✦ الفصل الأول:
"في البحر، الجنون هو القانون الوحيد الذي لا ينكسر. "
هكذا قال أحد القراصنة المجانين ذات ليلةٍ مطيرة، وهو يعانق السيف وكأس الروم في آنٍ واحد:
"نحن لا نغرق، بل نختفي بين الأمواج لنعود بأرواح أشرس من العواصف!"
مرحبًا بكم في الفصل الأول من "البوصلة السوداء"، حيث لا مكان للأرواح الضعيفة، وحيث تحكم الضحكات المدوية عروش الفوضى.
في هذا العالم، حيث تتشابك الرغبة بالموت، وتتصارع القلوب مع الشفرات، تبدأ قصتنا بجلبة صراخ قراصنة، وأشرعة ترفرف كأنها تصرخ في وجه العاصفة.
تابعوا معي قصة روبيلا الزمردية، الفتاة ذات الشعر الناري والعينين الساحرتين، التي قررت أن تسرق من أخطر رجل على وجه البحار… بوصلة لا تقود إلا لمن يملك قلبًا لا يعرف الخوف.
..........
"أمسكوا الأشرعة! الريح تغيّر جلدها! "
صرخة قبطان ثمل اخترقت عتمة المرفأ،
بينما السفن تتمايل في هيجان البحر وكأنها كائنات تحتضر وتقاوم.
السماء تمزّقت برعد غاضب،
والأمواج تعلو كأنها تنوي ابتلاع كل ما يُبحر أو يتنفس.
لكن وسط هذا الجحيم الأزرق،
كانت "روبيلا" تضحك.
نعم، تضحك.
الريح تعصف بشعرها الناري كأنها تخوض شجارًا مع العاصفة،
وعيناها الخضراوان تبرقان في الظلام مثل خنجرين من الزمرد.
إلى جانبها، زحف "سلاي" — صديقها الوحيد،
قرصان سابق، بوجه مخدوش، وروح لا تقلّ جنونًا عن روبيلا.
همس لها:
"روبيلا… هذه أغبى فكرة فكرتِ بها على الإطلاق."
فردّت بصوتها المشحون بالسخرية:
"أجل… وهذا سبب روعتها!"
كانت الخطة بسيطة ومعقدة في آن:
التسلل إلى سفينة رايث بلاكفاير نفسه… وسرقة البوصلة السوداء.
تلك البوصلة التي لا يشير عقربها للشمال،
بل يشير إلى ما يشتعل له قلبك…
كنز الأسطورة. إرث والدها.
ومصيرها اللعين.
سفينة رايث، "الغراب القرمزي"، كانت الأكبر في الميناء.
مسلّحة، محروسة، مغطاة برايات من جماجم الأعداء\.
لكن الليلة… البحر نفسه يصرخ. والعاصفة تغطي كل صرخة.
فرصة مثالية.
تسللت روبيلا وسلاي عبر سلاسل حديدية وزجاج مكسور.
بللا أقدامهما في المياه الباردة المتصاعدة من عنق الموج،
بينما أصوات القراصنة تعلو من فوق:
"ارفعوا الأشرعة! شدّوا الحبال! أين اللعنة سُكّاني السفينة؟!"
"الكابتن قال لا أحد يصعد الليلة!"
"والكابتن؟!"
"في مقصورته… مع البوصلة."
ذلك ما أرادت سماعه.
روبيلا لم تنظر إلى الخلف، بل قفزت نحو السطح العلوي للسفينة كقطة،
واندست بين صناديق البارود دون أن يصدر عنها صوت،
ثم نظرت إلى سلاي وقالت بابتسامة:
"هل تشمّ رائحة النصر؟"
"بل رائحة موتنا، لكن كما تشائين… سيدتي الزمردية."
مرّت من باب خلفي، تسللت عبر الممر الخشبي الضيق،
إلى أن وصلت إلى مقصورة الكابتن…
وبعينين تتوهجان،
رأتها.
البوصلة السوداء.
موضوعة على خريطة قديمة، بجانب كأس روم، وسيف فضي.
تنهدت.
كأن قلبها انتظر هذه اللحظة لعشر سنوات.
مدّت يدها… وأمسكتها.
"روبي "
لكن لم يُكمل سلاي تحذيره…
باب المقصورة فُتح بعنف.
وقف في الظل، ضخمًا، جامدًا، لا يتحرك سوى عينيه الرماديتين.....
رايث بلاكفاير.
جحيم يرتدي معطفًا جلديًا، وسيفًا أطول من ذراعها،
وعينان تذبحانها دون أن تلمسها.
قال بصوت عميق كالموت:
"هذه ليست لعبة أطفال، زمردتي الصغيرة.... أعيدي ما سرقته، أو سأعيدك أنا… قطعة قطعة."
لكن روبيلا؟
ضحكت.
نظرت إلى البوصلة ثم إليه، وقالت:
"على الأقل وجدتُك وسيمًا كما يقولون."
ثم فجّرت المصباح الزيتي على الطاولة.
واندلع اللهيب.
"اركض!" صرخ سلاي، وهي تسحب يده.
ركضا في الممرات، قفزا من فوق الحبال، تفاديا الرصاصات التي بدأت تُمطر عليهما.
"أوقفوها! اللصة!!"
"الكابتن! إنها مع البوصلة!"
وصلت حافة السفينة، نظرت للأسفل،
أمواج عملاقة تصرخ، والرياح تسحبهم نحو الجنون.
نظرت خلفها…
رايث كان هناك.
يتقدم بخطى بطيئة، حاملاً سيفه، يحدّق بها كما لو أنه يُقرر بين قتلها… أو الوقوع فيها.
"اسمعني، زمردتي…
لن تذهبي بعيدًا. البوصلة لا تعمل إلا عندما تكون في يدي أنا"
فأجابت، تقف على الحافة كملكة فوق بحر هائج:
"بل تعمل حين تكون في يد شخص… لا يخاف من الضياع. "
ثم قفزت.
وغابت في جوف العاصفة.
غاصت روبيلا في أحضان البحر،
تنساب بين الأمواج العاتية كحورية مشاغبة،
تشعر بالبرد يعض لحمها، والعاصفة تعبث برأسها الأحمر كلوحة فنية ملتوية.
لم تكن تعرف إلى أين تسبح بالضبط،
لكنها كانت تعرف أن البقاء على السفينة يعني الموت… أو الأسر.
ثم، وسط هدير الريح والرعد، رأت ضوءًا خافتًا يتراقص على بعد أمتار.
سفينة صغيرة، مهترئة لكن ثابتة في وسط الفوضى.
"سلاي!" صرخت وهي تلوح بيدها بشدة.
وفي اللحظة التي غاصت فيها الأمواج تحت أيديها المتعبة،
رمت فتاة شقراء متماسكة ذات عينين حادتين وحركة سريعة، حبلًا معلقًا.
"امسكي، روبيلا!"
صرخت الفتاة، ممسكة بحبل محكم بين يديها.
روبيلا تشبثت كأن حياتها تعتمد على هذا الحبل،
وسحبتها الفتاة بقوة حتى استطاعت أن ترتقي إلى سطح السفينة الصغيرة.
تنفست الصعداء.
نظرت حولها لترى من أنقذها،
ووجدت الفتاة تبتسم بابتسامة صادقة:
"أنا لونا، أخت سلاي… ونحن ننتظر أمرًا واحدًا: أن تنجو أختي المجنونة."
روبيلا ابتسمت، رغم التعب:
"أظنني لا أستحق كل هذا، لكن شكرًا… لونا."
في تلك اللحظة، اقتربت سفينة أكبر من بعيد،
يعلوها العلم الأسود الممزق، والظلال تتراقص على سطحها تحت أضواء القمر.
وقف رجل في الأربعينات، عريض الكتفين، وجهه شاحب، وعيناه تحملان ثقل السنين،
يرتدي معطفًا طويلًا، ويحمل بيده خريطة مهترئة.
وقف على سطح السفينة الصغيرة، نظر إلى روبيلا ولونا
وسلاي، وقال بصوت مملوء بالحزم:
"هذه الليلة ستغير مصيركم… والبحر نفسه ينتظر أن تحكي قصتكم."
الرجل العجوز الذي وقف شامخًا وسط السفينة الصغيرة،
كان أكثر من مجرد ناجٍ من عاصفة عمره كان قبطانها.
اسمه كان يُهمَس به في حانات الموانئ، مقرونًا بالرعب والأسطورة:
"الكابتن مورغان غريم"،
القرصان الذي نجا من غرق ثلاث سفن، وعاد من جزيرة لم يخرج منها أحد حيًا.
عيناه، رغم عمره، لم تفقدا تلك الشرارة التي تميز القادة الحقيقيين
الشرارة التي تقول: "أمامك موت، لكني سأقوده أنا. "
نظر إلى سلاي وقال بصوته الأجش:
"ارفع الأشرعة، أيها الوقح… قبل أن تبتلعنا سفينة الشيطان."
سلاي لم يحتج لكلمة ثانية.
تحرك برشاقة، يفتح الشرع المبلل بالأمطار، بينما لونا تسحب الحبال، وروبيلا تمسك بالبوصلة بقوة كما لو كانت قلبها ذاته.
هدير البحر ارتفع.
السفينة الصغيرة اهتزت تحت أقدامهم، والرياح تصرخ كأرواح محبوسة.
لكنها تحركت.
شقّت الموج كطعنة، وتقدّمت بعيدًا عن "الغراب القرمزي" ، سفينة رايث الجبارة.
من على سطح غرابه الملعون، وقف رايث بلاكفاير وسط العاصفة،
معطفه الأسود يتطاير خلفه، ووجهه مجلل بالسواد والغضب.
رأى ظل السفينة الصغيرة وهي تهرب…
وشاهدها تختفي خلف موجة عملاقة، كأن البحر قرر أن يُخفيها عن عينيه هو فقط\.
زمّ شفتيه، قبض على حافة السارية بقوة حتى أبيضّت مفاصله،
ثم بصق جانبًا وقال ببرود غاضب:
"زمردتي الصغيرة… أتحسبين البحر سيُخبئك عني؟
البوصلة تعرف طريقي إليك… وأنا لا أضيع."
دون أن يصرخ، رفع رايث يده، وأشار نحو البحر:
"اتبعوها\. أطلقوا الغربان\. إن كانت هذه اللصة تظن أنها هربت… فهي لم ترَ بعد من أكون."
وفي قلب المجهول، بين الموج والرعد، اختفت سفينة الكابتن مورغان.
وتحت سُتر الليل، كانت روبيلا تقبض على البوصلة السوداء،
تحدق في عقربها الذي لا يتجه إلى الشمال…
بل يرتجف كما لو كان يقودها نحو قدر مجهول… وربما قاتل.
"وهكذا تنطلق السفينة، وأسرار البحر لا تزال تحاصرنا... نلتقي في الفصل الثاني، حيث تمثل القراصنة ممالكها الحقيقية، ويبدأ الجنون الحقيقي. "