من بين الحشود، تنزل عصمت درجة تلي درجة في السوق الضخم. تصطدم بأحد تارة و تارة تمشي ببطىء.
وصلت اخيرا مقابلة للمناء، اشرعت ببصرها على المياه الصافية لتستنشق عبير البحر الذي يبعت السكون في النفس، و ارتأت أن تبحث على يامن الذي تعتبره مثل اخيها.
احدى المشعوذات كانت تحمل بلورة، تقترب من عصمت بابتسامة ماكرة...
"انت يا ابنتي، ما رأيك أن اعرف ما سيحصل؟ يبدو لي أن قدرك سيغيره شيء، شيء ليس في الحسبان..."
تلتفت عصمت مفزوعة من تلك العجوز، تناظرها بحيرة و تقول بنبرة مستهزئة: "حين تلتقي الأرض بالسماء و تشرق الشمس من المغرب سأذهب إلى مشعوذ"
بكلماتها جعلت عصمت المشعوذة غاضبة، بملامح حادة تصيح فيها: "أراك يا ابنة جواهر تغترين بنفسك، فأنا لست كأي مشعوذ..."
بيدها تضرب صدرها و ملامح الثقة تعلو محياها، تخاطب عصمت: "شرقا و غربا، شمالا و جنوبا، أنا الآمرة الناهية للكائنات الأخرى!"
كتمت عصمت ضحكتها و هي تردف بنبرة ساخرة: "هل تقصدين الحيوانات؟"
اشتدت ملامح العجوز عاقدتا حاجبيها على استهزاء عصمت بحنق.
"أراك مازلت تسخرين مني و من القدر..."
"ويحك يا ساحرة! أنا لم و لن اسخر من القدر ! لكن هل عساك تنظرين للبحر مرة؟ ما يرونه البحارة ليلا فيه، انت مرسلته؟ ويحك يا مشعوذة!"
ترى العجوز أن عصمت لن تتراجع عن قرارها ولو طعن فؤاذها، ابتسمت بمكر و حدة، ملقية بعينيها نحو البحر.
"ما فيه انا قادرة على طرده!"
"اطردي الفئران من بيتك أولا!"
اجابتها عصمت مستديرة حتى تغادر بحثا عن يامن، و لم تأبه لها.
"أرى أن عصمت لم تأبه لكلامك يا سلطانة!"
تلتفت العجوز سلطانة لترى من يخاطبها، رجل عجوز بلحية بيضاء تدلت حتى بلغت اعلى بطنه، يمسكها بيده بابتسامة ماكرة. التجاعيد ملأت وجهه، يغمض عينيه يترقب الاجابة.
من رأسه الى ساقاه، تمعنت سلطانة هيئته.
ملابس بالية، عيون هادية، و الأهم رأسه شامخ.
"ما شأنك يا ناصف؟"
ضحك العجوز ناصف متقدما بجانب سلطانة.
"اقسم لك يا سلطانة أن جواهر ربت امرأة تفعل ما لا يفعله ألف رجل. و يوما ما، خنجرها سيسفك دماء العبودية و الجهل."
بنبرة حائرة تسأل سلطانة ناصف: "اولست للسحر تارك؟ ظننتك اهتممت بهذه العلوم في الزمن السابق"
عاد ناصف يضحك متأملا المنظر أمامه.
"آخ يا سلطانة... عصمت أرى قدرها حتى و أنا معصم العينين!"
"بحثت في هذا يا ناصف...هل فعلت ذلك باذن شيخ العرابين؟"
"كلا يا سلطانة..."
اجابها ناصف و اكمل موضحا بسبب ملامح العجوز المتجهمة بنبرة آملة: "بل باذن القرابين، و اهل العابرين."
لم تفهم العجوز ما قصده، اومأت له و عيناها تضيقان...
افترق عنها ناصف دون أن يقول أي شيء آخر. يلوح بعصاه للأمام ليسير و هو يلقي السلام على كل من هبَّ و دبَّ، لكن لا أحد يرد عليه.
فقد عرف ناصف أنه ساحر سابق، و هو الآن منبوذ.
بجانب أحد القوارب، شاب طويل القامة، عريض المنكبين، وضيء، بسَّام و مديد.
قد كان يامن بجسده الجسيم، يحمل احدى الصناديق ليضعها وسط القارب.
و فور ان التقت سوداوتاه بعسليتاها، ذهب إليها مسرعا.
"عصمت!"
نادى عليها لتسرع نحوه.
امتزج المكان بعبير البحر و سكونه، صخب السكان و احتشاد المكان.
بجسدها الرشيق و شعرها الأملس، و اغيدة الشفتين.
التفت يدا عصمت حول يامن، و كأنها لم تره منذ سنة.
"و العجيب في امرك يا اختاه أنك الوحيدة التي تشتاقين، و بالرغم من بقائي معكم أمس، إلا أنك كل ما قابلتني نحوي تندفعين.إنك نعمة عليّ،و كنز ثمين، سأحافظ عليه ما حييت."
بابتسامة عريضة ابتعدت عصمت عنه واضعتا يداها خلف ظهرها. تمشي ببطىء متقدمتا بخطوات عريضة.
"آه يا اخاه الشاعر! وفِّر كلامك لنهى معشوقتك..."
احمّر وجه يامن خجلا، لكنه سرعان ما بدده بانكار الأمر.
و لم تنادي نهى بمعشوقتي؟ انها رفيقة لي منذ الصغر!
بسرعة تقدمت عصمت لتضربه بخفة على ظهره و تكمل: "رفيقة طفولة اذا؟ و أنا نويت أن امهِّد الطريق لك نحو معشوقتك..."
"حقا؟!"
فلتت الكلمات من بين شفتاه لانفعاله، كتم بقية الحديث واضعا يداه على فمه علامة على سكوته.
"ارأيت؟ قلت لك أنك لن تخبىء على اختك هذا! هيا هيا اكتب لها شعرا يا فصيح اللسان!"
ابتسم يامن بخجل منزلا يديه من على فمه، ضرب عصمت بخفة على رأسها لمداعبتها و اكمل: "اذا هاتني بمدح، شعر أو أي كان!"
وضعت عصمت يداها على موقع الضربة لتجيب: "ستدفع لي ثمن حلوى على ضربتك بالرغم من أنها خفيفة!"
"حلوى؟ بربك اتأكلين الحلوى؟"
نعم، العمر مجرد رقم يا اخي! مازلت اعتبر نفسي في 11!
اختلطت الضحكات و كلام الناس، بينما شقّت عصمت رفقة يامن الطريق نحو محل في السوق، قد كان متوسط الحجم، لكن اي شيء يخطر على البال يوجد فيه.
سَمّوه بمحل القبو، فقد كان في قبوه كل ما يخطر على بال بشر. و كأنه مكان سحري خرج من رواية خيالية.
"سلام يا عمُّ سالم!"
القى يامن التحيَّة على العمِّ سالم، ليَّرُدَّ سالم: "اهلا يا بني، كيف حالك؟"
كان سالم شيخا حكيم، صاحب محلِّ القَبو. يجلس دائما على عتبة الباب، او ينظِّم المحل و ما فيه.
"بخير يا عمُّ..."
"ما بالي اراك مهموم يا يامن؟"
استقام سالم مسرعا نحو يامن، حتى يقابل عصمت تقف أمام المحل.
و قبل ان يسأل يامن، بادر بالحديث بوجه متجهم مع عصمت.
"يا عصمت، لا تذهبي إلى الشاطئ حتى يدور الحول على خنجرك و إلا سيدور هو و العهد على قبرك."
قشعر جسد عصمت من هذا الكلام، و احسَّت انه يخفي شيء.
"يا شيخ سالم، من اين عرفت عن خنجري؟ و لا تقل لي أنك رأيتني حين ابتعته."
اجابت بنبرة باردة...
قهقه الشيخ ليردف: "في العادة اكرهه، لكن اذهبي إلى ناصف و سيخبرك عن شيوخ و مجالس، بئر غريب و بحار بعيدة، و الأهم من ذلك؛ قلادة شر لحاملها و خيرا لتابع حاملها."
عقدت عصمت حاجبيها، ابتعدت عن المكان و نادت يامن: "لنذهب من هنا، المدينة لا تخلو من المشعوذين."
صاح سالم من الخلف:" لست بمشعوذ يا ابنة جواهر!"
قابلته عصمت بحدة و انبست:" اذن، مالذي سأجده في ذلك المكان؟ ولما يمنع عليَّ الذهاب إلى الشاطئ حتى يمضي العام على الخنجر؟"
طأطأ سالم رأسه عائدا الى مكانه و تابع:" اخشى ان تعلقي مع من هو اخطر من ناصف و سلطانة، اخشى ان تلتقي بحاكم عظيم، و أن لا يحالفك الحظ فيقتلك."
" من هو؟"
تسأل عصمت بحذر، مترقبة اجابته.
أجابها سالم و قد لانت ملامحه:" يا ابنتي، إن في هذا العالم اشياء عديدة مازالت مخفية عليك، و كل ما عاشه قبلنا نجهله"
تنهد و من ثم اكمل متأملا المكان من حوله:" كل ما عشته، لا احد سيعرفه. اذا فالتعيشي كما يحلو لك. تبسمي و ابكي و اغضبي و افرحي، لكن دون مخالفة قوانين الحياة"
"و ما هي القوانين هذه؟" عصمت بريبة.
" اسألي ناصف، و لا تذهبي للشاطىء"
عصمت و هي تغادر:" طلبك غريب"
ضحك سالم و هو يدخل إلى محله قائلا:" هذا ليس طلبا يا عصمت، بل هو أمر"
تجمدت عصمت مكانها، لولا دفع يامن لها.
" ماذا حلَّ بك يا عصمت؟!"
يخفق فؤاد عصمت كقرع الطبول، ابتعدت عن الناس متوجهتا لمكان خالي مع يامن، ثم قالت بنبرة مرعوبة:
"الشيخ سالم يخفي شيء، لن اذهب الى الشاطئ، و لن أجر نفسي الى الهاوية، لكن..."
"لكن ماذا؟!" يامن بحيرة يتخلله الغضب و الخوف.
" أرسل أحد البحَّارة يا اخي، دعهم يعرفون ما يوجد، و ما يخفيه سالم"
{اول شيء احتاج رأيكم عن عصمت و عن ناصف و يامن و سلطانة، و توقعاتكم عن تحذير سالم✨}
احم احم طبعا أقول هذا للجان ما في قراء💔