في أحد القرى الفقيرة، و في منزل قديم أكل الزمن من
جدرانه و شرب، جلس رجلان أمام مائدة على الأرض يرتشفان كأس الشاي. و فجأة؛ اندفع الباب بقوة حتى يكاد يكسر، ينتفض رجل من مكانه و هو يراقب من أتى، لكن صديقه يهدءه بايماءة صغيرة ليجلس الرجل من جديد. ثم يفتح الباب بهدوء و كأنه لم يكن سيكسر...
امرأة في مقتبل الثلاثين، تقرفص بجانب الرجلان. تسكت لبرهة لتطأطأ رأسها و هي تقول بنبرة متعبة:"آسفة يا نوح، لكن لا يمكنني الاستمرار معك. لكن هناك شيء يجب عليَّ تقديمه لك كعربون شكر."
صمت نوح دون أن يجيب، قد كان الرجل الذي هدأ صديقه «عمر» قبل قليل. يحدق بالنافذة قبل أن يقول و هو يرتشف من فنجان الشاي:"لا احتاج عربون شكر، ش_"
و قبل أن يكمل كلامه قاطعته المرأة و عينيها ممتلئتان بدموع لم تذرف بعد:"كلا! عليك ايجادها! لا تقل هذا و كأنك لن تنهي ما بدأته! لا أرغب بالعودة!"
رفع عمر رأسه حائرا في ردة فعلها العصبية المفاجئة، ترقب ردة فعل نوح، لكن لم يفعل شيء.فقط اكتفى بالهمس في اذنها بكلمات غير، مفهومة. لم يسمع منها عمر إلا شيء واحد"لا تقلقي يا شمس، اعتني بنفسك"
و من ثم وقف حاملا حقيبة صغيرة، واضعا كأس الشاي على المائدة ليسير بخطوات متزنة اتجاه الباب، و قبل أن تلامس أنامله المقبض قال بصوت آمر جاد:"هيا يا عمر، هيا أيها الصديق"
و من ثم غادر تاركا الباب مفتوحا ليغلقه عمر، لم يرغب بسؤال شمس عن ما قاله نوح، و رأى الرهبة في ملامحها و دموعها تأبى النزول حفاظا على كرامتها، أو كما سماها نوح
"تحافظ على آخر جزء من كرامتها المسلوبة".
سار الرفيقان بجانب بعضهما دون أن ينبس أحد بكلمة، و لكن نوح قاطع حبل الصمت قائلا:
"سنتجه إلى شاطىء روانا"
عقد عمر حاجبيه قائلا:
"روانا؟ لماذا بربك نعود الى نقطة الصفر؟"
نوح دون أن يلتفت له:"لأنه يا صديقي دائما ما يعود المجرم الى مسرح الجريمة"
استادر ليرى ردة فعله صديقه، لكن صديقه وضع يده على كتف نوح قائلا بجدية:"لقد ادركت شيئان..."
نوح بقلق:"ما الأمر؟"
ابتسم و هو يراقب مكان ما في ذلك الحي المكتظ ليجيب:
"أولا أننا عثرنا على من يحمل القلادة، او بالاحرى يوحد الممالك..."
بلع نوح ريقه ينتظر الخبر التاني و هو يرى إلى المكان الذي أشار له صديقه ليكمل:"ثانيا اشعر بالجوع لنذهب لذلك المحل اشتهيت أرز"
قال ذلك بدون مبالاة، و كأنه لم يكن يتحدث عن أمر حروب و ممالك في السابق. عقد نوح ذراعيه و هو يراقب عمر الذي يسير نحو المحل، لم يجد ماذا يعلق، فتنهد و قال:"احسدك على قدرة تخطيك بسرعة، و احتار كيف تأكل ما يكفي لاطعام بلد شهرا كامل في ليلة دون أن يزيد وزنك"
ابتسم عمر و أكمل سيره بنرجسية و غرور مسطنع و هو يقول:"ذلك سر الوسيمين، لا تتعمق فيه نوح"
ضحك نوح و هو يواكب خطواته قائلا:"ولا تقحم انت نفسك فيه كذلك".
توجها نحو المحل للطعام مواصلان مزاحهم و ضحكهم و سخريتهم من بعضهم البعض كأي صديقين عاديان، مخفيان آلاف الأسرار.
~في روانا، حيث عصمت~
حيث يختلط عبير البحر بصخب السكان، و حيث اكتظت القوارب على سطح المياه، جلست عصمت على أحد الصخور بقرب المناء، تقلب خنجرها بين يديها و كلام سالم لم يفارق عقلها، لاحظ يامن أنها شاردة طوال اليوم. اشترى بعض الحلويات و تقدم نحوها بخطى هادئة، ثم قاطع حبل افكاره قائلا و البسمة تعلو محياه:" عصمت، انظري..."
رفعت عصمت رأسها و قد بدت تائهة، حائرة من شيء لا تعرفه، وضعها هذا جعلت عيناه تضيقان، ربّت على كتفها ثم جلس بجانبها ليقدم لها الحلوى قائلا:"تفضلي يا آنسة، كلي شيء حلوا مابالك صائمة؟"
لم تجبه عصمت، بل حدقت في كيس الحلوى الذي منحه اياها ليكمل:"هيا يا اختاه كلي، لم تتناولي شيء منذ الصباح..."
كان قلقا للغاية عليها، و قلقه يظهر في نبرة صوته، فطمأنته بعد أن اخذت حبة حلوى و هي تقول:" أشعر أن كلام سالم غريب، سأسأل ذلك العجوز..."
رأى أن ذهابها للعجوز الذي هو ناصف سيكون مثالي، فوقف بجانبها و هو يقول ببهجة:"هيا اذن، ناصف سيكون قريب من الشاطئ، ليس فيه فالنذهب!"
لم تجد عصمت وقتا لتجواب فقد أمسك يامن بيدها مسرعا و هو يركض معها متجها قربا للشاطىء، شاطىء روانا و الذي سميت المنطقة باسمه. ركضت مسرعتا معه تتفادى الناس في طريقها حتى لا تصدمهم.
وصلوا أخيرا قرب الشاطىء لكن لم يتواجد ناصف. اشرعت البصر من اعلى الشاطىء الى اقصاه، و السماء تلونت بلون دموي. انقشعت السحب فلم تظهر إلا اشعة الشمس التي تختفي ببطىء تتلاعب بألوان السماء لتبدو كلوحة فنان ماهر، لكنها لوحة ربانية زُيّنت بنجوم كأنها شموع تنير عتمة الليل مع القمر بعد غياب الشمس نهائيا. و بينما استمتع الكل بمنظر الغروب، استدارت عصمت تجرُّ أذيال الخيبة لأن ناصف لم يأتي هذا اليوم .أدار اخوها رأسه يبحث عنه لكن لم يلمحه، فسار بجانبها بعد أن عاد قلقه عليها من جديد. لكن و كأن ناصف استمع الى رجاء فؤاذها الذي يخفق من شدة الفضول و التوتر بسبب تحذيرات سالم.
"يا ابنتي، و كأنك اتيتي لي؟"
استدارت عصمت بفزع لكن ارتسمت ابتسامة بالكاد تلحظ على شفتيها.
تقدمت نحو ناصف و قد عادت ثقتها، سألته بنبرة أخفت خلف شجاعتها توترا و خوف:"احتاجك لأمر ضروري".
زفر ناصف و هو يراقب الشاطىء البعيد قائلا:"ساخبرك بشيء و انت حرة، سواء صدقتني فلن تخسري شيء و لم أربح و سواء كذبتني فلن تخسري شيء اذا نسيت هذا المكان خلال عام و لن أربح شيء في كلتا الحالتين".
اومأت له عصمت و هي تقول:
"ستجدني لا أُكَذِّب كلامك، فقط اخبرني لما لا يجب عليَّ الحضور هنا؟ من هم الأخطر منك و من سلطانة؟ ما علاقة الخنجر؟"
أخرج ناصف ورقة ملساء و قدمها لعصمت، كانت ملامحه بشوشة عكس يامن الذي عبس و عصمت التي تجهمت من محتوى الورقة. مدت يدها بتردد لامساكها، و فور اخذها و فتحها، تحركت اعينها بين الأسطر المكتوبة، تابع يامن القراءة معها، و حين انهيا قراءة ما فيه و بدت الأسئلة تتراكم في عقلهم؛رفعو رأسهم لناصف حتى يسألوه عنها لكنه لم يكن هناك، و كأنه ملح ذاب في الماء.
"اللعنة أين ذهب هذا العجوز؟!"
سألت عصمت و غضبها يزداد، حاولت كبح مشاعرها لكن التوتر اعتراها لتسري قشعريرة في جسدها و ترتجف يداها لا اراديا.
"لا أدري، لكن لا تبتعدي، سأعود حالا يا عصمت!"
و قبل أن يخطو خطوة واحدة أمسكت عصمت به قائلة:"يامن! اذهب له في الصباح، الليل ملاذه و ملاذ سحره"
توقف يامن مكانه، و حين أدرك انها قد ذهب وحدها لكي تحميه قال بصوت مفعم بالأمل:
"ماذا لو اتجهنا لمن صنع خنجرك؟"
صمتت عصمت لبرهة، فكرت في الأمر جيدا قبل أن تقول:
"حسنا، أوافق رأيك، لكن دعنا نذهب غدا"
اومأ يامن، ثم أمسك بيدها و سار معها ببطىء نحو المنزل.
ظننت عصمت أن كل شيء سيكون بخير، بالرغم من فضولها إلا انها رفظت الذهاب للبحر.
واصلت السير محادية لأخيها، أخرجت خنجرها و فؤادها يخفق كقرع الطبول.
حدقت بالخنجر مطولا، و قبل أن تخبئه؛ جرحت راحة يدها لتبعد الخنجر بسرعة و تبقى عسليتاها تراقبان كف يدها و فمها مفتوح على مصراعيه...
"يامن، لقد جرحت نفسي...."
يامن دون أن يلتفت:"أهذه أول مرة؟ كل يوم تعودين بجراح مختلفة"
عصمت بملامح مصدومة و قد اعترتها الرهبة:"كلا، ليس طبيعي..."
"ما هو الذي غير طبيعي يحق الس_"
تغيرت ملامح يامن قبل أن يكمل و هو مصدوم مثلها:
"ما هذا هل أنت كائن آخر؟!"
دماؤها تنزف ببطىء، جرح سطحي، لكن دماء غير طبيعي...
حالكة سواد الليل، كالفحم تقطر قطرة تلي قطرة على يدها...
قد كان ما نزف اثر الجرح ليس دما، بل سائل مشابه بلون أسود.
تصلبت في مكانها و تجمدت الدماء في عروقها لتسري قشعريرة في سائر جسدها و هي محتارة مما حدث.
"ما هذا؟"
أنبس يامن و هو يراقب جرحها، أمسك بيدها بلطف ماسحا على راحتها و قبل أن يمررها على مكان الجرح سحبت عصمت يدها قائلة:"كلا! اخشى أن يصيبك مكروه حين الجميع!"
يامن بقلق:"اذن ابقى مكتوف الأيدي؟"
صمتت عصمت و لم تجد جواب، طأطأت رأسها قبل أن يأتها كلام أخيها:"سأذهب الى صانع خنجرك، سأتجه الى سلطانة و ناصف، سأسأل سالم، سأهبك دمي و روحي، لن أفرط فيكي و انت تعرفين، يا أختاه لن أدع قطرة أخرى منك تنزف و أراقبها مثل المجانين!"
رفعت عصمت رأسها لتوقفه، كان حديثه مع سالم و سلطانة و خاصة ناصف في مثل هذا الوقت كارثة. لكن سرعان ما ركض، و قبل أن تركض خلفه أبت قدماها التحرك.
لم تعرف لما تصلب جسدها، لم أبت قدماها الابتعاد، لما ربط لسانها و لم تحرك ساكنا.
اختلطت الرياح بهمسات خافتة، و غطت الغيوم البدر ليبقى المكان في ظلمة حالكة. و كأن ما سيحدث يخشاه القمر ليختفي خوفا من مواجهته. أما السماء المرصعة بالنجوم كأنها فوانيس داخلها ياقوت تنير الظلمات فابتعدت تدريجيا حتى لا تشهد على شيء.
مضت دقائق، حتى شهقت عصمت و هي تنحني لتتدارك أنفاسها. احست بحرارة عارمة اعترت جسدها، حرارة كفيلة باحمرار كفيها و وجهها.
تقدمت عصمت ببطىء و كل خطوة تخطوها كأن فؤادها يطعن بعدة خناجر فتستجمع انفاسها لتواصل سيرها من جديد. و اثناء سيرها؛ اصتدمت بشخص لتلتفت حتى تعرف من يكون...
شاب طويل القامة، يرفع يدها لترى الخواتم التي يرتديها، أما ثيابه فقد كانت خفيفة و كأنهم ليسوا مقبلين على فصل الشتاء.
لم تلاحظ ملامحه بسبب عتمة الليل، فقط قال:"عذرا..."
اشارت بيدها أن كل شيء بخير، و أومأت بيدها مواصلة تقدمها. و خلال ذلك، استطاع تمييز الدماء السوداء بالرغم من الظلام الدامس.
ابتسم بمكر و هو يشاهد عصمت تختفي من أمام بصره، فأردف و كأنه وجد كنزا قيما:
"يا صديق، تعال لكنها لا تشبه عبير اطلاقا."
بقت عصمت تمشي ببطىء، لم تعر الرجل السابق أدنى اهتمام، بل فكرت في محتوى الرسالة التي منحها أياها ناصف، و كيف أن كلامه مفهوم. لكنها حاولت أن تبقي جهلها، و كل ما ذكر تفكر فيه بطريقة أخرى. فبقت تردد في قرارة نفسها:"لن أوحد ممالك، لن أبني شيء، هذا ليس قدري"
«عالمنا ليس كأي عالم، فيه شيوخ و مجالس و كائنات مختلفة. ممالك متفرقة يرغب صاحبها بتوحيدها. أنت يا عصمت قد كتب قدرك منذ ولادتك، و ستبنين ما لم يستطع الآلاف الوصول إليه.
لا تفرطي فيهم...»
~في شاطىء روانا~
جلس نوح على أحد الصخور المقابلة للبحر. يستنشق عبيره المنعش و هو يفكر في المجهول و الماضي. و على حين غرّة، ضربة على رأسه تجعله يستدير متأهبا من أي خطر، لكن ما يراه يجعله يرخي ذراعيه و هو يقول:"بماذا أتيت؟"
عمر و هو يربت على كتفه بضحكة مكتومة:"بخبر"
"لو لم تقل لي ظننتك أتيتني بنظرية فلسفة بربك هل وجدتها؟"
اومأ له عمر متجاهلا بقية كلامه ليتابع:"نعم، لكن لو كانت عينيها تقتل لعدة اشلاء متحللة"
نوح بتجهم:"لماذا هل فعلت شيء؟"
عمر و هي يخفي ضحكته:"كلا لم تقل شيء أساسا صرفتني عنها كما يصرف الراعي خرافه"
عادت ملامح نوح المعتادة قبل أن يردف:"من أين تجلب أوصافك؟"
عمر و هو يجلس على رمال الشاطىء:"من عقلي"
نوح بعدما جلس بجانبه:"هل لديك عقل أساسا؟"
حدق فيه عمر مطولا قبل أن يجيب:"هيا يا مثقف أسرع و احضرها"
طأطأ نوح رأسه و كانه يصعب عليه أخذها. فهم نوح ما يشعر به فقال:"احضرها كما احضرت عبير، فلن يكن اسمي عمر بن مالك لو لم تكن أفضل من عبير التي يتغاشى عليها أكثر من أن تشرب"
ابتسم نوح بخفة، ثم وجَّه سؤاله لصديقه و هو يلتفت اليه:"حسنا، لكن تعال كذلك"
عمر و هو يقف لينفض الرمال من ملابسه:"طبعا، سنجلبها كأي شخصان طبيعيان صالحان يسعان لمصلحة بلادهم."
____________________________
يعني للجان لي كتبتلهم لأنو القراء منعدمين هاتو رأيكم كأي شخصان طبيعيان يسعان لقراءة روايات عديدة
(•ө•)♡
حسب رايكم من هم نوح و عمر؟ لماذا دمها أسود السواد بعينين الحساد؟ هاتو رأيكم (◕દ◕)