وفي صباح يوم الأحد تسير "سيليا" و"عهد" في طريقهما للجامعة بمنتهى النشاط والحيوية وال....كذب طبعاً ، قالت "عهد" بيأس والنعاس يغلب صوتها: _كم أكره محاضرات الصباح التي تجبرني على ترك فراشي الدافيء في هذا الجو البارد. ابتسمت "سيليا" لحديثها الطفولي هذا وقالت بهمة مصطنعة: _أتعلمين كام فائدة للاستيقاظ المبكر ؟... أم أنكِ تريدين أن تصبحي باندا ؟. ضحكت "عهد" وقالت: _هل تركت حديث أمي هذا لأسمعه منكِ يا "سيليا"؟، كلانا نكره هذا ، لا تمثلي دور الحكيمة الآن. ضحكت كلتاهما بمرح ثم تابعا السير حتي الجامعة. انتهت المحاضرة الأولى وذهبت الفتاتان لاحتساء القهوة ، ومن ثم اتجهتا لأخذ محاضرة أخرى كانت الأخيرة.. في طريق العودة كانت السماء مليئة بالغيوم ، ثم بدأ المطر بالهطول تدريجياً وهما في غاية سعادتهما وفي غاية البلل أيضاً. وأخيراً وصلت "سيليا" إلى البيت .. وصلت للدفء ، انتظروا إنها رائحة طعام والدتها يا له من ختام سعيد لهذا اليوم . اتجهت نحو المطبخ لتلقي التحية على أمها وتُعلمها بقدومها ، كانت مندمجة كثيراً مع الراديو ونغمات الست ' أم كلثوم ' وتغني معها قائلة: _' وقابلتك أنت لقيتك بتغير كل حياتي ، معرفش ازاي حبيتك معرفش ازاي يا حياتي .. ' كانت "سيليا" تقف عند باب المطبخ تراقبها بابتسامة ، حتي تداخلت مع الكلمات وهي تقول : _' من همسة حب لقتني بحب ، لقتني بحب وأدوب في الحب .. ' ثم ضحكت بعفوية ، وقالت مداعبة إياها: _ كم أنت محظوظ يا أستاذ " خليل" لتجد من يحبك ويعد لك الطعام اللذيذ مع كل هذا الحب . ضحكت الأم وعلت الحمرة وجهها وقالت : _ من سأحب إذًا إن لم أحب صديقي وزوجي وحبيبي الذي يسعى لإسعادي وراحتي دوماً يحميني ويحبني دون مقابل ، لمن الحب إذاً ؟! . كان الطعام قد جُهِز .. ساعدت "سيليا" والدتها في تجهيز الطاولة ، ثم اتجهت نحو النافذة لتنادي على "شغف" التي كانت تلعب مع الأطفال أمام المنزل ، وطلبت منها أمها أن تتصل ب "ليل" لتحثها على القدوم سريعاً إلى المنزل . بعدما جلسن على الطاولة ، سألت "ليل" أمها: _ أين أبي ؟ ألن يشاركنا طعام اليوم أيضاً ؟ . تنهدت الأم بضيق وتركت الملعقة من يدها وقالت: _ اتصلت به اليوم وأخبرني أن الوضع مضطرب جداً ، وهناك احتمال كبير أن تُحتجز ممتلكات "الأسطول" بأكملها .. شركاته ومصنعه ، وبهذا سيُشرد كل العاملين معه ويفقدون مصدر معيشتهم . عمّ الصمت على الطاولة فالجميع يعلم كم المعاناة التي لاقاها "خليل" ليجد عمل كهذا ، ليقطع هذا الصمت صوت طفولي حزين من "شغف": _ هذا يعني أن أبي سوف يعود حزينًا ولن يجلب لي الألعاب كعادته؟. ابتسمت "سيليا" لبراءتها فهذا كل همها ، وقالت بتفاؤل: _ لا يا صغيرتي لن يحدث شيء كهذا ، سيجد أبي عملاً آخر ، وستحصلين على الكثير من الألعاب أيضاً. ثم أضافت "ليل" : _ وأنا سأساعد يا أمي من دخل عيادتي البيطرية ، ولن يمنعني أبي هذه المرة. انزعجت الأم كثيراً وقالت بغضب ممزوج بأسى : _ اصمتوا ، لا دخل لإحداكن بهذه الأمور ، الخطأ خطأي ؛ لأنني أعلمتكن بشيء كهذا .. أعطى الله "خليل" العافية ، هو قادر على سد حاجاتنا دون مساعدة من أحد ، والآن تناولن طعامكن في صمت . ثم نهضت متوجهه نحو غرفتها وأغلقت الباب ، لتنظر الفتيات لبعضهن بحزن ولم يتناول أحد طعامه . _________________ مرت هذه الليلة بتفكير وقلق ، لم تكن بأسعد الليالي التي مرت .. في الصباح استيقظت "سيليا" على صوت منبه التاسعة صباحاً ، كان ميعاد المحاضرة العاشرة والنصف ، ولكنها لم ترغب في الذهاب ، جلست على سريرها مهمومة لم تُرِد حتى الخروج ورؤية حزن عائلتها ، ليقطع كل هذه العشوائية التي برأسها صوت باب البيت يُفتح ويخرج من خلفه صوت "خليل" ، الذي ملأ المكان وهو يقول بحماس وسعادة: _ يا فتيات أين أنتن ؟ لقد عدت ، يا " أم ساجد" أين أنتِ ؟. ركض الجميع لغرفة المعيشة حيث كان "خليل" عانقوه بقوة وقبلوه وهو يضحك من هجومهن ويقول: _ مهلاً سأموت هكذا .. هل طال غيابي لهذه الدرجة ؟ . ثم نهض بعيداً عنهن وتوقف ليُقبّل جبين زوجته ، ثم قال: _اشتقت إليكِ كثيراً يا "ورد" ، وللفتيات. ليصدر صوت "شغف" الحزين قائلة: _أبي هل فقدت عملك حقاً ؟ ، لقد قالت أمي هذا أمس ، هل سنصبح فقراء ؟ أظن أن هذه ليست براءة بالمرة يا لها من طفلة مزعجة هل الوقت مناسب لقول هذا؟! لم يفهم أحد تعابير وجه "خليل" لكنه كان مزيج من الحزن والأمل ، كان يبتسم بطريقة تُخفي خلفها ألماً . تدخلت "ورد" وهي تنظر بحدة ل"شغف" وقالت: _ لنصمت الآن ونترك أباكِ ليسترح قليلاً ، ولا نتحدث بأي أمرٍ أبداً . ضحك "خليل" وحمل "شغف" بين ذراعيه ، ثم قال مداعباً: _يا لكِ من صغيرة تحب المال كثيراً ، أود أن أخبركِ عزيزتي أنكِ لن تصبحي فقيرة أبداً ، مادام ل "خليل" قلب ينبض .. وحتى أنني سأُزوجكِ بشاب ثري ؛ كي تُهدرين أمواله كما يحلو لكِ . ضحك الجميع ، ثم تابع "خليل" : _لقد وعدني السيد "سليمان الأسطول" بذاته أنه سيضمن لي وظيفة عند أحد أصدقائه وبراتب أكبر من الأسبق ، كما أعطاني مكافأة كبيرة ؛ عِرفاناً لي بكل ما قدمته من عمل علي مدار الثلاث أعوام الماضية. وبهذه المناسبة السعيدة أعدت لهم "ورد" طعاماً شهياً .. _________________ حلّ المساء والعائلة مجتمعة أمام التلفاز في جو من الدفء العائلي ، إذ بمكالمة هاتفية تغير ملامح "خليل" ، قام متجهاً نحو الشرفة ، أنهى مكالمته بهمسٍ والجميع في حالة من التساؤلات و التعجب . عاد "خليل" وهو يقول بمزاح: _يا أم "ساجد" أين الحلوى ؟ ألن تُعديها لنا اليوم كما اعتدنا منكِ يا حلوى ؟ . قالت "ورد" بتعجب وتوتر متجاهلة ما قاله زوجها : _أهناك شيء سيء قد حدث لا قدر الله يا "خليل". فأجاب "خليل" بتلقائية وتعجب : _ماذا ؟ هل تم منع الحلوي؟! . أغمضت "ورد" عينيها بضيق ، ثم قالت بنبرة جادة: _لا أمزح الآن ، ما الذي فزعك هكذا عندما دق هاتفك ؟ ليضع "خليل" يده علي رأسه ثم زفر بقوة ، وقال : _متي سينتهي هذا الشك ؟ ، إنها مكالمة من العمل الجديد ، يخبروني أنه تم قبولي . اتسعت حدقتا عين "ورد" ، وقالت بلهفة: _أنت لا تكذب أليس كذلك ؟ ليقول بطريقته المداعبة : _ ما الذي يفعله المرء لتصدقه زوجته من أول مرة ؟ تعالت ضحكات الجميع ، وعمت السعادة بعد هذا الخبر وأعدت لهم "ورد" الحلوى ومضت ليلتهم بحب وطمأنينة .. ___________________ في صباح اليوم التالي جاءت مكالمة هاتفية ل "خليل" أثناء تناول الإفطار ، كان مضمونها بيت للإيجار ، وتقريباً أشار الحديث لهذا البيت المجاور لهم وهو خالي من السكان منذ سنوات . أغلق "خليل" المكالمة وأخبرهم بأن هناك من سيسكن هذا البيت خلال أيام وعليهم أن يستقبلوهم ، كما يجب مساعدتهم في كل ما يريدون .