بور رويال

بور رويال

17 0

✦ الفصل الرابع

"أبحروا معنا في عالم القراصنة المثير، ونتمنى لكم قراءة ممتعة! لا تنسوا ترك آرائكم وملاحظاتكم في التعليقات والتصويت للمزيد من الدعم."

....

"في بور رويال، لا تسأل من الذي يصرخ، بل اسأل: من بقي حيًّا ليصرخ؟"

. .

..

بور رويال... المدينة التي تُعطيك كل شيء مقابل روحك، ثم تسرقها على أي حال.

لم تكن مدينةً بالمعنى التقليدي، بل فوضى حية تُشبه كابوسًا لا ينتهي.

البيوت متلاصقة كأنها تتساند من أجل البقاء، الطرقات منحدرة متكسّرة، والهواء نفسه له رائحة السمك والحديد والدم.

عندما رست سفينتهم على رصيفها المهترئ، بدا المكان وكأنه ينفث الزحام في وجوههم.

ضحكات سُكارى، صراخ قوادين، لهاث لصوص، وموسيقى مبحوحة تخرج من حانة على وشك الانفجار.

طفل يركض ممسكًا دجاجة مسروقة، وامرأة تضحك على رجل يبكي على قارعة الطريق.

كل شيء في المدينة يتكلم، يصرخ، ويطلب مالًا أو حياة.

كان الكابتن مورغان واقفًا بثبات على مقدمة السفينة، سيجارته تتدلى من زاوية فمه، ووجهه لا يشبه وجه رجل على قيد الحياة بقدر ما يشبه تمثالًا نجى من ألف معركة.

قال بصوته الأجش وهو ينظر نحو روبيلا:

"أنتِ، وسلاي، ولونا... إلى السوق السفلي. هنالك رجل يُدعى جارس المرقّع. قولي له إن الكابتن غريم أرسلَكم، وسيعطيكم المؤونة. الطعام والماء فقط. لا تطلبي شيئًا آخر. ولا تقلقي بشأن المال... أنا أدفع بطريقتي."

نطّت روبيلا من فوق حافة السفينة، وضربت قدمها بالأرض، ثم قالت بابتسامة ملتوية:

"إن لم نعد خلال ساعة، فاعلم أننا متنا موتة غبية."

لونا تبعتها وهي تتأفف:

"الاحتمالات عالية جدًا، خاصة وأنتِ مَن تقودنا."

أما سلاي، فهبط بعدهما متثاقلًا، يحدّق بالمدينة وكأنها وحش نائم:

"لا أثق بالأماكن التي تبيع الروم أرخص من الماء."

بدأوا السير عبر الأزقة الملتوية، أقدامهم تغوص في الطين القديم، والروائح كانت كافية لجعل بطن لونا يتمرّد.

المارة حولهم من كل صنف، رجل يغني فوق برميل، آخر يبيع أسنانًا بشرية، وامرأة تلاحق شخصًا شتمها بلغة لا يعرفها أحد.

كلما تقدموا، ضاق الزقاق وازدادت الهمسات. المدينة كانت تراقبهم.

روبيلا كانت تمشي بثقة، شعرها الناري مشدود خلف رأسها، عيناها تبحثان، ويديها قريبتان من الخنجر المخفي في صدرها.

سلاي يراقب زوايا الطريق كأن أحدهم سيفاجئهم بحربة من خلف علبة سمك.

أما لونا، فكانت تتحدث دون توقف، محاولةً تجاهل شعورها بأنهم يُساقون إلى المصيدة.

ثم، كما لو أن المدينة قررت اختبارهم... اصطدمت روبيلا بجسد ضخم.

كان رجلاً عريض الكتفين، يرتدي معطفًا أسود ممزقًا، وعلى صدره قلادة من عظام أصابع بشرية.

نظر إليها باحتقار، ثم قال بصوت مبلل بالغضب:

" قدمي الاعتذار؟ أم أن النار في شعرك وصلت إلى دماغك؟"

أمالت رأسها قليلاً، رمشت ببطء وقالت ببرود:

"إذا كنتَ تأمل في الاعتذار... فأنت تختلط عليّ بأحد يستحق الاحترام."

مد يده نحوها، لكن يده لم تصل بعيدًا.

بسرعة خاطفة، أخرجت روبيلا خنجرًا صغيرًا من بين صدرها، وغرزته بقوة في يده.

تراجع الرجل وهو يصرخ، ويده تنزف بغزارة، ووجهه يتلوى غضبًا.

في لحظة، سُحبت السكاكين.

رجاله الأربعة أحاطوا بهم كالذئاب، سيوف قصيرة، وسواطير يلمع نصلها.

"انبطحوا أيها الحثالة!" صرخ أحدهم.

"أقطع لسانها وأطعمه لأسماكي!" صاح الآخر.

سلاي شهق وقال وهو يلتقط ذراع روبيلا:

"انتهى وقت البطولة! الآن نهرب!"

وانطلقت المجموعة تركض، تصطدم بالناس، تُسقط قوارير، وتوقظ سكارى نائمين على الأرض.

رجل يصرخ من فوق عربة فواكه، وامرأة ترمي زجاجة على رأس أحد المطاردين دون أن تعرف السبب.

"هذا هو السبب الذي أكره فيه أن أخرج للتبضع!" صرخت لونا.

"وهذا هو السبب الذي يجعلني أحبكِ!" رد سلاي وهو يضحك بجنون، وبين يديه دجاجة مسروقة.

روبيلا كانت تضحك أيضًا، تركض وتدور وتدفع بابًا خشبيًا نصف مكسور، تدخل زقاقًا ضيقًا،

ثم توقفت فجأة أمام باب رمادي، على أعلاه لافتة محفورة بخط سيء:

"جارس المرقّع – لا تسأل، لا تلمس، ولا تحدق أكثر من خمس ثوان."

ضربت الباب بقبضتها ثلاث مرات.

"افتح. الكابتن غريم أرسلنا."

صمت... ثم خُشخشة مفاتيح... ثم عيون صفراء تلمع خلف فتحة صغيرة.

"غريم؟" قال الصوت.

روبيلا اقتربت أكثر وقالت:

"ونحن جائعون، متعبون، وملاحقون. إذا لم تكن تريد مشاكل، افتح الباب."

لحظة انتظار… ثم انفتح الباب بصرير طويل كأنّه يتنفس.

ومن الداخل، رائحة مزيج غريب من الخشب المحروق… والبارود.

روبيلا التفتت إلى رفاقها وهم يدخلون:

"لو كنت مكانه، لأغلقت الباب منذ أول لحظة سمعت اسمه."

سلاي تمتم:

"وأنا لو كنت مكانه، لأغلقت المدينة كلها…"

ثم انغلق الباب خلفهم… تاركًا وراءه الصراخ، والمطاردة، واللعنات…

في قلب بور رويال، حيث تبدأ حكايات قليلة وتنتهي معظمها بالموت.

....

في الداخل، كان كل شيء يبدو وكأن زلزالًا مرّ به ثم اعتذر.

أرفف مائلة، صناديق متفحمة، طاولات مليئة بعلب معدنية نصف مفتوحة، وأسلحة صدئة موضوعة بجانب خبز يابس.

وفي الزاوية، تحت ضوء مصباح يتدلّى من سلك كاد أن ينقطع، جلس "جارس المرقّع"… رجلٌ يُشبه الكابوس الذي قرر ألا يستحم منذ عشرين عامًا.

كان يرتدي معطفًا جلديًا مغطى برقع مختلفة الألوان، ووجهه مليء بالندوب، إحداها قاطعة لحاجبه بالكامل، كأن أحدهم حاول شقّه نصفين ولم يُكمل المهمة.

عيناه تلمعان مثل خنجرين تحت الضوء، وكان يمضغ شيئًا غير معروف… قد يكون تبغًا، أو أذن فأر.

رمقهم بنظرة طويلة، ثم بصق على الأرض قرب قدم سلاي وقال:

"تبًا لوجهك، تبًا لملابسك، وتبًا لمن أرسلكم…"

ثم صرخ فجأة:

"مورغان غريم أرسلكم؟!! ذلك الكلب ذو القدم الخشبية؟! ذلك العفن الذي سرق مؤونتي في الشتاء الماضي مقابل قارورة رم؟!"

سلاي ابتلع ريقه وقال:

"قال إنك مدين له…"

قاطعه جارس وهو ينهض فجأة:

"مدين له؟! آخر مرة كان مدينًا لي بعذر مقنع لحرق نصف مخزني!

وأرسل لي رساله بعدها يقول فيها: 'اعذرنا، كنا نجرب مدفعًا جديدًا'!"

لونا تمتمت بصوت منخفض:

"يا رب، هذا يبدو مشجعًا جدًا."

أما روبيلا، فوقفت وقد شبكت ذراعيها، وعيناها تخترقانه بثقة:

"اسمع، أيها المرقّع... نحن لا نريد رمك، ولا حكاياتك، ولا أن ننام هنا — شكرًا لله.

فقط نريد طعامًا وماءً يكفينا حتى نكمل الطريق. وإن كنت لا تريد أن تتعامل، فسأذهب أنا شخصيًا لأشرح لمورغان  أنك بصقت على وجه رسوله."

جارس توقف، أخذ نفسًا طويلًا من أنفه، ثم جلس على طاولة مليئة بأكياس دقيق قديم.

"تبًا لكِ… تعجبني جرأتك، لكنني لا أشتري المشاكل."

ثم نظر إليهم واحدًا واحدًا، وتابع:

"هل تعرفون ما يحدث حين يتسكع أمثالكم هنا؟ رجال البحرية يزحفون مثل الصراصير.

آخر مرة سمحت لقرصان بالبقاء في مخزني… فتحت عيني لأجد قبطانًا من البحرية يصرخ في وجهي ويقول: أنت تأوي أبناء الشيطان!

ومنذ ذلك اليوم، وأنا لا أؤوي إلا الفئران والحمقى… أنتم من أي صنف؟"

سلاي قال بارتباك:

"يعتمد على نوع الجبن."

صفعه جارس بخرقة مبللة كانت على الطاولة، وقال:

"اخرس، ولا تكلمني بنكات السمك!"

ثم أشار بيده الثقيلة نحو أكياس على الجدار:

"خذوا بعض الخبز اليابس، جرار ماء من الزاوية، وعلب سمك إن بقيت.

لن أسألكم عن الوجهة، ولا تسألوني عن مصدر المؤونة."

روبيلا تمتمت:

"لسنا حمقى."

قال وهو يعيد المضغ:

"آه… سترين قريبًا مَن الحمقى حقًا حين تصلون إلى حيث لا أحد يعود."

ثم اقترب منها، نظر إلى عينيها الخضراوين، وقال:

"أنتِ… أنتِ لستِ من النوع العادي.

فيكِ رائحة شيء قديم… كأن البحر نفسه يخاف أن يبتلعك."

ارتفع حاجباه، وتراجع، ثم ضحك فجأة:

"تبًا… أنتنّ دائمًا تبدأن بالعيون الجميلة وتنتهين بالدم.

مورغان  يعرف كيف يختار المجانين."

ثم بصق مجددًا، وأدار ظهره لهم.

"أخرجوا قبل أن أغيّر رأيي.

وخذوا حذاء هذا المغفل من تحت الطاولة، يبدو أنه نسيه في آخر صفقة طعام."

سلاي قال:

"هل هو للبيع؟"

جارس صرخ:

"بل هو حذاؤك، أيها العفن! لقد نسيته هنا منذ سنة!"

لونا همست لروبيلا وهي ترفع جرار الماء:

"إذا لم نمت على يد القراصنة… سيموتنا هذا العجوز بسكتة لفظية."

خرج الثلاثة من الدكان، ضاحكين رغم التعب، يحملون مؤونة مؤقتة،

لكن مع كل خطوة، كانت البوصلة في صدر روبيلا تنبض كأنها قلب يجرّهم نحو الجنون.

ولم تكن تعلم... أن هذا الرجل العجوز يعرف أكثر مما قال.

---

نهاية الفصل الرابع

📜 معلومة تاريخية قصيرة – ميناء بور رويال:

كان ميناء "بور رويال"  في جامايكا واحدًا من أخطر وأشهر موانئ القراصنة في العالم خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. سُمِّي بـ"أكثر مدينة فاسدة على وجه الأرض" بسبب ما كان يحدث فيه من صفقات سوداء وقرصنة وتهريب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

البوصلة السوداء

المؤلف Fatima ezzahra
2025/07/11 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة