«هل من قرَّاء؟ «
استلقت عصمت على سريرها الجديد، الذي يتوسط الجناح المخصص لها بأمر من حاكم المماليك، نوح.
قد استطاعت اقناعه بالذهاب إلى يامن، و مع كل كلمة تقنع بها عمر، لم تنسى نوح لتضرب عصفورين بحجرة. فقد سمح لها باحضار من ترغب، و بالعودة إلى مدينتها في آن واحد.
لم تستطع النوم، فقد شغل تفكيرها ما حصل، و في نفس الوقت مازالت تشعر بالفضول.
فبعد أن اتجه الكل إلى غرفته، تسللت خلسة إلى الحديقة لكن فاجأها وجود نوح و عمر، و تظاهرت بأنها شعرت بالاختناق. مع كل حرف تنبسه، جعلت فيه نبرتها تبدو أكثر تعبا ليتأكد الصديقان من صدقها و من حاجتها لشخص تعرفه معها.
مضى الوقت سريعا، و هاهي جفونها تثقل لتغفو في نوم عميق...
_
_
"يا ابنة آدم! يا ابنة آدم استفيقي!"
"أخرس يا نخل بلا تمر!"
خيوط ذهبية انعكست على خصلات شعرها، لتفتح عصمت عينيها بتثاقل.
"أهكذا توقد ضيوفك؟"
حتى بعد أن فتح نوح النافذة و تحدث مرارا و تكرارا لتستفيق، مازالت الفتاة متشبتة بوسادتها غير راضية أن تنهض.
"انهضي هناك عمل مهم!"
دخل عمر كذلك و هو بدوره أبعد الستائر لتتسلل اشعة الشمس و تصحو عصمت.
"هيا هناك حدث مهم!"
"والله لو ينهض المتنبي من قبره سأنام!"
خرج عمر كاتما ضحكته على احتجاجات عصمت بينما نوح لم يجد كيف تستفيق.
"لا بأس يا آنسة...أنا كذلك لم أنم جيدا بالأمس..."
أنبس نوح، بينما هي ارتاحت ظناً منها أنه سيرحل لغرفته، لكن لابن المماليك رأي آخر...
"نوم العوافي يا آنسة..."
عدَّلت عصمت وضعية نومها بارتياح، لكن سرعان ما فتحن عينيها على مصرعيهما حين أدركت أنه يهمس في اذنها، انتفضت من على السرير بارتباك بعد أن فلتت صرخة من بين شفتيها.
"ماذا تفعل هنا؟ انقلع انقلع!"
كان نوح من همس في أذنها، بعد أن استلقى على السرير.
"عجبا عجبا، انسيت أن هذا الجناح ملكي؟"
"و هل ترغب باسترداده؟"
وقف من مكانه غير مكترث لانزعاجها فقط أردف و هو يتجه حتى يغادر:"مفعوله أفضل من عودة المتنبي من قبره!"
ثم أشار لها بأن تغير ثيابها، و أكد أنهم سيعودون إلى مدينتها لذا لا يجب أن تترك خيط شك يراه السكان.
اجتمع ثلاثتهم في الحديقة، و قد جلسوا على طاولة دائرية الشكل.
كان عمر على وشك انهاء فطوره، لكنه وضع الملعقة جانبا على الصحن عاقدا ذراعيه.
"أشعرتموني أنني متلهف و أنا آكل بينما أنتم تحدقون في بعضكم! هل ترغبون بأن أحضر رسام لكم؟ لا تخجلوا ان كنتم ترغبون بتوقيعات بعضكم!"
أنهى كلامه متكئا على الكرسي، بينما نضرات عصمت الحادة لم تفارق محياها.
"بما أنكم أنزلتم الصمت العقابي، أرى أن المتنبي و امرؤ القيس نهضوا من قبورهم لذا أتيتي".
قصد بكلامه قولها السابق أنها لن تنهض ولو نهض المتنبي، لكنها أجابت و هي تستعد للوقوف: "كلا، فقط تسللت حيَّة إلى فراشي!"
"ماذا؟ هل نمتِ وسط غابة؟"
لم تشرح له، بينما بقيَ نوح كذلك صامتا يبتسم لها بخبث.
أتى الخدم نحو الطاولة، فتظاهر عمر بالشرود لأن كل الأطباق مثلما وُضِعت إلا صحنه.
غادروا المكان بهدوء، فاخذت عصمت تقلب صفحات الكتاب بتوتر، قبل أن يدخل عمر و نوح إلى القاعة الفسيحة، المكتبة التي يتواجد فيها كل ما يخطر على البال.
"مستعدة؟"
سألها عمر و هو يتقدم نحوها، و ما ان وصل أمامها حتى أومأت له.
كان قد شرح لها أن تنقلهم سيكون مثلما تتنقل الجان، و في تلك اللحظة دفعها اكتفاؤه بقول أنه مثلما تتنقل الجان إلى سؤاله:"و ما أدراني كيف تتنقل الجان؟"
فأجاب ببساطة:"مثلما أحضرناك أول مرَّة".
قرَّب سبباته من رأسها، و في غضون لحظات شدَّ انتباهها سماع صوت ما، لكن أغميَ عليها فب غضون ثواني قبل أن تتمكن من معرفة مصدره. و لم تستفق إلا بعد نصف ساعة تقريباً،هذا ما ظنَّته هي، لكن المكان مظلم، و قد كانت بجانب صخرة على الشاطىء.
كانت حيث خطفت، و سرعان ما استنشقت عبير البحر لترتاح و تهدىء.
لم تجد نوح، ولا عمر، و لم تكن في الصَّباح، بل كان المكان عتمة، و لم ينره سوى أضواء السفن و القوارب القادمة من الميناء القريب، بالإضافة إلى نور البدر المكتمل.
و كأن اليوم الذي خطفت فيه عادت اليه.
"عمر... نوح؟"
نادت بصوت مرتجف، فقد تمكن الخوف منها.
وقفت مسرعة، و ركضت من هناك غير مهتمة لما قد يحصل.
"و سقى الساقي طاغية فارتوى... والتفت الساق بالساق و نظر بهيمنة...قد كان ل"
صمت العجوز يحدق في عصمت، ثم ابتسم بخفوت.
تجمدت الفتاة في مكانها، فلم تلحظ وجوده و هو يدندن بقربها...
"أهلا يا بنيتي، كيف حــالــك؟"
بدأت نبرته تصبح أكثر بطىء و رعب، بينما العجوز يلوِّح لها بالوداع.
لم يكن وجه انسان، بل كلَّما ابتسم أكثر تظهر أسنانه سوداء.
لم تستطع نطق شيء، فالخوف تمكَّن منها، و قيدها تقييدا دون أن تتمكن من فعل شيء.
"آنـسـة؟"
انتبهت لشيء آخر حين أنزلت عينيها تتفقد هيئته من الأسفل، فقد كانت قدماه باتجاه الشاطىء، أما رأسه استدار كالبومة و قابلها.
لم تدري ان كان يتقدم أو يتراجع، فإن قدماه كانت خلفه باتجاه الشاطىء، و رأسه للأمام مقابل لها.
لم تتحملها قدماها من شدة الخوف، لكن العجوز صرخ صرخة كفيلة بارتعاش الأرض من تحتها....
استعادت رباطة جأشها، و حركت ساقيها بسرعة مبتعدتا دون أن تلتفت خلفها.
"مهلا...أيـَّتـها الفتاة، اسقطي شيء!"
ناداها العجوز، بينما هي لم تكترث له.
لكن استطاعت الشعور بأن أحدا ما يخنقه، لكن العجوز واصل مناداته.
"الجاني لا الخدمان..."
ترددت هذه الكلمات، و كلما مرَّت ثانية زاد الصوت حدة و كأنه دخول المغول إلى بغداد.
"الجاني لا الخدمان..."
مازالوا يرددون، بينما العجوز بدى و كأنه يحتضر.
ركضت عصمت بأقصى سرعتها، تعثرت لكنها شتمت و واصلت الركض و الهروب.
أشرعت ببصرها على مشارف الميناء و أخيراً، فبدأت الطمأنينة تخالجها.
سرت قشعريرة في جسدها، فأكن البحر اتفق عليها ليحمل برودة الثلج و شهر أيار، بالرغم من أنَّهم في بداية الصيف.
لكنها لم تتوقف، بل وجدت أن هذا طوق النجاة الذي عليها التمسك به.
صوت انكسار الزجاج و نشيج مفاجىء، تلاه صمت و هدوء غريب.
عاد كل شيء لطبيعته، فانجلى ذاك الغمُّ من على صدرها.
نظرت خلفها بارتباك، تتأكد من زوال كل شيء.
"عِصْمَت؟"
ناداها صوت مألوف، بعث السكون في وجدناها.
قد كان يامن، الذي سارع اليها لاحتضانها.
جلست بعد أن بلغت الحد الأدنى لتحملها، فتربع يامن بجانبها ممسكا بوجنتيها بين راحتي يديه.
"ظننت...لوهلة...ظننت أنك لن تعودي!"
صاح محتضناً إياها، بينما هي تشبتت به أكثر خوفا من فقدانه من جديد.
أحس أن البحر ابتلعها، فآمن بالأمواج؛ و ها هي فعلا أعادتها من جديد إلى مسقط رأسها؛ روانا.
لكن لم تدم لحظة اللقاء تلك، فقد قاطعهم يوسف و هو يتقرفص بجانب يامن.
أشار بأنامله الطويلة الشاحبة نحو عصمت، ثم أردف عاقدا ذراعيه.
"حسب معلوماتي...انت عصمت؟"
أومأت الفتاة و هي تتمعن فيه، فابتسم و مد يده ليصافحها.
"أنا يوسف بن مالك من أصل العابرين!"
هبَّت نسمات تداعب خصلات شعرها، لتضعه خلف أذنها بينما تمد يدها بتوتر حتى تصافح يوسف.
"أووو....مختوم! من الذي ختم؟"
جملته هذه لم يفهماها، فقط ذكرت الفتاة بشرح عمر عن أصول الجان البشرية التي لها أسامي أخرى.
"مهلا...ان كنت تزعم أنك من أصل العابرين، كيف عبرت؟"
استولى الشك على قلبها كما استولى التوتر و البرد على الجو ليبعث شعورا غريبا يخفق له القلب حتى يكاد ينفجر.
"محظوظ لا اكثر...فكدت أن أقدم كقربان! المشكلة ليست هنا، بل أن ليي لي نسل حتى يكون من القرابين!"
أردف لينفجر ضاحكا، لكن انتاب البقية احساس أن هذا تعريف الكوميديا السوداء.
"حسنا سأخرس".
تمتم بسبب حرجه، فمن أسوء المواقف أن تلقي نكتة ولا يضحك عليها أحد.
حملت رياح روانا الباردة همسات لا يفهمها إلا القليل. كان من بينهم ابن العابرين و المماليك، صديق هذا الأخير و يامن و عصمت و آخرين.
ثلاثة تمشوا في سوق روانا المغلق، و قد كان هدفهم شيخ العالي.
مرَّت لحظات بالكاد تذكرت فيها عصمت ما حدث، فلم يظغط عليها يامن و وفَّر أسئلته للصباح حتى ترتاح قليلا.
أخذها الى منزله، و لحسن الحظ فيه أربعة غرف فلم يؤثر وجود يوسف معهم.
كان شيخ العالي يجلس على كرسي وسط منزله المتهالك، جدرانه مشققة فتسللت الرياح الباردة لتبعث رعشة في جوف الليل.
كعادته الليلية، ناصف شيخ العالي دائما يردد طلاسم و يشعل أوراق لا أحد يدري محتواها بهدف استدعاء شخص وصفته الأساطير بأنه خالد.
قال ناصف أنه ترك السحر و الشعوذة، لكن رغبته في استدعاء شيخ العرابين لن تفنى إلا بفناء روحه.
"أجب اجابة تجيب الجواب...
جواب صحيح يهز الضلعان...
لِمَ لمَّ أَلمٌ بداء، و عاد عودة العَودِ و ما كان..."
أنهى طلاسمه بهذا القول، و حين لم يجد جواب؛ نفثَ على الشمعة لتنطفىء و تسود عتمة في المكان.
لكن قبل ان يقف، ارتمى العجوز على الأرض و كأنه شعر بقدوم شيء.
كل ما كان فوق الطاولة، من شموع و كتب و بخور و أوراق؛ دفعها بعيدا و همَّ بالبحث عن سكين.
وجد واحدا، فجرح به ذراعه و تركها تنزف على كومة الأوراق.
"نعم...ارتياح...!"
تنهدَّ أخيرا، ليخيم السكون على المكان من جديد...
•
•
"عمر يا أخرق أين أرسلتنا؟"
صاح نوح على صديقه، و هو ينهض بثقل من على الأرض.
"و ما أدراني بختمك؟ لم تقل لي أنك عيَّنت عصمت رسميا موحِّدة المماليك!"
كان كلاهما مستلقيان على العشب بجانب شجرة تفرعت جذورها على المكان.
"شغِّل عقلك؛ أبقيها أكثر من ثلاثة أيام معنا للبركة؟ طبعا سأتجنب شيخ العرابين أبو رأس المستطيل!"
"اخرس اخرس سنعود اليها...لكن أين هي؟"
التمس نوح مكان قلبه، و هو ينبس محاولا النهوض:"غباؤك يا اخي سيجلطني ذات يوم!"
••
••