المانيا-برلين
فجر يوم الاثنين ، السماء ملبدة بالغيوم مصحوبة بأمطار غزيرة لم تتوقف منذ منتصف الليل، يركض بسرعة نحو محطة القطار محاولًا عدم التأخر عن مقابلته الوظيفية..بدأ ينزل الدرجات بخُطى متعاقبة وبعد ان تجاوزه اتكأ بجسده على أحد الأعمده لينحني قليلًا للأمام بانفاس مُتسارعة يحاول التحكم بها، فتح حقيبته ليخرج قنينة ماء شربها دُفعة واحدة ليروي عطشه، بعدما انتظمت انفاسه قليلًا اكمل طريقه حتى توقف امام باب القطار، اعلن عبر مكبرات الصوت عن اقتراب وصول القطار القادم المتجه نحو بانكو، دقائق قليلة حتى توقف القطار امامه، مع تزاحم الأشخاص دلف بسرعة للداخل، جلس بارتياح كونه استطاع اللحاق قبل ان تمتلئ المقصورة ويضطر للوقف طوال الطريق، سرعان ما توقف عندما لاحظ بعد قراءته لوجهة القطار المكتوبه على إحدى الشاشات- بانكو- وضع يده على جبينه ليهمس بصدمة
"تبًا، الم يكن مُتجهًا نحو زو؟"
عاود الجلوس بعدما أغلقت الابواب ليقرر البقاء والتبديل عند المحطة القادمة، بالرغم من ان هذا سيأخذ وقتًا..ارتفع صوت المُكبر لينطق الرد الألي: أعزاءنا الركاب نود التنبيه بأن هذا القطار لن يتوقف حتى النهاية
أحكم قبضته بغضب شديد من هذا العُطل المفاجئ لكنه قرر الصمت بدلًا من الجدال دون نفع، صرخ احد الركاب بانزعاج: حُثاله! كان عليهم اخبارنا قبل ركوبنا هذا القطار الغبي
تعالت اصواتهم المُعترضة عن هذا الخلل المفاجئ، استقام ليضع حقيبته في الخزانة ولكنها كانت مقفله، عاد ليجلس ثم اتكأ برأسه على النافذه خلفه مغمض عينيه بانزعاج من اصواتهم الصاخبة، لا يعلم ما سبب تذمرهم هذا بالنهاية لن يحل الصراخ الأمر بل سيزيد من صداعه..سرعان ما ابعد رأسه عاقدًا حاجبيه باستياء بسبب اهتزاز القطار، اراد الاسترخاء قليلًا لكن مع هذا الإزعاج سيظل مستيقظًا، لحظات قليلة حتى بدأ يسود الصمت تنهد بارتياح ثم التفت للجالس جواره بعدما نقر كتفه، نطق الآخر بابتسامة صغيرة:يمكنك الاتكاء على كتفي حتى نصل
ارتسمت ابتسامة ساخرة ليعاود النظر للأمام بعدم اهتمام،هل يعتقد بأنه سيثق بغريب جالس جواره عرض عليه خدمة غريبه كهذه؟ ياله من احمق فعلًا.. تنهد الأخر بضيق ثم تابع وهو يعدل قبعته : بالمناسبة انا دانيال تشرفت بمعرفتك
"آلن..لا احب الثرثاين امثالك لذا التزم الصمت"
همهم دانيال بتعجب واضح:آلن؟ اسم نادر
تنهد آلن بانزعاج محاولًا التحكم بجماح غضبه، لم ينم بشكل كافي والأن من سوء حظه لم يجلس إلا بجوار ثرثار!
صمت دانيال عندما اعتلى صوت المكبر لينطق صوت بشري: اختبار..اختبار هل تسمعونني؟
سكت الغريب لثوان قليلة ثم ضحك بجنون ليصرّح: اهلًا بكم اعزائي الركاب في الرحلة الأخيرة!
ساد صمت مُريب أثر إعلانه الغريب ليتسلل الخوف في قلوب الركاب سرعان مابدأ كل شخص يُحادث من بجواره بقلق..عدا بعض الأشخاص من ضمنهم آلن الذي اعتقد انها لعبه سخيفه لإرعابهم قليلًا، لم تدم اصواتهم العالية وقتًا طويل بسبب تصريح آخر من الغريب: المهمة الأولى للنجاة يا اعزائي عليكم التعرف على خمسة من البشر..امامكم ثلاث ساعات لإتمامها !
انقطعت الأضواء بشكل مفاجئ ليخيم الظلام من حولهم إلا من بعض الاضواء الخافته في زوايا القطار مما يسمح بتمييز من حولك دون القدرة على رؤية ملامحهم بوضوح ، خصوصًا ان القطار يسير تحت الأرض، فلا وجود لضوء الشمس ليُنير العتمه..بدأ البعض يتعارف بعشوائية وآخرين سخروا من هذه الغرابه مُقررين تجاهل ما يحدث والاسترخاء حتى الوصول.
نطق دانيال وهو ينظر إلى آلن: علينا التعرف على ثلاثة لنكتمل!
" ومن قال انني اخترتك؟"
تذمر دانيال قائلا: هل انت صريح هكذا بشكل دائم؟
"فقط مع المزعجين"
نهض الآخر بانزعاج مبتعدًا عنه..انزل آلن معطفه العودي ليطويه ويضعه على حُضنه
في نفس المقصورة بالقرب من مقعد آلن، كانت ايما تنظر حولها بتوتر لما يحدث، ليست سوى فتاة في عمر المراهقة متوجهه نحو مدرستها..كيف آلت الأمور لتصبح تحت كل هذا الضغط؟
نطقت امرأة بالغة تجلس في المقعد المقابل لها: يا فتاة هل تنضمين لنا؟
دون تردد اومأت بإيجاب، لم ترد البقاء بمفردها فالإنضمام لمجموعة يشعرها بالأمان، قالت بخجل:أدعى إيما
ابتسمت الآخرى لتنطق بضحكة: لمَ انتِ خائفة هكذا؟ بالمناسبة انا كارلا
تابع الجالس بجانب كارلا مُعرفًا عن نفسه:ڤين..الان تبقى شخصان لنكتمل
وزع انظاره حول الأشخاص الموجودين في المقصورة بحثًا عن الشخص الرابع..نطق بهمس مثبتًا انظاره على المعنيّ:ما رأيكم في ذلك الرجل؟
وضعت كارلا يدها أمام فمها اثناء تثاؤبها لتقول بنعاس: لا اهتم بمن سينضم لتنتهي هذه السخافة وحسب..
اردفت إيما:انا ايضًا ..اريد ان نكتمل وحسب!
اعتلى صوت الغريب مُعلنًا: مضت الساعة الأولى
التفت ڤين لكارلا بتعجب:أشعر بإن الوقت أقصر من المعتاد
نطقت بسخريه: بسبب توترك ايها الابلة! الان دعنا نضمّه إلينا
نهض ڤين متجه إلى المعنيّ، مد يده ليصافحه قائلًا: مرحبًا انا ڤين..ينقصنا شخصان هل تكون الرابع؟
"آلن..ولكن مالذي يجعلني انضمّ اليكم؟" قالها بشك
ابتسم ڤين موضحًا: انظر حولك..بدأ الجميع بتكوين مجموعات عداك..انت وبعض الاشخاص..ربما علينا الإنصياع لاوامرهم
"وما الذي يُجبرني على الانصياع لاوامرهم هذه؟"
ضحك ڤين من تساؤلات آلن حول كل مايقوله، قال: لا احد يجبرك..لكن ستظل وحيدًا..انضمامك لنا لن يضرك إن لم نكن ذو نفعً لك..بالنهايه عند وصولنا لوجهتنا سنفترق لذا لا اعتقد ان الاشخاص الذين تختارهم يشكلون فارقًا كبيرًا
"حسنًا سأكون الرابع"
عرفت كل من كارلا و إيما عن انفسهم لـ آلن، ثم طلبوا من احد الاشخاص التبديل مع آلن ليجلس بجوار إيما ويقابلهم ڤين و كارلا ..نطق ڤين: تبقى آخر شخص
"يبدو انك تُحب الدور القيادي"
قالها آلن قاصدًا ڤين بكلامه..ضحك الآخر قائلا: ربما..يبدو انه لم يتبقى الكثير
نظر آلن حوله، البعض نائم دون إلقاء اي اهتمام لما يحدث، بدأ ڤين يسأل بعض الأشخاص لينضموا اليهم كان البعض قد انضم بالفعل إلى مجموعة واخرون رفضو الإنضمام مُصرين بالبقاء وحدهم بدلا من الثقة بمن هُنا
عاد ڤين إلى مكانه بتعب ليتنهد قائلاً: اعتقد علينا النظر في المقصورات الآخرى..آلن ايمكنك الذهاب؟
"ولمَ علي فعل ذلك؟"
قالها بينما ينظف نظارته بطرف قميصه
عقد ڤين حاجبيه بإستغراب: ربما لاننا فريق واحد وعلينا التعاون؟
ارتدى آلن نظارته واردف يقول: صحيح..لكن اشعر بالتعب لا طاقة لي للحراك
تأففت كارلا لتنهض بغضب قائلة: يالك من اتكالي..مُقرف
لم يهتم لنبرتها الغاضبة بلّ سرعان ما اتكأ برأسه على زجاج النافذه خلفه متجاهلا ذلك الاهتزاز المُزعج..مغمض عيناه بكسل ناويًا النوم حتى انقضاء آخر ساعتين..لم تلبث كارلا وقتًا طويلًا حتى عادت بإبتسامة ممسكة بذراع الشخص الخامس:وجدته
نطق الأخر بصوت مألوف لـ آلن مُبعدًا يده عن كارلا: لست غرضًا لتمسكي بي هكذا
فتح آلن عينيه بانزعاج لينظر إلى دانيال بإبتسامة جانبية ساخره" ايها المهووس هل تصر إلى هذه الدرجة ان تكون معي؟"
تعمد آلن استفزاز دانيال بالكلام ليخرج من المجموعة، ونجح بذلك..ابتعد دانيال بامتعاض: يبدو انه غير مُرحب بي هُنا
تابع سيره عائدًا إلى المقصورة الأخرى متجاهلاً نداء كارلا وتوبيخ ڤين لـ آلن..بعد تجاهل دانيال لهم جلست كارلا في مقعدها وهي تزمجر بغضب: هل تعتقد انه وقت مناسب لإنتقاء العلاقات؟
"أجل..لا أستطيع تحمل البقاء مع شخص ثرثار مثله"
صرخت الأخرى ضاحكةٍ: لا يوجد ثرثار هنا سواك ايها الأحمق..لذا اخرج انت من المجموعة وليبقى داني
نطق بنبرة ساخره"داني؟ لقد انضممت قبله لذا الأولوية لي في البقاء"
رفعت كارلا يدها اليمنى ثم قالت: من يرشح طرد آلن وانضمام داني؟
لم يرفع اي من ڤين او إيما ايديهم، نطقت بتعجب : هل تفضلون هذا الأناني على داني المسكين؟
اومأ ڤين نفيًا ليقول بتبرير: ليس هكذا ولكن لا اعتقد ان الأمور قد تُحل بهذه الطريقة..علينا النقاش بمنطقية
تحدث الغريب مُعلنًا:الساعه الأخيرة !
توسعت عينا ڤين رُعبًا قائلاً:صدقوني الوقت يمر بسرعة غير طبيعية!
ردت كارلا بضحكة قوية: بسبب توترك يُخيل لك هذا يا رجل
تنهد ڤين بضيق ثم تابع حديثه: تعاون معنا آلن
"وماذا عن هذه؟ ربما هي لا تريده أيضًا"
قالها بينما ينظر إلى إيما التي تلعثمت قائلة: لا بأس بانضمامه
تأفف ڤين ثم اردف: آلن لا تكن عنيدًا
نطق معاندًا "اما ان ابقى انا او يخرج هو..انتهى"
ضحكت كارلا بنبرة مرتفعة: يا لك من ذكي يا آلن بالنهاية انت من ستبقى؟ لقد احببتك لتبقى معنا..حسنًا سأذهب للبحث عن آخر
همس آلن بصوت مسموع "ضحكتك مُزعجة..اصمتي"
مضى الوقت حتى عادت كارلا وحدها، نطقت بفقدان أمل:آلن لننادي داني..اترك عنادك غير المبرر
"سأبحث بنفسي" قام من مقعده لتنطق كارلا وهي تصفق: آلن الكسول سيبحث بنفسه؟ إلى اي حد لا تُطيقه!
"لا شأن لك"
توجه ليسألهم.. شخصًا تلو الآخر وهم ذاتهم من سألتهم كارلا مسبقًا، ابتداء من المقصورة الأولى حتى السادسة..الأغلب قد كونوا مجموعاتهم بالفعل وحوالي عشرة اشخاص رفضوا ذلك..لم يتبقى سوى دانيال الذي لم يجد مجموعة لينضم لها وكرامته لا تسمح بالعودة لمجموعة آلن..علا صوت الغريب قائلا: ثلاث دقائق متبقية..بدأ العد التنازلي!
اغمض آلن عينيه لجزء من الثانية، ثم نبس بصوت خافت
"تبًا اين ذهب"
بدأ يمشي بسرعة عائدا لمقصورته بينما يبحث عن دانيال وينادي باسمه حتى وجده، توقف امامه بخجل غلفه بالبرود"لتنضم إلينا..بما انك لم تجد مجموعة"
ضحك الآخر بسخرية ثم استقام قائلا: ايها المهووس هل تصر لهذه الدرجة ان تكون معي؟
"اصمت واتبعني"
جلس آلن وبجواره دانيال، بينما ضحكت كارلا بسخرية من آلن، نطقت باستهزاء: في النهاية انت من احضرته؟
قلب عينيه بعدم اهتمام، بدأ كل منهم بالتعريف عن نفسه لدانيال..ثوانٍ قليلة حتى صدرت تلك الضحكة الجنونية من ذلك الغريب ليردف قائلًا: المهمة الأولى انتهت..والان اعزائي غير المُبالين الذين لم ينضموا إلى اي مجموعة، ماذا سيحل بمن تجاهل اوامري؟
ضحكة ساخره خرجت من ثغره مُعلنًا المصير المُقدر لمن اختار تجاهله: الموت!
لم يمض وقتًا طويلًا حتى بدأت اجسادهم تتهاوى على الأرض، صرخة خائفة خرجت من إيما وهي تضع وجهها بين كفيها..شدّ آلن بقبضته مُدركًا ان مايحدث هنا أمر مُريب لا مُفسر له، بينما نطقت كارلا:ماهذه المزحة هل ماتو حقًا؟
بدأت اصوات الركاب ترتفع مُتسائلين عمّا يحدث، اقترب ڤين لإحد الاجساد الساقطة واضعًا اصبعيه السبابه والوسطى عند اماكن النبض ليتحسس نبضه، نبس بخوف: لا نبض..
نطق آلن وهو يضحك بصدمه"اتمازحني؟ ماذا يحدث هنا ظننت انها مُجرد لعبه تافهه.."
بدأ الرعب يتسلل لقلوبهم بإدراك ان الوضع هنا جدي، ومصير كل من يتجاهل ذلك الغريب محتوم بالموت، نطق ذلك الصوت الذي اصبح يبث الرعب في قلوبهم: مفاجأة رائعة، أليس كذلك؟ والان هل ننتقل للمهمة الثانية؟
يتبع
الفصل الأول حلويات.. لا تنسون
VOTE+COMMENT
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ)
الكاتبة:سَّدَف☀️