✦ الفصل الثالث
...
"في اليوم الثالث دون طعام، حتى الخشب بدأ يبدو لذيذًا… وكل نظرة في العيون تقول: من سيُؤكل أولًا؟"
يقول القراصنة: "الجوع بحر بلا شراع، واللسان لا ينطق إلا بالحقائق المرة."
...
مرّت ثلاثة أيام منذ هروبهم الكبير،
وثلاثة أيام في عرض المحيط، بلا طعام، تعادل حياة كاملة من الشكوى والمعدة الفارغة.
كانت روبيلا ممددة على ظهرها، أحد قدميها تتدلّى فوق حافة السفينة،
شعرها الأحمر التصق بجبينها من شدة الحر، وعيناها الشبيهة بلَون الزمرد الأخضر تحدقان في السماء الرمادية وكأنها تُعاتب الغيوم على خذلانها.
"أنا أتفتت من الداخل…"
همست روبيلا، صوتها جاف وكأن روحها خرجت مع آخر وجبة أكلتها قبل يومين.
جلس سلاي على الحافة، ممسكًا بصنارة متهالكة صنعها من خيوط قديمة وسنارة صدئة،
ينظر في المياه الزرقاء الداكنة كأنها تحوي كل أجوبة الحياة… أو سمكة واحدة فقط تكفي.
قال وهو يشدّ قبضته على المقبض:
"لو اصطدت سمكة واحدة فقط… ولو حتى بعين واحدة وزعنفة مبتورة… سأقيم لها عرسًا."
الكابتن مورغان غريم كان نائمًا بنصف وعي داخل المقصورة، يتحدث أثناء نومه كأنه يُلقي أوامر بحرية لأسطول شبح.
أما لونا … فكانت في ذروة تذمّرها.
وقفت أمام روبيلا ويدها على خصرها، ثم قالت بنبرة حادة:
"كان بإمكانكِ سرقة مؤونة طعام تكفينا شهرًا…
لكن لا، الزمردية الشجاعة قررت سرقة البوصلة اللعينة بدل كيس خبز!"
روبيلا رفعت يدها ببطء، وأشارت لها بصبر قاتل:
"حين يُغمى عليك من الجوع… سأقلي لسانك أولاً."
قبل أن ترد لونا، قُطعت سُبابتهما بالصوت المنتظر:
"تحركت! الصنارة تحرّكت! أم البحر، لقد تحرّكت!"
صرخ سلاي بأعلى صوته، جذب الحبل بكل ما فيه من أمل وأعصاب محترقة.
المياه تماوجت، فقاعات صعدت بسرعة، و سمكة كبيرة نوعًا ما خرجت تقفز في الهواء، تتلألأ قشورها تحت الشمس، تتلوى وتصرخ كما لو كانت تسبّهم بلغتها!
"أراها! إنها… إنها وجبة! أعني سمكة!"
ضحك سلاي وهو يسحبها نحو السفينة، صراخ الانتصار يملأ البحر، حتى الكابتن فتح عينه وقال:
"أيّ نوع؟ نأكلها نيئة؟ مطبوخة؟ مشوية على اللهب؟"
لكن الفرحة… لا تدوم في البحر.
السمكة بدأت ترفس بجنون في الهواء،
ثم فجأة، بانسيابية حاقدة، انزلقت من بين يدي سلاي…
وسقطت داخل الماء مجددًا، لتختفي مع رشة باردة من الموج.
"لاااااااااا!"
صرخ الثلاثة معًا بصوت واحد، بينما سلاي جلس منهارًا:
"كانت أول حبّ في حياتي… وغدرت بي."
ضحكت روبيلا رغم معدتها الخاوية، مسحت دمعة وهمية وقالت:
"على الأقل عرفنا أنها كانت حقيقية… ليس كالحب الآخر، الذي يسرقك ثم يختفي في العاصفة."
قالت لونا وهي تجلس أرضًا:
"إن لم نأكل اليوم… سأبدأ بأكلكم أنتم."
سكت البحر لحظة،
ثم هبّت ريح خفيفة،
وكأن شيئًا ما بعيدًا بدأ يقترب… أمل؟ خطر؟ أو كلاهما؟
بينما كان سلاي ينوح على السمكة الهاربة،
ارتفعت لونا فجأة، حدقت في الأفق، ثم أشارت بحدة:
"انظروا هناك! دخان… وسفينة! ليست بعيدة!"
قفزت روبيلا على قدميها رغم الدوار،
ومدت رقبتها كقطة صائدة:
سفينة ذات أشرعة بنفسجية داكنة، يعلوها علم مرسوم عليه جمجمة ترتدي قبعة من الريش الأخضر.
سفينة مألوفة… بشكل مزعج.
سلاي بلع ريقه:
"أعتقد أنني أعرف تلك السفينة… أو على الأقل الكحول الذي كانوا يشربونه على متنها."
روبيلا تمتمت وهي تضيق عينيها:
"لا… لا، لا يمكن…"
لكن السفينة اقتربت، ومعها الضحكات الصاخبة.
ثم قُذفت حبال من السفينة الأعلى،
وتسلق قراصنة أشداء بخطى سريعة نحو سفينة روبيلا، يضحكون ويهتفون بأصوات خشنة.
ثم، بصرخة لا تخطئها أذنها،
هبطت من على الحبال قائدة السفينة، تقف بثبات وسط السطح، معطفها البنفسجي يتطاير، وسيفها يتدلّى من خاصرتها.
امرأة في أواخر العشرينات، ذات عينين سوداوتين كشقّين من الليل، وجديلة شعر داكنة تتدلّى من كتفها.
نظرت إلى روبيلا، ثم قهقهت:
"ما بكِ يا أيتها اللصة المشتعلة؟!
سرقتِ شيئًا لا يُؤكل؟ تائهة في البحر ووجهكِ شاحب كأن البحر بصقكِ من معدته؟"
روبيلا رفعت حاجبها، نظرت نحو لونا وقالت:
"إذا بدأت أصرخ الآن، امنحيني دقيقتين ثم اقتليني."
قالت المرأة، تقترب بخطوتين وتفتح ذراعيها:
"تعالي، لا خجل، نحن بين أصدقاء… نحن أيضًا سرقنا أشياء لا تُؤكل!
روبيلا اقتربت، فتحت ذراعيها أيضًا، لكن بدل العناق…
لكمتها في كتفها.
ضحكت الاثنتان سويًا.
قالت القبطانة وهي تمسك كتفها:
"آه، لم تتغيري. دائمًا تضربين بدل أن تتحدثي."
"وأنتِ دائمًا تظهرين حين تكون معدتي تصرخ."
أشارت القبطانة إلى رجُلَيْها:
"أحضروا الصندوق الأخضر! فيه شيء من السمك المقدد وخبز البحر.
أطعموا هؤلاء قبل أن يبدأوا بأكل بعضهم."
سلاي رفع يده عاليًا:
"أنا كنت حرفيًا على وشك أكل إصبع قدمي!"
بينما بدأ القراصنة يوزّعون الطعام والماء، جلست القبطانة بجانب روبيلا، وسألتها بنبرة أكثر جدية:
"إلى أين تذهبين، أيتها المشتعلة؟ لا أحد يهرب من رايث بلاكفاير حيًّا… ما الذي سرقتِه هذه المرة؟"
روبيلا نظرت نحو البوصلة، ثم عادت بنظرها إليها:
"شيء كان يخص أبي… والآن يقودني نحو موته… أو نحو شيء أكبر بكثير."
القبطانة أومأت، وساد بينهما لحظة صمت.
ثم تمتمت:
"إذًا، أنتِ تبحثين عن الكنز… الكنز الذي لا يُراد له أن يُكشف."
ساد صمت قصير بين القبطانتين، كأن البحر نفسه توقف ليستمع.
ثم نهضت القبطانة، وضربت سيفها بخفة على جانب السفينة، وقالت بصوتٍ عالٍ يسمعه الجميع:
"استمتعوا بوجبتكم يا أوغاد… لكن لا تتورطوا أكثر مما يجب."
ثم نظرت إلى روبيلا بحدة، ابتسامة ساخرة تلوّن شفتيها:
"البوصلة التي تحملينها لا تقود فقط إلى الكنز… بل إلى نهاياتٍ لا تليق بالأحياء."
التفتت، وصعدت الحبل مجددًا بخفة أنثى ودهاء أفعى،
وصاح أحد رجالها:
"ارفعوا الأشرعة! لن نتعفن هنا في ضيافة الجوع!"
وبينما انسحبت السفينة البنفسجية إلى الأفق،
بقيت روبيلا واقفة تمسك بالبوصلة،
تحدّق في عقربها الذي بدأ يدور ببطء… وكأنه استيقظ أخيرًا.
قال الكابتن غريم وهو يقف بجانبها، يلوّح بكأس ماء:
"خمسة أيام… والوجهة القادمة: بور رويال.
هناك سنكمل ما بدأه والدك… أو نموت كما مات."
رفعت روبيلا رأسها، التمعت عيناها الخضراوان وسط الغروب،
وقالت بهدوء يشبه العاصفة القادمة:
"إن كان على أحدهم أن يموت… فليكن البحر هو الضحية هذه المرة."
...............
نهاية الفصل الثالث...
نلتقي في الفصل الرابع، حيث لا يعود أحد كما كان.