حين بدأ كلّ شيء"
قبل ثلاث سنوات…
في جامعة مدريد، كلية العلوم العصبية.
كانت القاعة رقم (B12) تعجّ بالطلبة، معظمهم نصف نائمين بعد محاضرة امتدت ثلاث ساعات عن الدوائر العصبية والسلوك البشري.
في الصف الأمامي جلست ليانا — طالبة الدكتوراه الجديدة، مرتّبة، صارمة، ذات نظرة لا تعرف المزاح مع أحد.
كانت تدون الملاحظات بسرعة جنونية، وكأنها تخوض سباقًا مع الزمن.
حتى سمع الجميع الباب يُفتح بعنف.
دخل رجل طويل القامة، يرتدي قميصًا أسود غير مكوي، يحمل كوب قهوة بيده وملف أوراق مبعثر في الأخرى.
وقف عند الباب وقال بثقة وابتسامة نصف ناعسة:
– “عذرًا على التأخير… لقد كنت أجري تجربة علمية مهمة: النوم.”
ضحك الطلاب، أما ليانا فرفعت نظرها نحوه ببرود:
– “يبدو أن التجربة نجحت.”
توقّف ماتيو، ثم نظر إليها مباشرة وكأنه وجد شيئًا مثيرًا في ردّها.
– “وأنتِ؟ لستِ من النوع الذي ينام كثيرًا، أليس كذلك؟”
– “ولا من النوع الذي يضحك كثيرًا.”
اقترب منها بخطوات واثقة، وجلس بجانبها دون أن يُدعَى.
قال وهو ينظر إلى دفترها المرتّب بعناية مذهلة:
– “واو… كل هذه الملاحظات عن الدماغ؟”
– “نعم.”
– “وهل في مكان بينها ملاحظة عن كيفية جعل القلب يتوقف كلّما ابتسم أحدهم لكِ؟”
توقّفت يدها عن الكتابة، رفعت نظرها ببطء، وقالت بجمود:
– “هذا ليس درسًا في الرومانسية العصبية، أستاذ…”
– “ماتيو موراليس. باحث، قسم السلوك العصبي.”
– “ليانا كاساريس. لا أحب المقاطعة أثناء عملي.”
ابتسم وقال:
– “إذن سأعتبر نفسي تجربة.”
---
منذ ذلك اليوم، لم يتركها في حالها.
كان يظهر في كل مكان: في المكتبة، في الكافتيريا، حتى في الممرّات التي لم يكن له سبب للمرور بها.
كل مرة يحمل عذرًا جديدًا — مرّة يريد استعارة كتاب، وأخرى يريد رأيها في بحث لم يكتبه بعد.
كانت تحاول تجاهله، لكنه كان من النوع الذي يجيد التسلل إلى الذاكرة دون استئذان.
وذات مساء، بينما كانت تعمل في المختبر، دخل بصمت حاملاً صندوقًا صغيرًا.
قال بخفة:
– “هدية علمية.”
نظرت إليه بريبة:
– “لا أقبل الهدايا.”
– “ستغيرين رأيك.”
فتح الصندوق، فوجدت داخله نموذجًا بلاستيكيًا لدماغ بشري، لكنه كان مختلفًا — أحد النصفين ملوّن بالذهبي، والآخر بالأسود.
قال بابتسامة غامضة:
– “النصف الأيسر يمثل عقلك العلمي… والآخر يمثل جنوني عندما أحاول فهمك.”
رغم إرادتها، ابتسمت. لحظة قصيرة جدًا… لكنها كانت كافية.
ذلك النوع من الابتسامات التي تفتح بابًا لا يُغلق بعده أبدًا.
---
بعد أسبوع، بدأ الجميع يلاحظ أن ماتيو أصبح غريبًا أكثر من المعتاد.
يتحدث عنها كثيرًا، يحلل كل كلمة قالتها، كل نظرة ألقتها.
حتى جورج، الذي كان وقتها طالب ماجستير في الأمن السيبراني، قال له مازحًا:
– “احذر يا صديقي، أنت لا تدرس الدماغ… أنت تسقط فيه.”
لكن السقوط كان قد حدث فعلًا.
---
في آخر يومٍ من الفصل الدراسي، وجدها ماتيو على سطح الجامعة، حيث اعتادت قضاء وقتها وحدها.
اقترب منها وقال بصدقٍ غريب:
– “أتعلمين؟ عندما أراكِ، لا أستطيع التفكير بشكل منطقي… وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لعالِم أعصاب.”
نظرت إليه طويلاً، ثم قالت بهدوء:
– “لهذا السبب يجب أن تبتعد، ماتيو.”
ضحك بخفوت:
– “أنتِ تقولين ذلك وكأنني أملك الخيار.”
غادرت دون أن ترد، وتركته هناك، بين ملفات وأحلام وشيء يشبه الجنون بدأ يتكوّن ببطء في عينيه.
---
ذلك اليوم لم ينسه أحد منهما.
هي تظن أنها أغلقت الصفحة،
وهو… قرّر أن يجعلها أطول فصل في حياته.
---
✦ نهاية الفصل الثالث ✦
اتمنى يكون عجبكم الفصل👌🏻🙂
كانت معكم athanassia 🍃🤍