ابنة آدم و ابن الممالك

ابنة آدم و ابن الممالك

18 0

لا يسمع شيء، فقط أنفاس عصمت و هي تسير بحثا عن يامن. توقف جرحها عن النزيف، لكن السواد بدل الدماء مازال. تنزل رأسها لتحدق به لبرهة، قبل أن يجدبها شيء ما. صوت التفتت مسرعة لتعرف مصدره، لكن لم تميز شيء وسط الظلام الحالك.

تقدمت متجاهلتا إياه، لكن نفس الصوت قال:"أين تذهبين في حالتك هذه يا آنسة؟"

شهقت عصمت و هي تستدير لترى من أتى، بقيت واقفة لكن في داخلها ترغب بالركض و قمع فضولها. هبَّت نسمات تداعب خصلات شعرها على وجهها، بينما أخفت خلف قناع شجاعتها خوف و توتر رهيب.

لم تجب، فقط حدقت في المجهول ليأتها الصوت من جديد:"فعلا انك لا تشبهينها، هل فعلا لك القدرة يا ابنة آدم؟"

منادته لها بابنة آدم غريب، جعلها تفكر ألف مرة في أصله قبل أن تجيب بصوت باسل يتخلله التوتر التي سعت جاهدة لاخفائه:"أشبه من يا هذا؟"

ترددت ضحكاته في الأرجاء قبل أن يقابلها. شاب يبدو في مقتبل العمر. شعره أسود كالفحم، و ملامحه حادة. ابتسامته الماكرة جعلت قلبها يكاد يسقط من مكانه من شدة خفقانه. إنه يخفي شيء، يتظاهر بالطيبة لكن سوداوتيه ليست إلا جدار وراءه أسرار عدة.

بشرته البيضاء الشاحبة جعلتها تحدق فيه بتعجب لكن استعادت تركيزها حين مد يده قليلا لها قبل أن يقول و ابتسامته الماكرة تتلاشى ليحل محلها حزن و ندم:"لستِ كعبير، لن تكوني مثلها..."

اشتد توتر عصمت منه قبل أن تجيبه بحدة:"لا حاجة لي أن اكون مثل أي احد، و لا تشبهني بعبير خاصتك".

أدرك الواقف أمامها الذي كان نوح أنها مختلفة عن عبير كليا. لم ير فيها الرهبة و الخوف، لم يراها تهرب. أخفت قوة و صمود. و قد دفعه هذا لقول:

"لا احتاجك مثلها، احتاجك أقوى منها لتصمدي".

ثم أخرج من جيبه قلادة. لكن في منتصفها كان ينقصها حجر.

بلعت عصمت ريقها و هي تقول بذهول:"ما هذا؟"

نوح و هو يتقدم منها:"مجرد قلادة..."

عصمت بحدة:"لو لم تقل لظننتها فستان بربك لماذا القطع التي فيها ناقصة؟"

لم يجبها نوح. فقط أمسك بخصلة من شعرها. أبعدته عصمت عنها بالرغم من تعبها، لكنه حدق بها قبل أن يمد ذراعه و يمسك بعنقها.

لا اراديا مدت عصمت يدها لابعاد ذراعه لكن سرعان ما أحست أنه لا ينوي اذيتها. كانت قبضته تخفف من حرارتها. أنزلت عينيها لجرحها، فتفاجأت أن السواد زال، و صار مكانه دماء طبيعية.

"الجرح...؟"

سألت و جفونها بدأت تثقل، ليسكتها و هو يقول:"أشش، فقط اذهبي الى هناك..."

~حيث يامن~

دقات متتالية على احد الأبواب، و كأن أحد يكاد يكسر الباب.

"من هنا؟!"

سأل أحد المتساكنين بغضب و هو يتقدم لفتح الباب.

ضُرب الباب في الحائط بقوة عند فتحه ليصدر صوتا عاليا اختلط مع شتم الرجل و صراخه.

"ماذا تحتاج يا هذا؟!"

يامن بسخط:"أنت من صنعت الخنجر لعصمت، مالذي وضعته فيه؟"

الرجل بغضب:"ماذا؟ هل أتيت لهذا الشيء!"

"نعم هل تمانع؟!"

تراجع الرجل قليلا بسبب نبرة يامن الغاضبة، فأجابه:"نعم، لكن الفتى الذي كان يعمل عندي هو من سلمه لها".

يامن بقلق:"و اين ذلك الفتى؟"

أجابه الرجل و هو يتتاوَب:"لقد طردته ل_

"لماذا طردته هل تعرف أين هو؟"

قاطعه يامن بينما غضبه و قلقه يزدادان.

"لقد اكتشفت أنه سارق! المال الذي أعطيه إياه لشراء اللوازم يسرقه و يحضر لي أشياء أرخس! حتى أن الجواهر المعتادة يجلبها من الشارع!"

أدرك يامن ما حدث. الخطأ الجسيم الذي ارتكبه ذلك الفتى. فربما يكون خنجرها صنع بأشياء غير معتادة و هذا هو سبب الجرح الغريب.

رفع عينيه يحدق بالرجل ليسأله:"أين يعيش الفتى؟"

حرك الرجل رأسه يمينا و يسارا غير مدرك موقعه الحالي. ثم أغلق الباب بينما بقي يامن حائرا في أمره. وبعد مدة من الوقوف بحيرة، عاد يركض حيث ترك عصمت. و حين وصل؛ لم تكن موجودة.

بدأ قلبه يخفق خوفا عليها، و لا اراديا ركض اتجاه الشاطىء. خاف أن يكون فضوله تغلب عليها، بالرغم من أنه يدرك جيدا أن عصمت ليست من النوع الذي يخضع لفضولهم و عواطفهم، بل تفكر جيدا قبل أي خطوة تتخدها.

~شاطىء روانا~

حيث لا صوت يسمع إلا أنين، و حيث اخطلطت الرياح بعبير جاذب كالمسك و خانق كالدخان في نظرها، تلك التي استلقت على رمال الشاطىء؛عصمت و قد بدأت تصحو بعد أن فقدت وعيها قبل قليل.

تحول الأنين الى ضحك غرباء، و عصمت تنهض بتثاقل كأنها غفت في سباة عميق.

أمسكت رأسها من شدة الألم و هي تنظر للمكان من حولها. قد كانت في الشاطئ الذي حدرها سالم منه، و الذي أشار ناصف أن شيء فيه سيحدث. «شاطىء روانا».

كان خنجرها مغروسا أرضا، بينما الحجرة التي تعلوه لمعت كالياقوت أسفل ضوء البدر المكتمل.

تقدم رجل بنيته ضخمة و هو يراقب المكان جيدا. و حين قابلت نظراته الخنجر المغروس أرضا، نادى على آخر و هو يقول:"وجدنا كنزا قيما!"

صديقه و هو يتقدم نحو الخنجر:"انه رائع أخي، لكن الحجر الذي فيه غريب..."

الرجل الآخر و هو يربت بيده على كتف صديقه:"كلا يا أخاه، الغرابة لا تزيد إلا الثمن".

ضحك الصديقان بينما طال حوارهم و عصمت لم تكترث له. شعرت بأعين تتربص بها. راودها الشك حيال الشخص الذي قابلها سابقا_نوح_ و قلقها يزداد حيال سبب جلبها الى هنا.

ربطت الأحداث السابقة لتصل الى نتيجة واحدة، ألا و هي؛ أن عليها فعل أمر هام للغاية، أمر يخشى سالم أن يحصل بينما يرغب به ناصف. شعرت أن أي شيء ستفعله لن يصيبها جراءه أي مكروه فإن الشخص السابق يتربص بها. و أنه يرغب منها ايقافهم، و يرغب باستعادة شيء مفقود.

نظرت للخنجر و الحجر الذي يعلوه، لتتذكر القلادة الناقصة التي أراها اياها الشاب في السابق.

في تلك اللحظة أيقنت أنه يجب عليها استرجاع خنجرها. حتى حين رفضت الذهاب حتى لا تعلق معهم، أتاها احساس غريب يأمرها بالتحرك و أخذ الخنجر من بين يديهم.

مد الرجل يده آخذا الخنجر برفق. سار بجانب صديقه وهو يحدثه عن بيع الحجر الذي فيه.

"ان حجره ثمين، اسمع يا أخاه أظن أننا _

لتقاطعهم عصمت و هي تتقدم و تقول بنبرة حادة:"اسمع أنت يا أخاه، أعد الخنجر و إلا اقسم بعظمة بارئي أنني سأقطع يدك به".

"هاه؟"

التفت الرجال يحدقان في عصمت بحدة. أخرج أحدهم سكينا وهو يتقدم نحوها قائلا:

"أظن أن في عقلك شيء يا امرأة، اعتذري و إلا كنتِ جثتا هامدة!"

عصمت و هي تتقدم بثقة:

"هذا ليس من شيمي. ولا أرى جثة هامدة غيرك"

مد الرجل السكين وهو يتقدم نحو عصمت بسخط.

و قبل أن تقوم عصمت بأي حركة، أصاب خنجر رأس ذلك الرجل مباشرة ليسقط أرضا دون أن يرى حتى وجه قاتله.

قد كان نوح الذي تقدم بجانب عصمت و ابتسامة مكر تعلو محياه:"اذن تفضلين الخناجر، بصراحة تفاجأت حين وجدت خنجرا عندك"

أمالت عصمت رأسها لتجيبه:

"هل لديك مانع ان أحببتُ الخناجر؟"

نوح وهو يمرر يده عبر شعره القاتم:"كلا، بصراحة أراه مبهرا أكثر. «خنجر عصمت» بدل «قلادة عبير»، ما رأيك؟"

رمقته عصمت بحد و هي تقول:

"من عبير؟ هل هي التي قلت انني لا أشبهها سابقا؟"

اومأ نوح و هو يتقدم نحو الرجل الآخر، ليلوي ذراعه و تتناثر دماءه الدافئة على وجهه و تلطخه اثر ضربه له بالسكين.

"نعم، لكن أظن أن اسم عبير الأصل و الباقي تقليد".

عصمت و هي تتقدم لأخذ خنجرها:"مهما كانت عبير هذه، لا دخل لي فيها ولا تقحمني بأي مشاكل".

استوقف نوح عصمت حين وقف أمامها بحدق فيها بسوداوتيه و هو يقول:

"لا تقلقي يا ابنة آدم، ابن المماليك لن يقحمك في مشكلة.

فقط سيخلد اسمك. و طبعا على حسابي".

رفعت عصمت حاجبيها و هي تحدق به. بالكاد فهمت ما يخفيه كلامه لتجيب:"حسنا اذا يا ابن المماليك ماذا تحتاج؟"

نوح و هي يمسك بذراعها:

"احتاجك"

شدت عصمت قبضتيها و هي تبعده قائلة:"لا حاجة لك بي ولا حاجة لي بك".

"كلا، و أول حاجة هي المماليك. أما ثاني حاجة فهي لك. لن تعيشي بهدوء. فخنجرك لم تَمُرَّ عليه سنة".

تذكرت هنا تحذير سالم. لكن الخطأ ليس خطأها، فبِلا شك هو من جلبها الى هنا.

"لماذا احضرتني الى هنا و رميت الخنجر هناك حتى يتم سرقه؟"

لم يجبها، بل أجابها صوت شاب آخر وهو يقول:"حتى يعيش دور المنقذ لتثقي به و شيء من هذا القبيل.تصرف كشخص طبيعي يا صديق!"

قد كان عمر صديق نوح. و قد تذكرت عصمت أنها اصتدمت به سابقا، لذا سألته:"هل أنت من أخبرته بمكاني؟ مالذي تحتاجه مني؟"

عمر و هو يبتسم:"قلت لك أنها أفضل من ملكة الاِغْمَاء لكنك قلت لا عبير ليس لها مثيل!"

قال ذلك بينما يحرك سبابته لينفي الأمر مقلدا تصرف نوح وقتها.

نوح بحدة:"لن أقول شيء حتى أعرف كيف رحلت..."

عمر و هو يربت على كتفه:

"تقول رحلت و كأنها ذهبت للسوق لابتياع بطاطا الأخت الكريمة طارت مع الرياح الى السماء بالمعنى الحرفي"

ثم تمتم و هو يشير بيمناه إلى السماء:"ودعت"

لم يجبه نوح، لكن شد قبضته على يد عصمت و هو يقول آمرا:"ستأتين معي إلى أرلوناسيا"

قالت عصمت محاولة التملص من قبضته بنبرة ساخرة:"أرلو ماذا؟ لا يفلح ساحر من حيث اتى"

ضحك عمر ليقول:"لمكان واسع ستلتقين به بالع_

"عصمت!"

صراخ أحدهم قاطعه ليلتفتو حتى يعرفو من أتى.

أدركت عصمت مباشرة أنه يامن، لذا استغلت الوضع حتى تهرب من نوح و تتجه نحوه.

لكن سرعان ما أمسكها نوح من جديد واضعا سبابته على جبينها. و في لمح البصر، أحست أنها تغفو لا اراديا. تلاشت رؤيتها، و لم تسمع أي شيء بعدها.

~

~

~

"صباح الخير يا ابنة آدم"

صوت مألوف أتاها. تفتح عصمت عينيها بصعوبة، و قد كان نوح يحدق بها. في مكان آخر، غرفة كبيرة وجدت عصمت نفسها فيها. بناء و نقش لا يشبه بيوت روانا على الاطلاق. قد كانت في أرلوناسيا، كما قال نوح.

"اهلا بك في أرلوناسيا".

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلادة عبير

المؤلف Safwa
2025/10/09 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة