الليل كان ثقيلاً، كأنه يتواطأ مع الأسرار التي تحملها حقيبتها الصغيرة.
خطواتها في المطار بدت أسرع من اللازم، وكأنها تطارد ظلًا يلاحقها منذ سنوات.
لم تكن تهرب من بلدٍ فقط… كانت تهرب من قدرٍ مكتوب بالدم.
هي لا تعرف من ينتظرها على الجانب الآخر، لكنها تعرف جيدًا ما تركته خلفها: وجوه لا تُنسى، وعيون لا تغفر، وأصابع تعرف طريقها إلى الزناد.
كانت تظن أن الطائرة تفتح لها باب الحرية… لكنها لم تكن تدرك أن الحرية في عالم المافيا لا تُمنح، بل تُشترى بالولاء، أو تُدفع ثمنها بالحياة.
ماتيو موراليس لم يكن مجرد اسم يتردد في أزقة مدريد المظلمة…
كان أسطورة حيّة، رئيس أخطر عائلة مافيا في إسبانيا، الرجل الذي يُدارى به الرعب كما يُدارى به الاحترام.
شعره البني الداكن ينسدل دومًا بطريقة أنيقة، كأنه لم يُخلق للفوضى رغم أنه ابنها الأول.
وعيناه… خضراء باردة، لا تشبه العيون البشرية، بل أقرب إلى شفرات زجاجية حادة، قادرة على اختراق أي جدارٍ من الأسرار.
بابتسامة صغيرة، يزرع الخوف في قلوب خصومه، وبصمته يفرض هيبته على رجاله.
ماتيو لا يتحدث كثيرًا، لكنه حين يفعل، تتحول كلماته إلى أوامر لتحتمل النقاشالكل
على ارتفاع آلاف الأقدام، بينما غاصت الطائرة في عتمة الليل، استسلمت ليانا لذكرياتٍ لم تكن ترغب بفتحها.
الوجوه القديمة تعود دومًا عندما تحاول الهرب… والذاكرة أكثر قسوة من أي مطارد.
---فلاش باك:
كانت آنذاك طالبة طب في سنتها الثانية. كتب التشريح متراكمة على طاولتها، وأكواب القهوة الفارغة شاهدة على سهرٍ لا ينتهي.
في قاعة المحاضرات، كان الجميع يعرفها بالفتاة المتفوقة الصامتة التي تجلس دومًا في الصفوف الأمامية، تدون كل كلمة، وكأنها تخشى أن يضيع منها شيء.
ورغم انشغالها بالدراسة، لم يكن بوسعها أن تتجاهل نظرات رسيم، ابن خالتها، الذي يصرّ على مرافقتها أينما ذهبت.
كانت تظن الأمر مجرد حنين عائلي، أو رغبة في الدعم، لكن شيئًا غامضًا في عينيه كان يربكها.
في إحدى الليالي، وبينما كانت تستعد لاجتياز امتحان التشريح، طرق رسيم باب شقتها.
فتحت وهي متعبة، لتجده واقفًا حاملاً بين يديه صورة قديمة بالأبيض والأسود. ابتسم ابتسامة باهتة، وقال:
"تعرفين من هذه؟"
أخذت الصورة بين أصابعها، فرأت امرأة بملامح رقيقة، شعرها ينسدل على كتفيها، وعينان عميقتان تشبهان مرآة… بل تشبهانها هي نفسها.
"إنها أمي"، همس رسيم، وصوته يرتجف.
ثم أضاف وهو يحدق فيها وكأنه يخشى أن تختفي:
"أتعلمين لماذا لا أستطيع تركك لحظة واحدة يا ليانا؟ لأنك تذكرينني بها… أنتِ النسخة الحية منها."
ارتجفت يداها وهي تعيد له الصورة بسرعة، تحاول أن تخفي القشعريرة التي سرت في جسدها.
ضحكت ضحكة مرتبكة لتغيّر الجو، لكنها لم تستطع التخلص من ثقل تلك الجملة.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت تشعر أن وجود رسيم حولها ليس مجرد صدفة أو عاطفة عائلية… بل هوس يتغذى على ماضيه المكسور.
---العودة إلى حاضر:
على مقعد الطائرة، أغمضت عينيها بقوة لتطرد هذه الذكرى.
لكن السؤال عاد يهمس في أعماقها:
هل كان هروبها من بلدها، ومن ماضيها كله… هو في الحقيقة هروب من رسيم قبل أي أحد آخر؟
اتمنى يكون اعجبكم الفصل👌🏻🤍
كانت معكم athanassia