10
بعد ليلتين من التحقيقات الثقيلة والأنفاس المتقطّعة، وبعد أن تفحّصوا التسجيلات أخيرًا، وجّهوا أنظارهم حيث كان يجب أن تكون منذ البداية على الرجل.
الذي خرج من حمّام السيّدات بنظرته الباردة، ونظافته المرتبة، وكذبه المصقول.
ظهر كل شيء واضحًا على شاشات الأمن
ماريسول تدخل بعده، تُسرع إلى الداخل عند سماع الصوت، وتخرج والطفلة بين ذراعيها، مرتجفة، مذعورة، دامية...ولكن بريئة.
وانهار قناع الاتهام.
لوسيان كان أوّل من عَلِم، فجاء مُسرعًا، تسبقُه نظراتٌ تشبه السماء قُبيل المطر. جلس إلى جوارها، لا بكثير من الكلام، بل بقلبٍ مُثقلٍ وعينين تُشيعان اعتذارًا صامتًا. رفع رأسها بكفّه برفقٍ
"سامحيني...لَقد تأخّرت."
فأجابته بصوتٍ خافتٍ لا يُشبه صوتها
"لا بأس..."
لكن، منذ تلك الليلة، لم تعُد ماريسول كما كانت.
اختفت الشرارة التي كانت تلمع في عينيها بسُخريةٍ لاذعة، ولم تَعُد خطواتُها تطأ الأرض بذات الثقة.
حتى صوتها، ذاك الذي كان يُشبه طلقةً ذكيّة في مجلسٍ مكتظٍّ بالرجال، صار يخرج على مهل، كأن كلّ كلمةٍ تُوزن بقلبها أولًا، وتُمرّر من غربال الجرح قبل أن تُقال.
أما لوسيان، فكان يجلس على طرف مقعده، يراقبها من بعيد، يحتسي قهوته السوداء التي لم يعُد لها مذاق.
وفي كلّ مرّةٍ ينظر إليها، يشعر بشيءٍ لا يعرف له اسمًا. ليس حزنًا وحسب، بل ذنبًا ثقيلًا، صامتًا، أشبه بحجرٍ وُضِع على صدره، ولم يُرفع بعد.
لقد تأخّر.
وهو يعلم ذلك، تمام العلم.
في تلك الليلة، كانت ماريسول تصرخ بعينيها، لا بفمها.
صرخةٌ صامتة، تختنق بين الجفون، لا يسمعها إلّا من كان قلبه على صلةٍ بعينيها.
وكان هو...في الجهة الأخرى من القاعة، يبتسم مُجامِلاً لرجلٍ أخرق، يتحدث عن أمرٍ أكثر خِفّةً منه، كأن العالم لم يكن على وشك الانهيار.
وحين بلغه ما حدث، هرع بكلّ ما فيه، لكن الضرر كان قد وقع، وكانت الشبهات قد التصقت بها كما يلتصق الطين بحذاء طفلٍ، لا يعرف كيف يُبرّر جهله، ولا أحد يسأله كيف أصبح حذائه هكذا.
رآها تبكي...للمرّة الأولى.
تلك المرأة التي لطالما رآها كالطود الشامخ، التي كانت ترفع رأسها كأن لا شيء في الدنيا يُرهقها...
إنحَنت..
إنحنت كمن ضاعت في الزحام، تبحث عن وجهٍ مألوف، فلا تراه.
وبعدما انكشفت الحقيقة، الكامِيرات، الشهادات، وتلك الفجوة الصامتة القذرة التي سبقت الاتهام، عاد بها معه.
لم يُجادلها، لم يُحمّلها بأسئلةٍ لا جدوى منها.
فقط أراد أن تكون قريبة منه، أن يُقدّم لها شيئًا، أيّ شيء، يُخفف عن روحها بعضًا من الوَجَع.
'أنتِ حقًا تُجيدين الغياب...'
غابت...غَابت روحها الــجميلة، ولم تعُد...
ولا يبدو أن استعادتها ستكون أمرًا هيّنًا.
---
كانت الليالي التي تلت الحادثة طويلةً حدّ الوخز.
كانت ماريسول موجودة، نعم، لكن ليس بكاملها.
جسدها يتحرّك، يبتسم أحيانًا، يجيب عند الحاجة، لكن عينيها... كان فيهما شيءٌ جديد. ليس حزنًا فحسب، بل خيبةٌ مُرّة، وعتبٌ خافت، على كلّ من اختار التخلّي دون أن يجرؤ حتى على السؤال.
في ليلةٍ هادئة، جلسا معًا على شرفته، والمدينة تمتدّ أمامهما كأنها تحاول أن تعتذر بنورها عن ظلمة القلوب.
قال لوسيان، بصوتٍ أقرب إلى الهمس
"ما أصعب أن تُتَّهَمي حين تكونين أصدق من الصمت..."
لم تُجبه.
إكتفت بابتسامةٍ باهتة، باردة، لا تحمل سخريةً كما اعتاد منها، بل ذبولًا ناعمًا، كأنها تُودّع شيئًا دون أن تقول وداعًا.
ومع مرور الأيام، أدرك لوسيان أن ما انكسر فيها لم يكن مجرّد سمعةٍ أو صورةٍ في أعين الناس، بَل شيءٌ أعمق...
شيءٌ في جذر الإيمان نفسه.
الإيمان بالناس، وربما بنفسها أيضًا.
في إحدى الليالي، بينما كانت تمسح صفحةً من دفترها وتخطّ أخرى، كأنها تحاول أن تعيد ترتيب الفوضى بالقلم،
قال لها لوسيان بصوتٍ منخفض، يشبه نغمة عزاء
"أعلم أنكِ قوية بما يكفي...لكن لا بأس إن لم تكوني كذلك الليلة."
رفعت عينيها إليه، ولوهلةٍ قصيرة، رآها كما رآها أول مرة.
امرأة تقف وسط الزحام، وفي داخلها عالَمٌ كامل، مُكتمل، لا يراه أحد سواها.
قالت بصوتٍ ناعم، مجرّد من أي زينة
"كلّ ما أردته...أن يُصدّقني أحد، قبل أن يراني الجميع مذنبة."
عندها، أمسك لوسيان بيدها، فحدّقت فيه بدهشةٍ لم تُخفِها، فَـ هو الذي طالما تهرّب من اللمس، كأن جسده لا يحتمل الوصل.
قال، وعيناه لا تفلتان عينيها
"أعلم... وأعتذر. أعتذر لأنني تركتُكِ وحدكِ في موقفٍ كهذا. كان ينبغي أن أكون إلى جوارك، لا أن أترككِ تذهبين وحدك، لتُلفَّق لكِ تُهمة ما كان لها أن تقترب منكِ."
"تذكّري، أنا لا أهتم لما يُقال، حتى لو طالني أنا...وطالت الشركة إشاعات سخيفة."
ثم مدّ يده برفقٍ إلى شعرها، وربّت عليه بخفّةٍ وحنو، كأنّه يُطمئن غصنًا يئنّ من الريح...
"أنا آسف...يا شمسِي.."
قالها بصوتٍ خافتٍ مغموسٍ بالندم، ثُم جذبها إلى صدره، وضمّها بين ذراعيه كمن يحاول أن يُعيد للعالم اتّزانه.
قبَّل جبهتها بلُطفٍ صادق، وواصلت يديه تُربّتان على شعرها برفقٍ يشبه صلاة.
وهناك، بين ذراعيه، إنهَــارت مارِيسُول...إنهارت باكية، كأن صبرها قد بلغ منتهاه، وكأن كل ما كتمته من وجعٍ وانكسار، وجد أخيرًا من يُؤتمن عليه.
ظلّ لوسيان يحتضنها، لا يُحرّك شفتيه، كأن الكلام في حضرة هذا الألم يصبح لغوًا.
ثم، بعد لحظةٍ خافتة، مدت ماريسول يدها بهدوء، وكأنها تتحسّس الطريق إليه...وضعتها فوق يده.
حركة صغيرة، لكنها كانت كافية لتُربك سكونه. رَفع نظره نحوها، فعاد ليرى فيها شبح تلك الشرارة القديمة، لا كاملها، بل ظلّها المتردّد.
مدّت رأسها ببطء، وأسندته إلى كتفه، كأنها أخيرًا تسمح لروحها أن تستريح، ولو قليلًا.
كان كتفه ثابتًا، دافئًا، لا يرتجف...
وكأنّه تعهّد في تلك اللحظة أن يحمل عنها العالم، إن إستطاع.
ولأول مرة منذ الحادثــــة...
أغمضت عينيها دون خوف.
...
أهلا 🎀، نبدأ بالملاحظات؟ نبدأ بالملاحظات.
لية سميت إسم الرواية طالبة كريستين دي بيـــــزان؟ :
كريستين دي بيزان، المعروفة أيضًا Christine de Pizan، هي كاتبة وفيلسوفة وأدبية فرنسية تعود لأصول إيطالية، وُلدت حوالي عام ١٣٦٤ وتوفيت حوالي عام ١٤٣٠ أو ١٤٣١ .
تُعدّ أول امرأة في أوروبا تكسب قوتها من الكتابة، ولدت مسيرة أثرية امتدت لأكثر من ٤٠ عامًا، كتبت أكثر من ثلاثين عملاً رئيسياً ونفذت شخصيًّا نحو ٥٤ مخطوطة .
أعمالها للنساء مِثل : كتاب مدينة السيدات، وكَنز مدينة السيدات.
تُعتبر من روّاد حقوق المرأة: كانت أول من تحدّت التعابير المهينة للنساء في الأدب وطرح مناظرة عن مكانة المرأة في الفكر الغربي الوسيط .
عملها المثقف والمتقن جعلها محترمة بين الطبقة الأرستقراطية والباحثين، وتحظى اليوم بالدراسة في الأدب النسوي والتاريخ الثقافي بشكل واسع .
معنى أسماء الأبطال :
ماريسول هو إسم أسباني مُركب من كلمتين وهم Mar و Sol ومعناة الحرفي شمس البحر، عشان كدة البطل بيناديها يا شمسي.
بالنسبة لـ لوسيان فهو فية لمسة من الهدوء، وهو مشهور فالفرنسية والإنجليزية والرومانية كمان، ولكن معناة يقرب لمعنى ماريسول بحيث إنة معناة الضوء تقريبًا.
لية إنتهت الرواية فالفصل العاشر؟ وإية قصة ذِكر السويد :
لأن أغلب حالات التّحرش والإغتـ//ـصاب للأسف بتكون لمن هُم تحت سن الـ 12 سنة.
بالنسبة للسويد فـ للأسف هي من الدول الي إرتفعت معدلات الجرائم البشعة دي بشكل سئ جدًا فيها! ومع ذلك نادرًا ما يتحدث أحد عن السويد! حتى قصة الرّجل الذي إغتـ//ـصب فتاتين وثم عذبـ//ـهُما ثُم أذاب أجسادِهن في حوض الإستحمام!
أترون أن هذا شئ يستحق أن لا يتحدث الناس عنة؟؟
لون شعر ماريسُول أيضًا من درجات الأشقر، وهو اللون السائد بنسبة 78% فالسويد.
كُنت هقتل ماريسول بدل من ذكر قضية زي دي، لية معملتش كدة؟ :
لو تركت الإنسان يعيش بصدمة لحدث حصل لية، فـ دة اسوأ مليون مرة من إنة يموت. الموت راحة فالنهاية.
أي اسألة قد تخطر على بالكم؟ 🤍
M.