هبطت الطائرة في مطار مدريد كما يهبط قلبها كلّما تذكّرت ما تركته خلفها.
كانت حقيبتها الصغيرة خفيفة أكثر من اللازم، كأنها تخفي أسرارًا أثقل من أن تُحمل. وكلما حاولت أن تبدو مسافرة عادية، أيقنت أنّ العيون الخبيرة لا تنخدع بسهولة… خصوصًا عيون رجال المافيا.
في صالة الاستقبال، تقدّم منها رجل طويل القامة، أنيق أكثر من المعتاد، بابتسامة واثقة لا تطمئن بقدر ما تثير الريبة.
مدّ يده قائلاً بلهجة لا تقبل الجدال:
– "الدكتورة ليانا… رئيسنا بانتظارك."
ارتبكت، حاولت التملّص:
– "أظن أنّك تخطّأت، أنا لست–"
فقاطعها بابتسامة أكبر:
– "خطأ؟ لو كنتُ مخطئًا، لما كنت هنا أصلًا… بل في قبر."
لم تجد مهربًا، فاتبعته.
---
في السيارة السوداء الفاخرة، جلست متوترة تحدّق في النافذة.
ظلّ الرجل صامتًا برهة، ثم فجأة أخرج كيس "رقائق بطاطس" وبدأ يأكل بصوت واضح. التفت إليها بعفوية وقال:
– "هل ترغبين ببعضه؟"
حدّقت فيه باستغراب:
– "أأنت تصطحبني إلى لقاء أخطر رجل في مدريد… وتعرض عليّ رقائق بطاطس؟"
ضحك بهدوء:
– "ولِمَ لا؟ المرء لا يواجه الأساطير على معدة فارغة."
رغماً عنها، ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، سريعة، كأنها كسرت جدار الخوف للحظة.
---
حين توقّفت السيارة عند بوابة قصر فخم تحيط به أشجار عالية كأنها جنود صامتون، شعرت ليانا أنّها دخلت عالمًا آخر.
في القاعة الرئيسية، رأت ماتيو موراليس جالسًا على أريكة داكنة، يحدّق في كأس نبيذ ببرود مهيب.
شعره البني الأنيق، وعيناه الخضراء اللامعة التي تخترق ما أمامها، جعلاها تدرك أنّ هذا الرجل لا يحتاج أن يرفع صوته؛ الصمت ذاته ينحني له.
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يراقبها، وقال بصوت خافت لكن قاطع:
– "أهلًا بالطبيبة الهاربة."
ارتجفت أصابعها، بحثت عن كلمات فلم تجد.
وقبل أن يتابع ماتيو حديثه، دخل الرجل نفسه وهو ما يزال يمضغ من كيس آخر من الرقائق. قال ببرود:
– "سيدي… انتهيت من الكيس الأول. هل أفتح الثاني أم نوفره لوقت لاحق؟"
ساد صمت ثقيل. رفع ماتيو بصره نحوه وقال بجفاف:
– "جورج… أحيانًا أتساءل: هل أنت حارس شخصي أم آلة طعام متنقّلة؟"
ردّ جورج بابتسامة:
– "ربما الاثنان معًا، سيدي."
لم تستطع ليانا أن تمنع نفسها من الضحك الخافت، لكن سرعان ما تلاشى حين عاد نظر ماتيو يخترقها.
اقترب منها بخطوات محسوبة، وقال:
– "تظنين أنّ الطائرة أنقذتك؟… الطائرات لا تنقذ أحدًا، بل تغيّر فقط مكان موته."
كاد جسدها يتجمّد، ومع ذلك وجدت نفسها تهمس بصوت مرتجف:
– "أنا لا أبحث عن موت جديد… بل عن حياة جديدة."
للمرة الأولى، بدا أنّ عينَي ماتيو تلتمعان باهتمام مختلف. ابتسم ابتسامة غامضة وقال:
– "فلنرَ إذن، هل أنتِ مستعدّة لدفع ثمنها."
---
✦ نهاية الفصل الثاني ✦
اتمنى يكون عجبكم الفصل👽✌🏻
كانت معكم athanassia