبدًا، لذلك أود أن أكون مختلفة، لا أود أن أشغل حياتي كلها في الطب، أريد أن أدرس التخصص الذي يناسبني، لا يهمني كم سأجني من المال طالما أني لن أكون فقيرةً على حد المبالغة، هذا ما ترون أنه سيحدث، من سيعمل بمهنةٍ غير الطب سيكون فقيرًا! أحب أن أكون فقيرة ماديًا -كما تظنون- على أن أدرس في تخصصٍ يسرق مني ما أحب كما سرق أمي وأبي!
طأطأ آسر رأسه آسفًا على ما سمعه من أخته، تفهمها وعلم ما تريده، أرادت سايرند حياةً جيدة، أرادت عائلةً كاملة لا تفترق بسبب مهنة، النقص لديهم كبيرٌ بالفعل ومن الصعب أن يتم ملؤه، المال ليس كل شيءٍ بالفعل، أن تكون العائلة مستقرة ماديًا لا يعني أنها تعيش أفضل حياةٍ ممكنة، المال لا يرمم الفقد الحسي، ولا يرمم الأذى النفسي، تمتم آسر قائلًا في نفسه:
كنت أقنع نفسي أن الأمر طبيعي ويحدث عند أغلب العوائل، وهذا صحيح، لكن سايرند فكرت بشكلٍ أعمق، نحن بالفعل بحاجةٍ لهما، والمهنة لن تغنينا كما يغنينا وجودهما، آسفٌ يا أختي، لم أرد لكِ أن تصلي لهذه المرحلة من التفكير، لم يكن بيدي حيلة، لقد كبرتِ بالفعل ولا يمكنني التعويض عن النقص لديكِ، كما لا يمكنني التعويض عن النقص لدي، أنا أخٌ مهملٌ حقًا.
ذهبت سايرند بعد أن تأكدت أن آسر لا يخطط للرد، وأنه بخير ولا يحتاج لمساعدتها، عادت لغرفتها منطويةً مرةً أخرى على نفسها قائلة:
أنتِ الوحيدة التي يمكنها فهمي يا أنا، أصبح فهمي مستعصيًا حتى على أخي الموجود معي، يظن أنني سعيدة بينما لست كذلك، ما فائدة المال إن كان من يجنيه ليس معي؟ هل المال سيجعلني سعيدة؟ هل سيعوضني عن وجود أمي وقربها على سبيل المثال؟ أم سيعوضني عن وجود أبي ودلاله؟ أنا متعبة فعلًا، تعبت من التفكير، من الوحدة، من هذه الحياة الكئيبة التي أعيشها بعيدًا عن عائلتي، أتمنى لو يتغير كل شيء في لحظة، لكن هذا مستحيل!
أود أن أكون سعيدة، أن أغير من نفسي، أن أصحح أخطائي، أن أرممكِ يا أنا، صدقيني، أنا بدونكِ لا شيء، أود أن تعينيني عليكِ، أن نتعاون لنصبح أفضل، ما رأيكِ؟
• لكنكِ أنانية، تريدين مني العون متناسيةً أمري، تهملينني ولا تتذكرينني إلا عندما تنطوين علي في غرفتك! متناسيةً أن لديكِ أمانة عليكِ الحفاظ عليها، إن أردتِ التغيير بصدق فعليكِ التركيز على عدة أمور، هل تودين التغيير؟ اسمعي مني، ودوني ما أقوله في مذكرتك، ولا مجال للمستحيل بعد هذه الخطوة!
- أود ذلك حقًا، أسمعكِ يا أنا أنتِ حبري وأنا القلم.
- يتبع...
Sayo