جاءها صوت "خليل" ليقطع حديثها بحدة في النبرة والنظرة : _"سيليا" بماذا تهذين ؟ اصمتي الآن . فتدخل ذلك الأحمق بكل هدوء وبرود وقال: _لا عليك يا "خليل" ، معها حق أنا لا أتناول الفول في القصر .. ربما لكونه طعام الفقراء!؟ أشعلت كلماته النيران في صدرها وهو ينظر إليها بابتسامة باردة ، لم تتحمل السكوت برغْم علمها بغضب والدها منها ، فقالت وهي تتظاهر بالهدوء: _في الحقيقة لم أتعجب من كونك وقح ، لاحظت ذلك من قولك "خليل" دون أي احترام لكونه في مقام والدك ، كان هذا كفيل لإظهار عدم تربيتك بشكل جيد . قالت كلماتها تلك وهي تعلم عواقبها ، لم تسمع بعدها سوي توبيخ والدها الذي طلب منها الذهاب لغرفتها ، بعدها توالت الاعتذارات ل "ريان" وعائلته ، كما غضبت والدته وغادروا منزل "خليل" وهم في غضب شديد منهم ... أو من "سيليا". *********** وصل "ريان" ووالدته وأخته منزلهم الجديد ، وبعد محاولات عدة لترتيب أغراضهم وتقسيم الغرف ، ذهب "ريان" لغرفته وهو غاضب من هذا الوضع الجديد ومن كلام الفتاة ومن كل ما يحدث حوله . طرقت والدته باب الغرفة وهو غارق في تفكيره فلم تنتظر وفتحت الباب ، دخلت لتجلس جواره ، تنهدت بضيق وقالت : _لمَ تحاول أن تصبح نسخة من أبيك ؟ ، لمَ ترى الجميع أقل منك ؟ .. لقد تعبتُ من أحوالنا المتقلبة بسبب تصرفاتكما ، اسمع يا "ريان" لا أريد تصرفات طفولية كالتي حدثت في الصباح ، احتقارك للآخرين لن يجعل منك أعلى منهم .. أهذا هو رد الجميل ؟ . كان "ريان" ينظر بلامبالاة ثم قال بهدوء: _هل انتهيتِ ؟ هزت الأم رأسها بيأس وقالت بغضب: _صباح الغد ستذهب لبيت "خليل" لتعتذر إليه وإلى ابنته ، ولن أكرر كلامي ، قد انتهيت الآن. ثم همََّت للمغادرة ولكنها توقفت واستدارت إليه وقالت بحدة : _ولا تُناديه "خليل" مرة أخرى ، كان معها حق الفتاة .. عديم الأدب. ضحك "ريان" بهستيريه ومن بين ضحكاته قال: _كم أنتم مجانين ، ماذا أناديه إذاً ، العم "خليل" ! . ثم تابع ضحكاته وصاح : _لن يحدث أبداً ، لن يحدث يا أمي ، لن يحدث يا ابنة "خليل" . ********** أما عن بيت "خليل" فلم يغادره الصمت منذ مغادرة أسرة "ريان" . كانت "سيليا" تجلس بغرفتها منذ الصباح حتي جاءتها "شغف" تقول بهمسٍ وخبث : _"سيليا" أبي يريدك بالخارج ، يبدو أنه سيضربك الآن ؛ لأنك أزعجتي ضيوفنا في الصباح. ثم ضحكت بخبث ، لتدفعها "سيليا" الغاضبة وهي تنهض قائلة: _ابتعدي عن وجهي الآن ، لا أريد أن أُخرج غضبي عليكِ . وقفت "سيليا" أمام والدها الغاضب وهو يريد أن يبدأ توبيخه لها ، لتقاطعه والدموع في عينيها : _لا تقُل شيئًا يا أبي أنا من سيتحدث .. أنا لم أُخطئ ، لم يربيني السيد "خليل الشافعي" على الإهانة أو القبول بأي شكل من أشكال التقليل مني ، أعلم أن إكرام الضيف واجب وأنهم في بيتنا وللضيف علينا سعة الصدر ، لكنه تعدى حدوده ، لست نادمة على ما فعلت ، وسأكرره لو طلب الأمر ذلك. شهقت وهي تأخذ أنفاسها من بين دموعها وتابعت: _أرجوك يا أبي لا توبخني على فعلتي التي تعلم أنها صحيحة ، لن أتحمل منك هذا . قالت كلماتها تلك ثم وضعت يدها على وجهها وغرقت في بكائها ، لينهض "خليل" ويضمها إليه ويقول بندم : _لن أوبخك ، نعم أنا ربيتكم على عزة النفس ، أنتِ على حق يا فتاتي لا تبكي الآن ، أنتِ على حق دوماً. ___________________________________________ استيقظ "ريان" في الصباح التالي ليجد بجواره ورد البنفسج الجميل ، تملأ رائحته أرجاء الغرفة ابتسم بارتياحية وقال وهو مغمض العينين : _ستُجن المعجبات هكذا ، يرسلون إليّ يومياً ورد ورسائل غرامية وهدايا لا نهاية لها ، ولكن لن ألومهن معهن حق أنا لا أُقاوم . لتقطع أحلامه الوردية هذه والدته التي فتحت النافذة ليحتل الضوء غرفته ، وقالت له بسخرية من كلماته: _كم هن مساكين ، سيمُتن قريباً من تجاهلك لهن .. هيا استيقظ يا روميو ، هذا ورد قد جلبته لك لتأخذه لبيت "خليل" ؛ كي تعتذر عن أدبك المعدوم . أفتح عينيه واعتدل من نومه وقال بضيق: _قتل الأحلام والآمال هي هوايتك المفضلة يا أمي ، ولكن الكثير من الفتيات يرسلون لي هدايا ورسائل يومياً .. ولن أذهب لأي مكان ولن أعتذر لأحد ، وافعلوا ما شئتم . ********** دق باب بيت "خليل" ، فتحت السيدة "ورد " لتجد "ريان" يقف مبتسم الثغر بيده ورد البنفسج ويقول: _صباح الخير سيدتي ، أين هو العم "خليل"؟ (*ماذا أناديه إذا العم "خليل" بلا بلا بلا بلا ..) ابتسمت "ورد" وقالت: _إنه في العمل الآن ، ولكن تفضل يا بني .. تفضل . دخل "ريان" وهو يحاول التظاهر بأدب ثم قال لها : _أود الاعتذار لما صدر مني أمس ، أنا ينتقل المرء لمكان جديد يخلق بداخله القلق وعدم الفهم ، ما حدث كان سوء فهم بيني وبين ابنتك سيدتي ، أرجو أن تقبلوا اعتذاري. ثم قدم لها الورد بابتسامة مصطنعة وتابع: _أرجو أن تُبلغي اعتذاري للعم"خليل" وابنته ، وأرجو أيضا ألَّا يؤثر ما حدث على علاقتنا كجيران ، نحن يسعدنا معرفتكم ومجاورتكم . كانت أسنانه بالكامل ظاهرة من اتساع ابتسامته التي تكِنُّ بداخلها انزعاج كبير لما يفعله. أخذت منه الورد وقالت بتواضع وحبور : _لا يا بني لم يحدث شيء ، أنتما فقط عاندتما بعضكما البعض ، اعلم أن كلاكما بداخله جميل .. لكن طيش الشباب لا يمنعه شيء ، هداكم الله يا بني ، ولكن لن تذهب قبل أن أُحضر لك شيئاً تشربه . هز رأسه رافضاً لكنها أصرت علي ذلك فاضطر أن يجلس. بعد قليل ، عادت "سيليا" من جامعتها لتجده يجلس في غرفة المعيشة ، نظرت بدهشة وقالت في نفسها : _كم أنت عديم الشعور ! ، ما الذي أتى به إلى هنا مرة أخرى هذا الأحمق؟ . وقفت تنظر إليه بتعجب ولم تنطق خوفاً أن تسوء الأمور أكثر ، وقف أمامها وقال بافتعال وبسمة مزيفة : _أعتذر لما صدر مني أمس يا صغيرة ، وجلبت الورد دليلاً على اعتذاري أرجو قبول هذا. ثم جلس مرة أخرى كأنه عرض مسرحي ألقى جملته وعاد كي يُنهي هذا . ضحكت "سيليا" وقالت متعجبة بضيق : _صغيرة ؟! ، هل تراني بضفائر أم أن ما حدث أمس كان بسبب إحدى الدُمى خاصتي ؟ نظر لساعته متجاهلاً حديثها وقال : _أياً كان لقد اعتذرت عمَّا حدث . ظلت تحدق به في ذهول ثم ضحكت ساخرة وهي تقول: _ لن يتغير رأيي بك أبداً ، بل أنت لن تتغير أبداً . قالت كلماتها وغادرت غرفة المعيشة متجهه نحو غرفتها. كانت تضع أغراضها وهي تضحك على هذا الأحمق ، ثم أرادت أن تخرج لتسأل والدتها عن اعتذاره وما حدث . وفي طريقها للمطبخ رأته يقف أمام غرفة "ساجد" ويتمعن النظر إلى الباب الذي فتحه برفق ، لتوقفه هي مسرعة قائلة : _أنت .. ماذا تفعل ؟