.
.
.
في طريق ممتلئ بكثافة الأشجار المتشابكة ككثافة القلب بالهموم ، تسير سيارة في طريق مجهول تحمل أشخاصاً ضاقت بهم سبل الدنيا .
طريقٌ لا يعلم عنه احداً سوى أربعة شباب يافعين ، جمعهم هذا الطريق لنفس الهدف.
ليس هناك نوراً في هذا الطريق المظلم الذي احتضنهُ ظلام الليل الهادئ ، فقط نور السيارة الابيض الساطع الذي ينير ما امامهم من عتمة .
ينظرون االى الطريق بعيون مطمئنة و قلوب ثقيلة ، يعرفون وجهتهم ،و صوت انفاسهم يعلو بتناغم مع صوت الرياح لينسجان توافق متحد .
أحدهم في المقعد الخلفي بجانبه صديقه ، بملامح مبهجة و بشرة بيضاء يميز وجهه ابتسامة عريضة جميلة كوميض برق في هذا الليل الموحش تظهر بعفوية بوجهه المشرق و خطوط شعره الذهبية ، يرتدي قميص بني بنصف اكمام ،يتقدم قليلاً للذي امامهُ ليردف فجأة بتعزيز انتباههم بنبرة فضول :
__ متى سأنصل اشعر بالملل كالعادة في هذا الطريق ...
و بضجر يعود يتكئ لمعقده ليكمل ...
__ و هدوئكم قاتل .
يصمت طويلاً بعد ان لاحظ عدم رد من احدهم ، يضع يده على فكهِ ينظر لهم بعقد حاجبيه و تقلص جفونه قليلاً ، ثم ينفض جسده و هو بمقعده يرفع حاجبيه و يفتح عيناه ، و كأنهُ وجد حلاً لأمراً لا خل لهُ .
__ ما رأيكم بتشغيل احد أغاني الجاز الصاخبة ؟!!
و هو يحرك جسده كأنه ممسك كيتاراً للعزف و يخرج من فمهِ أصواتاً بحماس ...
ينظر لهُ من يجلس بمقعد السائق بهدوء و ثبات من خلال المرأة التي امامهِ لم تظهر سوى عيناه الباردتين البنيتان و وجهاً جاد ، ببشرة سمراء ،وشعره مسحوباً للخلف بترتيب مثالي ، و هو قابض على زمام المقود بقوة ، كأنه أن افلته سيختفي من بين يدهِ .
كمن يوجه دفة مصيره ليردف ببرود و نبرة تحذير :
- بيرنز ... ما رأيك ان تصمت قليلاً الى ان نصل ؟!
تسقط ملامحهُ و يسكن جسده ؛ ليهمس بصوت خافت:
- كم أنتَ ملل ... لا أعلم ما الذي تحبهُ بكَ النساء .
تبتسم من جالسة في الامام برقة و رفق مخرجة تنهيدة رقيقة بعد ان كانت تنظر بعينها المبطنة الناعسة البنية و رموشها الكثيفة بصمت للطريق متأملة الذي أمامها و الهواء الطلق يضرب بشرتها الفاتحة من خلال النافذة ،و يبعثر شعرها المتموج قليلاً متوسط الطول كبعثرة قلبها ، تردف مبتسمة :
- لقد سمعتك بيرنز .
يقفز بجسده العلوي ليقترب من خلفها ، كطفل يريد أن يحتوي بأمهِ :
- أرجوكِ ميرڤين أصمتي ، و ألا سأيغضب مني الرجل الملل .
ينطق بعد صمت طويل من يجلس بجانبهُ في الخلف ، متكئاً الرأس على المقعد ينظر من خلال النافذة ؛ مكتف اليدين بضخامة عضلية ، و بسترة سوداء رياضية تميز هالة جسده الضخمة ، قائلاً بنبرة هادئة:
- و انا أيضاً سمعتكَ ؛ ألا تظن انهُ لم يسمعك .
يرد عليهِ بعد ان لف بجسدهِ ناحيته بأبتسامة مزيفة تنتفخ بها وجنتهِ قائلاً:
- شكراً لك سيد جويليملو على ملاحظتكِ .
يلتفت لهُ أيضاً ليرد الابتسامة ذاتها ، يشير بطرف عينهِ الى معقد السائق ليردف :
- سيقتلك مارتنيو هذه الليلة .
ينظر أحدهما للاخرى بنظرة طويلة تحمل الكثير من الشتائم ، ثم تقطع نظرتهما فجأة بعد ان دار مارتينو عجلة القيادة يساراً بيد واحدة بسرعة هائلة تاركاً خلفها غباراً و أوراق أشجار متناثرة ؛ يركنها في مكاناً بظلام دامس في الخفاء تحاوطها الأشجار العالية و المتشابكة.
عم الظلام من حولهم بعد انطفأت السيارة و سكنت الأصوات و لم يتبقى غير صوت الرياح التي تداعب اشجار الليل، و كأنهما بحديث ليلي طويل المدى كثير المشاعر ، مارتينو بعد ان فك حزام الامان الذي كان يقيد جسده الرشيق و قميصه الفضفاض ، ليشعر بعدها بحرية السجين الحر الطليق ، ليردف بعد ان فتح مقبض الباب نزولاً من سيارتهِ :
- هيا بنا كما تعلمون سنسير الى مقرنا على الأقدام .
يفعل الباقية الامر ذاتهِ بالنزول ، تنظر ميرڤين الى ساعتها اليدوية الالكتروني بعد ان لاحظت التوقيت انهُ ...
الحادي عشر و دقيقة واحدة 11:01 ...
تتقدم امامهم بخطوات ثابتة ، بأقدام رشيقة مانحة طابعاً متناسقاً و مذهلاً للبنطال الذي ترتديه ،و خلفها مارتينو و بيرنز و جويليملو
، كأنه قائدة بمسيرة حربية بمظهر القوة، و سير مسيطر رغم كعب حذائها المرتفع.
يسيرون طويلاً بوسط غابة أشجار عالية كأنها تلامس سحب السماء الرمادية ؛ لا ينير طريقهم سوى ضوء القمر، كرفيق خامس معهم يعرف أسرارهم و وجهتهم .
هدوء قوي يجعلهم يسمعون أصوات الاوراق اليابسة التي تتكسر اسفل أقدامهم بقوة على ارضاً رطبة .
بعد السير لدقائق معدودة ، يصلون بالوقوف امام شجرة تبلغ من العمر القرون بأسرها لضخامتها ، يبعد بيرنز و جويليملو كومة صخور بأذرعهم القوية ؛ تجلس ميرڤين كالقرفصاء بعد أن أتم بيرنز و جويليملو ، تخرج من جيبها مفتاح تفتح به الباب الحديدي الذي ظهر بعد رفع الصخور .
تميل بصدرها قليلاً لترفع مقبض الباب ناحيتها بهمة بعد فك القفل
تشد عليها بقوة تصارع بها جاذبية الأرض .
تنهض بعد ذالك واقفة تنفض من يدها الرمال التى علقت بيدها ، يقفون الاربعة امام الباب بعد ان ظهر سلم للأسفل ، و كأنه يقود هذا السلم الى غياهب الظلام بلا عودة .
تتنهد بتنفس الصعداء ، قائلة:
- حسناً ... لننزل .
مارتينو بهدوء يردف :
- هيا بنا ...
تبدأ ميرڤين بالنزول بهدوء و حذر للسلم المظلم ، و بعدها مارتينو و بيرنز ؛ لينظر جويليملو من حولهُ من كافة الاتجاهات قبل النزول ، ثم بقدمهُ ينزل للاسفل بدُرجة واحدة يثني ساقهُ بسحب الباب بقوة ناحيته ؛ ثم تردد بقوة تاركة صوتاً تراطم الحديد ، و بنفض التراب عليهِ ، ليردف بضجر و تذمر و هو واقف صامد لا تتحرك سوى شفتاه :
- هذا ما كان ينقصني .
يشغل بيرنز ضوء هاتفهِ ناحية جويليملو ؛ ينفجر ضاحكاً على مظهر شعرهُ الكثيف المتموج الاسود الذي تحول لونهُ الى الابيض ، و رموش عيناه البيضاء العابسة ، الغضب يعلو ملامحهُ من شدتهُ تظهر تجاعيد وجههِ .
يضع بيرنز يده على فمهِ محاولاً عدم الضحك ، و لكن خارج عن ارادتهِ ، ليردف:
- كنت بحاجة الى شيء اضحك عليه بشدة .
يرفع جويليملو يده استعداداً للضرب الذي أمامه ، و بنيرة تهديد يصك بها اسنانه :
- أغلق فمك ايه التافه .
مارتينو يشغل هاتفه لينير المكان ، و بنبرة انتباه:
- كفاكما أيها الصغيران لننزل امامنا عمل الليل بأكمله.
يشير جويليملو بطرف عينهِ الى بيرنز بالنزول بعد كلام مارتينو .
تردف ميرڤين و هي متجهة بطريقها :
- انتبها من السلم لا يقع احدكم كالمرة السابقة.
جويليملو يضحك بثقل و التراب يتساقط منه ، ليقول :
- نعم ... نعم مثلما وقع بيرنز الغبي .
بيرنز بعبوس قائل :
- لا تضحك على أوجاعي لقد تأذيت حينها .
جويليملو بعد ان دفعهُ على حائط ليتقدم امامهُ و هو ينزل و يضحك بسعادة ، ليردف:
- الامر الذي ادى الى بكائك ايها الطفل الصغير ، و كأنك لم تبلغ من عمرك نصف قرن .
بيرنز يعقد حاجبيه ، و نبرة حزينة قال:
- مزعج ...
يقفون بعد نزول السلم امام باب ضيقة بطلاء أسود و مفتاح الكتروني ، تفتح ميرڤين الباب برمز الكتروني برمز 19952260
، تفتح بعد صوت استقبال الرمز و الضوء الأخضر.
يدخلوا الى غرفة مظلمة ، يقوم مارتيث بتشغيل مفتاح الضوء ، ؛ لتظهر غرفة واسعة جداً بانارة قوية بمصابيح سقفية مستطيلة الشكل ،و طلاء ابيض ناصع على جوانبها رفوف سوداء كثيرة بشكل مرتب ملتصقة بالحائط حاوية على ملفات عديدة و ضخمة .
بوسط الغرفة طاولة كبيرة بلون رمادي ، و كراسي سوداء عالية حولها تتبعثر عليها أوراق و أمامها لوحة على الحائط المقابل لوحة معلومات و صور كثيرة متصلة مع بعضها بخطوط حمراء .
يتجه جويليملو الى باب بجانب باب الدخول ، ليردف:
- سأذهب اغتسل قليلاً من هذا التراب .
يتجه بطوله الفارع ناحيتها ، و كتفاه التي غطت الباب بنزع سترتهِ المتربةَ ، و كأنه يرمي حملاً ثقيلاً من على كتفه ، و يغلق الباب خلفه .
يخرج بيرنز قناني ماء باردة من ثلاجة متوسطة الحجم بجانب الرفوف ؛ يوزعها على الطاولة قائلاً:
- رياح حزيران اهلكتنا ، ارتوا بعد هذا الطريق الطويل .
يجلسوا للراحة قليلاً ، بعد شرب الماء بشغف .
و بدقائق ليست بطويلة ، يخرج جويليملو بغلق الباب خلفه ، و هو ينشف شعره بمنشفة صغيرة بطريقة مبعثرة مما جعلهُ أكثر تموجاً ، و ذراع مكشوفة.
بيرنز بنظرة منذهلة ، يصفق بخفة بيده ، قائلا:
- آووه ... ما هذه الوسامة يا سيد جويليملو ، لو اني فتاة لاعجبت بك .
يمشي جويليملو بخطوات ثقيلة يجلس بجانبهم غير مبالي ، ليرد :
- حمداً للرب انك خلقت ذكر ، لو انك فتاة لأبقيتِ عازبة طوال حياتكِ .
ينهض بيرنز من كرسيهِ ، يرفع يدهُ تهديداً لضربهِ ، قائلاً بحدة :
- ما الذي تقصدهُ أيها الوقح .
يبتسم جويليملو ، و كأنه حقق انتصاراً يثني عليه طوال حياتهِ بعد ان نجح في استفزازهِ .
مارتينو ينظر لما بيده من أوراق ، و بنبرة مللة و طويلة :
- كفاكماااأاا أيها الصغيران؛ متى تنضجان ؟!
The end of chapter one
سأتبقى فصول قليلة كبداية ، فالقصة لم تبدأ بعد ...