.
.
.
.
بعد ان شربوا الماء بشغفاً .. يروا صلصال أرواحهم الذي ضمأ .
تنهض ميرڤين من جلوسها ، قاصدة اللوحة الكبيرة .
للحظة توقفت قليلاً عند رؤيتها ، شعرت و كأن العالم من حولها بدأ يتلاشى و الأصوات بدأت بعيدة .
كأنها لحظة وداع للأرض التي تحتها ، لتسيطر على زمام نفسها بنفس عميق و طويل يعيد الأوكسجين الذي ترجتهُ من المحيط قبل السقوط ، تنعش به خلايا جسدها .
تضع يدها على جبينها ، قارصة جبهتها قليلاً بأناملها .
لاحظ مارتينو ذلك ، بعد مراقبتهِ لها .. يقف بحذر ، تتسع عيناه الباردتين تباطأ قلبهِ بالنبض و ثقلت أنفاسه ، كأنها تحاول ان تُنبههُ بأن هناك خطباً ما ، بنرة حذرة قلقة قائلاً:
_ ميرڤين ...؟! أأنتِ بخير ؟
يأخذ بنطقهِ لهذه الجملة انتباه جويليملو و بيرنز ؛ ينظران لهُ سويةً ؛ ثم الى ميرڤين .
لترد ميرڤين دون أن تلتفت بنبرة اطمئنان:
_ أنا بخير مارتينو .
تنظر الى اللوحة بوسط صورة معلقة ؛ كانها اودعت بها جزءاً من روحها لا يرد ، تنظر لها بعينين فارغتين ، و تشير بيديهاا المرتجفتين رغم قوتها الثابتة .
تلتفت لمن جالسين بأنشغال لما بيدهم ؛و مشاورات ، لتردف :
_ حسناً أيها الشباب ... كما تعلمون لقد حان الوقت ؛ و كما تتذكرون الامر استغرق بحثاً طويلاً لأيجاد هذا المكان ، و ايجادكم ، و جمع العديد من المعلومات ؛ ما جمعنا سويةً هو هدف واحد .
و هو أيجاد من سلكوا طريق الضياع من حياتنا .
لا نعرف سبب اختفاء هؤلاء الأشخاص من هذا العالم ، و رغم بحثنا المستمر في كافة أنحاء العالم بصورة مدنية و عسكرية ألا انا لم نجد شيئاً.
لكنا مؤخراً لم نبحث في جزيرة مجهولة أيضاً ، أرضها و سماءها ممنوع منها الطيران و السفر و حتى المرور من فوقها ؛ هناك شك حولها مريب .
و هذا الجزيرة بحثنا التالي .
فضلاً عن أشخاص من العالم اختفوا ؛ لكن ما دفعنا للبحث أكثر هو اشخاصنا المقربين .
تقترب بخطوات مثقلة أكثر للصور التي على اللوحة ؛ تشير برفق بسببتها للصورة التي بالوسط تحتها تاريخ 1995 ، و اسمه " ميدلتون بينسون"، تنظر لها بعجز و عينان حائرة لا تعرف ما أمرها المجهول ، لتكمل ...
_ أحدهم هو أبي ... اختفى منذ أكثر من خمسة و عشرين عاماً ؛ لقد واعدُته و واعد نفسي أني سأجدهُ ، و لو تطلب هذا الامر حياتي ...
نطقتها بعد ان امتلى صدرها بالعجز الاكبر و الحزن الاقهر و كأنها تحمل بهذه الجملة حجم الجبال فوق عاتقها .
ينهض مارتينو بخطوات مثقلة ناحية اللوحة بجانب ميرڤن؛ كان قدمه مقيدة بسلاسل حديدية ، يشير الى صورة طفل بعمر العاشرة اسفل صورة ميدلتون بينسون، ليردف بعد ان تنهد:
_ و هذا اخي ... إنه اخي الكبير ، من اجلهِ ضاع عمر والداي بالبحث عنهِ الى أن توفيا قهراً و حزناً عليهِ ؛ و هذا ما دفعني أن أكون محققاً في الشرطة ، و أكمل مسيرة ما بدأ به ابي و امي ؛ لكي اجدهُ ، و اجعل والداي يرتاحان بقبرهما .
ينهض بيرنز يحمل نفس الهم و الحزن؛ يتقدم للوحة، و يشير بجانب الصورتين الى صورة فتاة صغيرة و جميلة ، قائلاً:
_ و اختي الصغرى كذلك .
كذلك جويليملو ، يشير الى شاب صغير ، رادفاً :
_ هذا صديقي المقرب ... و وحيدي لم يكن لدي إخوة ...
يصمت قليلاً سارحاً بحزناً عتيق ، يكمل بأبتسامة مؤلمة كأنه عاد بالزمن الى الوراء بذكرياته العزيزة المحفورة في ذاكرته ...
_ أتذكر أنهُ كان يشجار في المدرسة مع من يؤذيني ، و يقسم شطيرته التي كانت تحضرها امهُ لهُ بيننا ، و ان وجدتي اجلس وحيداً يأتي لجانبي ، رغم انه لم يكن احدا يتودد لي .
تتحرك ميرڤين بعض الخطوات ناحية الطاولة و تلتفت لأمامهم قائلة :
_ هذا كله في حقبة التسعينيات ، و لكن بسنين متفاوتة .
و هذا ما جمعنا .
أتذكر حين ذهبت الى مخفر الشرطة و خرج لي مارتينو لأول مرة ، كان لقاءنا الاول ، حين سألني عن مشكلتي ؛ تفاجئ وقتها لأن قصتي مشابها لقصتهُ .
لم يدعنا أكمل البلاغ ، رغم انه ليس البلاغ الاول ، و طلب مني ان نتكلم خارج المخفر ، و قال لي أنه هو لديه شخص نفس الاختفاء الغامض ، و لقد بحث طويلاً و تحقق بمفرده و لم يجد شيئاً .
يبدأ مارتينو بالكلام:
_ طبعاً و الانسة ميرڤين و عنادها التي تصر عليه ، و كوداً انها إعلامية قامت بإعلان الخبر على برنامجها الخاص ، و جعلت العالم يثور بالخبر .
تردف ميرڤين ضاحكة بقوة ، صوتها كالهدير العذب ، لتكمل على ما قاله مارتينو:
_ و بذلك قام المدير الإعلام بطردي لأني لم اخذ أذنه بذلك ، و قاموا بألغاء برنامجي بأمر من سلطات حكومية ؛ الامر الذي جعلني اكثر صدمة .
لكني استفدت من ذلك ، بعد ان تركت العمل لجأت الى الفنون قتالية .
أومأ بيرنز بخفة ، و يداه خلف ضهره ، و بنظرة راضية و مؤكدة تاحية مارتينو، يردف :
_ و لو ذلك البرنامج لما تعرفنا انا و جويليملو عليكما .
جويليملو مؤكداً ، يردف :
_ هذا صحيح ... ففي اليوم التالي من أعلان البرنامج التلفزيوني ، كنت أبحث عن الإعلامية ميرڤين و بالصدفة كان بيرنز يفعل الامر ذاته ، الى ان وجدنها .
ميرڤين ، قائلة :
_ نعم بالضبط .. فضلاً عن الرسائل العديدة التي بعثت على مواقعي التواصل الاجتماعي الخاصة بي ؛ عن المفقودين من خلال عوائلهم و أصدقائهم .
مارتينو يضع يده الخشنة مسندة تحت يده الاخرى على فكه الحاد ، قائلاً:
_ لكن بعض هؤلاء الأشخاص كان في مكان اختفاءهم بطاقة سوداء مستطيلة الشكل و بتصميم فخم بنقشة نجمة خماسية ذهبية لامعة ؛ الغريب بالامر ان هذه النجمة من ذهب حقيقي .
ينتقل الى الطاولة ليجلس مرة ثانية ، لكن هذه المرة على حاسوب لوحي ، يقف خلفهِ الثلاثة ينظرون الى الشاشه بأعين تملأها الفضول .
يتحدث مارتينو و هو ممسك بالحاسوب بهمة و تتنقل أصابعه بتركيز على الشاشة :
_ و الذي جعلنا ان نشك ناحية هذه الجزيرة ؛ أنها تحمل على الخريطة الالكتروني علامة النجمة ذاتها التى على البطاقة .
يقف بيرنز خلف مارتينو ممسك باحد يداه كتف مارتينو و حاني بجسده قليلاً ناحية الشاشة ، قائلاً:
_ من الغريب ان ليست هناك ايةُ معلومات حول هذه الجزيرة ، و لا يوجد أي تصريح من سلطات حكومية ، أو حتى سياحاً و مكتشفين من الممكن أن يذهبوا لها .
و فجأة يستقيم بيرنز بجسده يفتح ذراعيه على وسعها ، يصرخ بصوت عالي و واضح كأنه في مؤتمر يحدد مصيره؛ يكسر أجواء التوتر التي تسيطر على المكان ، و يضيف لمسة من حركتهِ الشيقة
التي يعيد بها ما تخنقه به الحياة بأحبالها العتيدة :
_ و ها نحن نجتمع كأفضل أشخاص شجعان ، و سأننتصر بقوتنا التي لا تضاهى .
عم الهدوء في المكان ، و هم ملتفتين ناحيتهُ ؛ ينظرون لهُ بوجوه جامدة ، كانهم غير معتادين في كل مرة على حماسهِ المفاجئ و ما يفعلهُ .
على نفس هيئته الواقفة ، لا يحرك سوى عيناه التي تبادلهم النظرات ذاتهُ ، بنبرة هادئة يردف :
_ ماذا بكم !!!
يهمس جويليملو بأذن مارتينو بصوت مسموع:
_ ما رأيك ان تعطيهِ لكمة على وجهه ،تعيد بها ترتيب ملامحة القبيحة .
يرد بيرنز بالنبرة ذاتها ، بعد ان أنزل ذراعيه و تحولت ملامحهُ الى غضب :
_ لا أحد يستحق اللكمات غيرك أيها اللئيم المنعدم الاحساس .
مارتينو ينظر لهما بملل معتاد محذراً اياهما :
_ أياكما ... الجميع هنا يجيد القتال بمهارة و شراسة ، لكن ليس بينكما ، لذلك كفيا عن ذلك أيها الشبان .
يصمت قليلاً يعود لوضعهِ ليهمس :
_ لا اعلم متى تكونان على صُلح ؟!
بينما يتكلم مارتينو؛ تدور ميرڤين حول الطاولة ممسكة بملف يحمل العديد من التواريخ الهامة لأشخاص فارقوا الحياة ، تفتش فيه بملامح عابسة و حائرة ، تردف معززة انتباهم :
_ ملفات المفقودين بتقارير الموت ، و بنفس التاريخ ما عدا السنين ، و هو السادس و العشرون من فبراير .
بيرنز يرد :
_ نعم هذا واضح .
يعم الهدوء في المكان لدقائق معدودة ؛ يكسر هذا الصمت مارتينو معلناً بخبر غير مسبوق و غير مخطط له ُ ، بنبرة مفاجئة يترك ما بيده ، بصوت واضح قائل :
_ تحدثت مع وكيت سأيحلق بنا الى الجزيرة .
ينظر له جويليملو ، يردف بصدمة:
_ ماذا ؟!!
بيرنز بالامر ذاتهُ ، يتسائل:
_ من وكيت هذا ؟!
ميرڤين بأستغراب :
_ كيف هذا ؟!
و بصوت داخلي بعد ان سرحت قليلاً مردفةً :
" أعلم ان الرحلة لن تكون سهلة ... لكنني لا ابحث عن نجاة ، بل عن إجابة ... حتى و أن كانت في قلب الخطر "
The end of chapter two
.
.
.
برأيكم لماذا اختفى هؤلاء ، و ما سر هذه الجزيرة ؟
و من هو وكيت ؟!