✦ الفصل الثاني
"عندما ينجو القراصنة من البحر، لا يعني أنهم نجوا حقًا لأن ما ينتظرهم على اليابسة، غالبًا ما يكون أكثر جحيمًا مما تركوه خلفهم. "
كان كل شيء هادئًا... هدوءًا مخيفًا، كأن البحر نفسه يحتبس أنفاسه.
على سطح السفينة المهترئة، تمددت ثلاثة أجساد مبللة، تئنّ تحت أشعة شمس رمادية بالكاد تخترق الغيوم.
روبيلا، سلاي، ولونا. رموا أجسادهم بالأمس إلى النجاة، لكن صباحهم بدا وكأنهم قُذفوا من بطن حوت.
تقطر المياه من شعر روبيلا الناري كشرارات هامدة،
وأنين خافت خرج من سلاي وهو يتقلب على ظهره،
أما لونا.... فكانت غارقة في شبه نوم، ذراعها تتدلّى من فوق الصندوق الخشبي.
كل شيء ساكن...
حتى ارتطمت قدم خشبية بصدر روبيلا!
"استيقظوا يا حُثالة البحر!"
صرخة هزّت الألواح تحتهما، تلاها ركلة ثانية من القدم ذاتها إلى خاصرة سلاي،
ثم انسكب دلو ماء بارد فوق وجهه مباشرة.
"آاااه بحق قراصنة جهنم!" صاح سلاي وهو ينهض مذعورًا، "من يسكب البحر على من نجا منه؟!"
وقف فوقهم، يزمجر كما العاصفة:
الكابتن مورغان غريم.
شعره الرمادي الطويل مربوط كذيل حصان، معطفه الجلدي يتطاير مع الريح، وعيناه تضيقان خلف التجاعيد كمن يفكر في قتلك أو يرثيك، لا فرق.
قال وهو يلف يده حول عصاه الغريبة:
"أهذا هو طاقمي الجديد؟ لصّة… وغبيّان؟! رائع، البحر يرسل لي قمامته هذه الأيام."
نهضت روبيلا ببطء، تفرك رأسها المتورم، وابتسامة تتسلل إلى وجهها كأنها تستمتع بالإهانة:
"صباح الفوضى، قبطان . هل نجا جميعنا؟"
قال الكابتن وهو يبصق جانبًا:
"نجوتم من رايث… لكنني لست متأكدًا أنكم نجوتم مني بعد. "
فجأة....
وضعت روبيلا يدها على صدرها،
وسحبت من تحت قميصها الجلدي المبلل البوصلة السوداء.
أخرجتها ببطء، كأنها تخرج سلاحًا سحرًا.
سطحها المصقول لماع رغم العتمة، عقربها يتحرك بجنون، لا يشير إلى أي اتجاه منطقي.
الكل سكت.
حتى الكابتن غريم ضيّق عينيه وأطلق شتيمة خافتة:
"بلعنة الأرواح السبعة… هل هذه...؟"
سلاي، وهو لا يزال يعصر قميصه:
"نعم، هي هي... تلك البوصلة. التي لا تعرف الشمال ولا الجنوب، بل تشمّ رائحة القلوب. "
لونا اقتربت، عيناها تتسعان:
"هل أنتِ مجنونة فعلاً؟ سرقتها من رايث بلاكفاير؟! ذلك الوغد يلحق بظله إن تحرك!"
ضحكت روبيلا، مسحت الغبار عن البوصلة وقالت بسخرية:
"أردت شيئًا لا يملكه سواه… أردت شيئًا يريدني مثله."
جلسوا جميعًا حول صندوق البارود القديم على سطح السفينة.
سلاي بدأ يفتش في حقيبة قديمة، وأخرج منها تفاحة نصف عفنة:
"حسنًا، من يريد فطورًا؟ نكهة الحافة الأخيرة قبل التسمم!"
قال الكابتن وهو يجلس واضعًا سيفه بجانبه:
"اسمعوني جيدًا… هذه البوصلة لا تقود إلى كنز.
بل إلى ما يملكه القلب ثم يُهلكه.
ولكي تعمل… يجب أن تُسال دماء."
صمت ساد المكان، ثم سأله سلاي:
"وما الذي سنجده؟"
رد القبطان بصوتٍ غليظ كحجر يسقط في قاع بئر:
"إما نهاية العالم...أو بدايتكم أنتم، أيها الأوغاد."
.......
نهض الكابتن مورغان غريم من مكانه،
ضرب طرف عصاه على الخشب، وحدّق في الأفق بينما الرياح تعبث بأطراف معطفه.
قال بنبرة لا تعرف النقاش:
"علينا أن نستأجر سفينة حقيقية… هذه العجوز الخشبية لن تصمد ليلة أخرى في وجه الأمواج العاتية."
تبادل الثلاثة نظرات سريعة\.
سلاي سأل وهو يربط سلاحه المبلل:
"وإلى أين؟ لا نملك نقودًا، والبحر كله صار خلفنا بعد ما فعلته زمردتي ."
لم يلتفت الكابتن، فقط قال ببطء وهو يُشير بعصاه إلى نقطة بعيدة في الأفق:
"بور رويال."
الاسم نزل على رؤوسهم كطلق ناري.
لونا شهقت:
"بور رويال؟! ميناء اللعنة؟! حيث يُباع كل شيء… بما في ذلك أصدقاؤك؟!"
هزّ الكابتن رأسه:
"المكان الوحيد الذي يمكننا فيه أن نُجدّد سفينتنا… أو نسرق واحدة،
نجمع المؤونة، الماء، والسكاكين… ونستعد للرحلة الأخيرة."
اقتربت روبيلا، تمسك بالبوصلة، تسأل بنظرة حادة:
"وإلى أين بعد بور رويال؟"
التفت إليها، ببطء، ثم قال:
"إلى حيث تنتهي الخريطة....
إلى حيث دُفن والدك… وإرثه.
إلى الجزيرة التي لا تظهر على أي خريطة… إلا التي تحملينها في دمك. "
....
وقف الكابتن مورغان غريم على مقدمة السفينة الصغيرة،
ضرب قدمه الخشبية بقوة على اللوح الخشبي، وصرخ بصوته الأجشّ الذي يشبه زئير مدفع:
"اجمعوا حُماتكم أيها الأوغاد!
اربطوا أحزمتكم، نظّفوا أسلحتكم، واخبزوا أرواحكم في شمس الجحيم…
رحلتُنا بدأت! إلى بور رويال أيها الجرذان… حيث يُولد القراصنة… أو يُدفنون!"
انتصب الثلاثة دفعة واحدة.
سلاي، وهو يلوّح بسكينه في الهواء صارخًا:
"أويووي كاابتن!"
لونا ضربت قبضتها على صدرها بحماسة:
"أويووي كااابتن!"
أما روبيلا، فابتسمت تلك الابتسامة التي لا تُبشّر بخير أبدًا،
ثم رفعت البوصلة للأعلى، وجعلت الشمس تنعكس فوق سطحها الداكن، وقالت بصوتٍ متحدٍّ:
"إلى الجحيم إذًا... ومعي المفتاح ."
ثم صرخت كأميرة الجحيم نفسها:
"أويووي كاااااابتن !"
......
وهكذا، وسط أمواج تتقاذفهم، ورياح تنذر بالخطر،
انطلقت السفينة المهترئة نحو بور رويال…
لا تحمل راية، بل تحمل لعنة، وبوصلة… وسرًا دفن منذ سنين طويلة مع رجل يُدعى: والد روبيلا.
"في حضن الموج تُكتب الحكايات… واللعنة لم تُكمل همسها بعد\. نلتقي في الفصل القادم."