07 - ليـــلى

07 - ليـــلى

18 0

فتاة بشعرٍ قصير، أسود كسواد الليلِ، ينسدل بخفة على عنقها كأنه ظلُّ لـ فكرةٍ لم تكتمل.

خُصَلُها اللامعة تلتقط الضوء كمرآة، فتزيد ملامحها حدّة وجمَال.

أما عيناها، فعسليّ زيتونيّ، لونٌ متحوِّل بين البُنّي الهادئ وخُضرة الزيتون، كأنها لحظة صيفٍ تغفو على حافة الخريف.

وجهها بيضاويّ، وشفاهُها مملوءة، صامتة أحيانًا، لكنّها تبوح بما لا يُقال.

ملامحها مزيجٌ دقيق من الطفولة، والرقة، وصمت التأمل. نحيلة، تعيش على الشاي، تنام باكرًا، وتكره الدراسة كأي طالِب في سنها.

إنّها تشبه القصائد الغامضة...تلك التي لا تُفهم من أول قراءة، بل تُلامس شيئًا دفينًا في القلب وتظل هناك.

هي ليلى ڤايل كاردينوف.

أميرة والدتها، ونقطة الضعف الوحيدة في قلب أخيها الأكبر.

· · ─────── ·𖥸· ─────── · ·

كانت ماريسول قد خرجت لتقابل أحد صديقاتِها، حين لمحت ليلى على الرصيف المقابل.

فتاة، تقف تحت ظلّ شجرة ناحلة، كأنها جزءٌ منها.

كانت ترتدي كنزة رمادية فضفاضة، وتحمل كتابًا ما، يبدو ككتَاب للغة السّوِيدية؟

إلتفتت ليلى فجأة، وكأنها شعرت بنظرة ماريسول. نظرت إليها، ثم اقتربت بخطى مترددة، كأنها تشعر بأن ماريسول مألوفة لها.

"أنتِ ماريسول؟ أليس كذلك؟"

جاء صوتها ناعمًا، أقرب إلى الهمس، كأنها لا تريد للعالم أن يسمع ما تقُولة.

أجابت ماريسول بابتسامة هادئة

"وأنتِ ليلى، أليس كذلك؟ لقد كبرتي حقًا"

أومأت الفتاة برأسها، ثم قالت بعد لحظة

"أخي لا يذكركِ كثيرًا اثناء الحديث، كُنت على وشك أن أنسى المرأة صاحبة وجه المهرج، لكنه ذكر اسمك...مرّتــين."

ضحكت ماريسول بخفة

"مرتين؟ إذًا لا بدّ أنني أصبحتُ قريبة من قائمة الأشياء المهمة."

ابتسمت ليلى، تلك الابتسامة التي لا تكشف الأسنان.

"لا أحد مهم عند أخي سواي أنا وأُمِي كما تعلمين، إلا إذا كان يحاول ذلك الشّخص ألّا يبدو مهتمًا."

نظرت ماريسول بتعجب إلى ليلى، كان مقصدها واضح، ولكن... كان تملُلك شيءٌ من لوسيان...، لكن أكثر شفافية، أكثر هشاشةً، كما لو كانت نسخته حين كان لا يزال يُحب العالم.

سألتها ماريسول برقة

"تحبين الكتب؟"

أجابت دون تردد

"أحب أن أقرًا كثيرًا، تمامًا كأخِي."

تبادلت ماريسول معها نظرة طويلة، فيها شيء من الفضول.

سارتا معًا في الشارع، دون وجهة، وكأن المدينة بأكملها خُيطت فجأة على مقاس حديثهما القليل.

سارت ماريسول إلى جوار ليلى، وخطواتهما على الرصيف تُحدث وقعًا خفيفًا، كأنّ الزمن نفسه يُنصت.

صمتٌ بسيطٌ بينهما، لكنّه لم يكن خانقًا؛ بل أشبه باستراحة شعرية بين بيتين.

قالت ماريسول بعد لحظة

"السويدية، لماذا؟ أهو حبٌّ للغة، أم هروبٌ من الإنجليزية المملة؟"

أجابت ليلى، وعيناها على صفحات الكتاب

"ربما كلاهما...أو رُبما لإن نِساء السويد لا يمكنهم إستخدامها كما يرغبون..."

تأملت ماريسول الفتاة التي تمشي بجوارها، بكنزتها الرمادية التي تتدلّى كأنها استعارتها من متجرٍ قديم. ماذا تقصد بإستخدامِها كما يرغبون؟..

همست، وكأنها تكلم نفسها

"تشبه القصائد التي تُفهم في المرة الرابعة فقط..."

ضحكت ليلى بخفة

"أم أنكِ لا تجيدين القراءة من أوّل مرّة؟"

رفعت ماريسول حاجبيها، وقالت

"أجيد القراءة... لكنني أفضّل الإحساس بالكلمات بدلًا من تحليلها. القراءة ليست مادةً دراسية."

قالت ليلى، وهي تتوقف فجأة لتتفقد شيئًا على شاشة هاتفها

"وأخي؟ كيف تقرئينه؟"

ترددت ماريسول قليلًا، ثم قالت بصوتٍ هادئ

"لوسيان كتابٌ لا يُسلّف أحدًا الصفحة الأولى."

"لكنكِ وصلتِ إلى الصفحة العاشِرة على الأقل، أليس كذلك؟"

"ربما...أو أنني أقف عند الصفحة الثَّانية، وأُعيد قراءته كل يوم."

ابتسمت ليلى، تلك الابتسامة التي لا تكشف الأسنان، بل تفتح بابًا صغيرًا إلى روحها

"إن بقيتِ واقفة عند الصَّفحة الثانية طويلًا، قد يأتي هو ويمزّق الغلاف."

صمتت ماريسول، ثم تنهدت

"أتعلمين؟ في حديثكِ شيء من الحكمة. لا عجب أنكِ مِن مُحبين الشاي."

قالت ليلى بجدّية طفيفة

"الشاي يجعلني أبطأ ويجعل أفكاري أسرع"

ضحكت ماريسول، واستأنفت السير إلى جانبها.

وفي الزاوية المقابلة، كانت الريح تعبث بأطراف شعر ليلى القصير، فتزيده حُرّية.

قالت ماريسول أخيرًا،

"يسعدني أن لوسيان لديه أختٌ مثلك. تُشبهه، لكنها لا تُشبه أحدًا."

أجابت ليلى، وعيناها على المدى

"ويسعدني أنكِ تفهمِينني بالرغم من كونك متسرعة دائمًا في حديثك."

ثم افترقت خطواتهما عند مفترق الطريق، لكن ماريسول شعرت بشئ غريب، كأن هُناك شئ يوقفها من الرحيل..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

01 | طالبة كريستين دي بيـــــزان

المؤلف M.
2025/07/17 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة