تأنقت القاعة الكبرى كأنها قصيدة من الضوء.
ثُريّاتها البلّورية تُنثر على الأرض نُدفًا ذهبية، وستائرها المخملية بلون الليل تعانق الجدران كوشاح من هيبة.
كان الحدث الأضخم في سجلّ الشَّرِكة، احتفالًا بإطلاق تقنيّة ثوريّة جديدة، تخُص الذكاء الصناعي.
وقف الضّــيوف ببدلات رسمية وفساتين لامعة، يتبادلون الابتسامات والكؤوس، كأنهم ممثلون في مسرحٍ يتقن كلّ منهم دوره، بينما تخفي الأقنعةُ خلفها مزيج من الجشع والطمع.
في أقصى القاعة، دخل لوسيان، متأخرًا بدقائق لكنها كانت كافية لتُعلن حضوره.
يرتدي بذلة رمادية داكنة بُنيّت بعناية. وإلى جواره، كانت ماريسول. لم تكن ترتدي الأحمر، ولا الأسود، بل اختارت فستانًا من لون العاج، بلون القصيدة حين تُكتَب على صفحة بيضاء.
قال أحد الصحفيين، هامسًا لزميله
"أهي السكرتيرة؟ أم حبيــبتة؟ لا أظن أن تِلك هي الشيطانة التي يتحدث عنها الجميع.."
لكن قبل أن يجد الجواب، إلتفتت ماريسول فجأة، وكأنها سمعت الهمس رغم ضوضاء المكان، ثم ابتسمت تلك الابتسامة التي تُربك البوصلة.
وقف لوسيان على المنصّة، وعدّل الميكروفون بحركة هادئة،
"عندما تتقدّم التكنولوجيا بخطًى واسعة، علينا أن نتقدّم بضميرٍ أوسع. ما نُطلقه الليلة ليس اختراعًا، بل وعدًا: أن تظلّ خصوصيتكم خطًا لا يُمَس، حتى حين تصبح الأجهزة أكثر ذكاءً."
تصفيق. ثم تصفيق آخر. ثم وقوف من البعض. لكن ماريسول فقط كانت تُراقب الوجوه.
-----
خرجت ماريسول، وتبعها لوسيان.
وفي الخارج، في الرواق الهادئ، تنفّست ماريسول بعمق، وقالت دون أن تلتفت
"هل كان طردُه ضروريًا إلى هذا الحد؟"
أجاب لوسيان بصوتٍ منخفض، لا يخلو من وعيٍ بالغ
"أحيانًا، نحتاج إلى أن نُغلق الأبواب في وجه الضجيج، كي نسمع أنفسنا بوضوح."
ابتسمت، وكأنها اقتنعت، ثم تابعت السير إلى جانبِه.
سار بجانبها دون أن ينظر إليها، ثُم قال فجأةً
"هل تُمانعين أن أكتب خطابك القادم؟"
ردّت، وهي تُثبت قرطها بحركــةٍ ناعمة.
"فقط إن وافقتَ أن أُدير جلسة مجلس الإدارة القادمة."
ابتسم، لكنّه لم يُعلّق. بل اكتفى بتلك النظرة الجانبية التي لا تُفصح عن مكنونها.
ومضى الاثنان في الرواق المكسوّ بسجادٍ كتم وقع الخطى، كأن المكان نفسه يُراعي خصوصية الحديث بينهما. كان الصمت بينهما مريحًا، لا جافًا.
ثم قال لوسيان، بعد لحظة صمتٍ تأمّليّة.
"تعلمين...أصبح من النَّادِر العثور على من يُمكنة أن يُصغي."
نظرت إليه ماريسول بنصف التفاتة.
"ولذا أُفضّل أن أدوِّن، لا أن أُجادل."
ردّت بصوتها العذب، كأنها تخيط الحروف بخيطٍ من حرير.
توقّف أمام المصعد، وضغط الزر، ثم التفت إليها بابتسامةٍ خافتة
"ولهذا السبب أنتِ ماريسول."
رفعت حاجبًا واحدًا، وقالت بخفة لا تخلو من دهاء
"أتُراك تمدحُـني؟" قالت بإبتسامة جانبية.
"أصفكِ، لا أكثر."
ابتسمت، وأومأت برأسها برضى، ثم قالت قبل أن يُفتح باب المصعد
"في المرة القادمة، لا تحرمني من متعة تمزيقهم لفظيًا."
أجاب بنبرة خافتة، كمن يُخبّئ ضحكة
"أخشى أن يحترق المكان إن تركتُكِ تُكمِلين وحدك."
M.