🧣
"أنا لا أعطيكِ ما ترِيدين.... بل ما تحتاجِينه لبِنائِه".
_تشارلز آسترُود
..
لِمَ على حياتي أن تكون بائسة لهذه الدرجة.؟
أمي مصابة بمرض حال بينها وبين صحتها و حياتِها منذ ما يقارب العام، والدي... يمكنني تسميته بكل الألقاب ما عدى لقب الأب.
و لا إخوة لدي، صديقتي الوحيدة تمقِتني.. تكرهني، لستُ أعلم أيهما أصح.
كما أن الرجل الذي أحب، يحب أخرى، صحيح أنه لم يفصِح عن ذلك لكنه ظاهر للعيان، حتى الأمى يمكنه معرفة ذلك.
أصدقائي يعتبرونني عبئًا عليهم، شمسٌ ساطعة لحد العمى.
دمعةٌ يتيمة نزلت من عيني وصولا لأسفل خدي حتى استقرت على يدي تلسعُنِي هناك.
نظرتُ للهاتف الذي تزينه رسالةٌ من زيفار... لقد اشتقت له فلا أحد يفهمني كما يفعل هو...وإن كانت سيسيليا تفعَل تقريبا، كان في مجمل رسالته يتسائل عن احوالي وما شابه، أمسكتُ بالهاتف أرد بأنني بخير ثم اغلقته ثانية.
إنني أودُّ الذهاب للسباقات، حتى لو كان سباقي قد ولى فسأخالف القانون وأتدخل في اي سباقٍ يجرَى الآن، اريدُ فقط شيئًا يحسن مزاجي.
استقمتُ من مجلسي عازمةً على الذهاب، سآخُذ المفتاح من أبي و إن منعني او سالنِي عن مكان ذهابي سأكذب قائلةً أن أدوية والدتي انتهت وعلي الذهاب لإحضار المزيد... هو لا يهتم بها ولا بمرضها المزمن، إلا أنه لن يمانع ذهابي لجلب الأدوية تجنبا لتوبيخ الطبيب... فقط.
نزلتُ للأسفَل و وجدتُ والِدي في مجلِسِه ومعه تلك المرأة الغريبة.
غرفة المعيشة كبيرة و واسعة، حيثُ توجَدُ في الجهة اليُسرى أرائِك بنية كبيرة تتوسطها طاولة سقفُها من الزجاج، يوجد على الطاولة صحنٌ لإطفاء السجائر و مزهرِية بها بعضُ الورود..دائِما ما تذبل بفعل رائحة السجائر التي يدخنها أبي و اصدقائه لكنها سريعا ما تُستبدل من قبل الخادِمات.
أما في الجهة اليُمنى فتستقِر طاولة بيلياردو أجهلُ سبب وضعِ والدِي إياها هنا، وعلى الجدار توجد بعض أدراج الكتب المعلقة حيثُ توزع البعضُ فيها بعشوائية مُطلَقة... تلك الكتُٓب التي لم أقرأها لحد اللحظة.
كان والدي جالسا على الأريكة الفردية بينما تجلس تلك المرأة امامه على الثنائية، لم تكلف نفسها عناء التصرف برسمية بل كانت شبه مستلقية في مكانِها ذاك بينما تحمل بيدها سيجارة كانت تُسقط رمادها على رخام الأرضية ببدائية
أين الأخلاقُ و التحضُّر الذي كاد أبِي يحرِق بسببهما أصابعي يومها.؟ ألا يجِبُ عليه أولا أن يختار أصدقاء كما يصفهم بدلا من لومي على كل فعل يصدر مني امامهم.؟
تنحنحتُ مقترِبة من مكان جلُوسِهم، كنتُ أرتدِي بدلتي الرسمية فكما يقول أبِي" المظهَرُ قبل كل شيء"، من أنا لأجادِله.؟
قطعتُ حديثهم، او لنقل تمتمتهم لأنني لم استطع السماع لشيء مما يقولانه حتى بقربي ذاك، كأنهما يقولان أشياءً لا يجب على أحد سماعها، من سيهتَمُّ لكلام كهلَين كادت الحياةُ تفرغُ من وجهيهما.؟
"أبي، إنني أحتاجُ لمفاتِيح سيارتِي لأمرٍ عاجِل"
نظَرَ لِي مطولًا دون أن ينبِس بكلِمة، كان الرفضُ يُلوح لِي من بعيد بسبب نظراتِه المخيفة تلك، إلا أنه فاجئَنِي مُخرجًا إياه من جيبِ سترتِه ثم مدَّها لِي بملامِح مبهَمة.
أرجُو أن سبب سكوتِه هذا هو وجود هذه البِدائِية هنا، لأنه لو كان أمرًا آخر فسأكُون فِي ورطة.
أمسكتُ بالمفاتِيح أقبض عليهم بيدٍ بدأ العَرقُ بالتصبب فِيها، و لم أقطع تواصُل الأعيُن بيننا حتى فعَل هُو مؤديًا حركةً بيدِه لصرفِي عن نظره.
تحرَّكتُ من مكانِي سرِيعًا أقطَعُ الطريق الفَاصل بيني وبين باب المخرج، هذا المنزل يخنقني حقا، لولا وجود أمي فقط...
حين وصلتُ للمخرج وجدتُ صوفيا أمام الباب تنظُرُ لِي بوجه بشوش، ابتسمتُ لها ثم مررتُ من جانِبِها قبل أن تستوقفنِي قائِلة بنبرة جدية خلت من المرح المعتاد في صوتِها
"أخبرنِي السيِّد أن أنقُل لكِ رسالتَه"
انتظَرت موافقَتِي على نقل الرسالة فأومأتُ لها لتكمل حديثها، تنحنحت قليلا ثم قالت بنبرة آلية
"قال إنكِ إن تأخرتِ فتعلمِين ما هي العواقِب حينها"
اومأتُ لها بوجهٍ جامِد ثُم خرجتُ من المنزل، كيف علِم أنني أريد الخروج؟ فأنا أخبرتُه للتو برغبتي بالخروج وبدا وكأنه جاهِزٌ لذلك بسبب حديث صوفيا للتو، فلا يوجد فاصل بين باب المخرج و غرفة المعيشة ماعدى هذا الباب الذي دخلتُ منه، زفرتُ نفسًا حانِقًا أخرجِه من تفكِيري، ما دُمتُ قد خرجتُ من المنزل الآن فوجب عليه أن يُغادِر فِكري هو الآخر.
دخلتُ المِرآب أرى سيارة والدي بجانِب خاصتي، سيارتُه سوداءٌ بالكامِل، حتى الزجاج مظلل و أظُن أنه زجاج مقاوِم للرصاص.
لا أعلَم لِمَ قد يملِكُ مدِير شرِكةٍ للسيارات نوافِذ مضادة للرصاص... قد يكُون لغرض الحماية لو دخل فِي خطر في يومٍ ما، لستُ أعلَم.
تلفتت أطالِع خاصتي، ثم نفيتُ برأسِي فكرة هوجاء تسللت لي، دخلتُ و جلستُ خلف المقود أعتصِرهُ بيداي، ثم وبدون سابق إنذار عدتُ بسرعة إلى الخلف أغادِر المنزل بأكملِه، سيغلِقُ كيمي باب المرآب بعدي، لا مشكلة.
أسرعتُ في القيادة بأسرع ما يمكنني ذاهبة للسباقات، لم تمُر سوى عشرين دقيقة كنتُ فيها قد وصلتُ إليهم، وجدتُ سيرغي و كوزمُوس وتلك الحمراء يراقِبون شاشات ألواحِهم يراقبون ما يحصُل في المضمار الذي رسمَه المنظمون هذه المرة.
أمسكتُ بمقود السيارة بقوة أذكر نفسي.... عليكِ الآن بمحو هذه الملامح البائسة. وتقمص شخصيتك، إيميليا المبتهجة.
رسمتُ إبتسامة مثالِية على وجهي و جلستُ أراقب ملامِحِي في المرآة، آثار البكار لا زال جليا على وجهي، امسكتُ بمناديل مبللة وضتُها في الخلف تحسبًا لأي طارئ، مسحتُ وجهِي بإحداها مرارا ثم أعدتُ رسم الإبتسامة نفسها على وجهي قبل مغادرتِي للسيارة، قفزتُ في مكانِي بحماس حين اخذتُ لوحِي لأفتح على البث اقترب من الذين يفترضُ بهم أن يكونوا مجموعتِي..
السباقُ كان بَين زودياك و كارلُوس بينتي، خمسة دورات بسبب طول المسافة ، وانحدار الطرق و وعورتِها سبب صعوبة للمتسابِقين، لكنه لا شيء مقارنَةً بالأماكن الأخرى، كان مضمارا سهلًا لانه من التراب بالكامِل.
لنبسِّط الأمر.
السباقات التي نقوم بها تعتبر غير قانونية لأنها ليست من جهاتٍ مختصة، او قانونية، مجرد أشخاصٍ عشوائيين لديهم المال الكافِي لجلب كاميرات للمراقبة وبث الفيديو للناس، ومتسابقون يملكون سياراتٍ سريعةٍ ومثالِية، ولعلَّ أصعب مافِي الأمر أن المتسابق يُمنع عليه معرفة المضمار، او المسار الذس يسلكه، بل يوجَدُ أشخاصٌ يتحدثون معه خلال السباق لإعلامه بالطرق التي عليع سلكُها، وعلى الشخص الذي يخبرت أن يكُون من ضمن الفريق.
كيف لهذا الشخص أن يعلم؟ يُعطِي المنظِّمُون خريطةً لهذا الشخص ليراقِب بها تحركات المتسابقيت بمن فيهم المتسابق الذي من فريقه، ولكل متسابق نقطة بلونٍ خاص بفريقِه من خلالها يعلم مكان متسابقِه عن البقية.
أي أن كل فريقٍ عليه أن يُبنى بالثقة بين أفرادِه، فقد يخسر أحدهم بسبب الآخر عمدًا.
حين وصلتُ لمكانِهم وجدتُ كوزمُوس يرمُقُ تلك الحمراء بطريقة مبهمة بينما تضعُ هي كف يدها على كتف سيرغي، كان هو أول من شعَرَ بقدومِي فتبسَّمت ملامِحه على الفَور ثم اقتربَ منِّي حاشِرًا إياي فِي حُضنِه، شددتُ الحضن قبل ابتعادي عنه فضحك بمرح بينما يبعثِر شعرِي بفوضوية.
"أوه إيمي، اشتقتُ لكِ حقا،وأيضا ماهذه الهيئة؟ هل ستقومين بالقَيض علينا؟"
ارتفع طرفا شفتَيَّ بابتسامة عريضة أوجهها نحوه بينما ألقيتُ التحية على إلكترا و سيرغي باليَد لا أكثر... هو لا ينظُر إلي حتى.
"قد أفعَل ذلك حقًّا، من يدرِي.؟"
امسكتُ باللوح أتابِع مشاهدة السباق بينما التفَّت يدُ كوزموس ليجذبني بعناق جانِبي أخوي بعد إطلاقِه لضحكةٍ ساخِرة من حديثي السابِق فاتسعت الابتسامة على فورا، زيفار و كوزمُوس هُما دوائِي الأبدِي.
كان السباق فِي نهايتِه، و كما توقعت، فاز زودياك.
كارلُوس جديد فِي عالم السرعة من الأساس، أتى فِي العام السابق، صحيح أن لديه بعض الخبرة إلا أنه لن يتفوق على أيٍّ منا.
لا أدرِي لمَ كان يتسابقُ مع زودياك من الأساس.
كانت نهاية المسار الذي سلكاهُ على مقربة من مكان تجمعنا، يُمنَعُ على المشاهدين الاقتراب من نهاية المسار، لضمان سلامة الجمِيع.
سمعتُ صوت هدير سيارة زودياك فأغلقنا الواحنا تزامنا مع خروج النتائِج و وصول رفيقنا المزعوم لمكان التجمهُر ، خرجَ من سيارتِه مع هتافاتٍ من الجمع الكثير الذي كان يشاهِد السباق.
وبعده بقليل أتى كارلوس الذي نزل من سيارته واقترب من زودياك مصافِحًا إياه، اقتربنا اربعتُنا من مكانهما فضمَّ سيرغي زودياك لصدره صائِحًا بصخب
"كُنت رائِعًا يا رجُل"
همهم زودياك بينما يضرب بقبضة يده صدر صاحِبِه ، ثم صافح البقية وابتعد من مكان التجمهُر، بدا وكأنه يختنِقُ وهو بين كل هذا الجمع الغفِير
اقترَب كارلوس من مكانِي ثم ابتسَم بمرح.
"ايميلي، لمَ لم تحضُرِي لسباقكِ قبل قليل، أخِفتِ من خسارة مقعدِكِ.؟"
نظرتُ إليه بسخرية ثم وضعتُ يدي على كتفِه مربتةً عليه
"اوه عزيزي كارل، لا تقلَق فمكانِي محفُوظٌ دومًا ولا يخشَى الضياع، تأكَّد من الحفاظ على خاصتِك فحسب، اتفقنا.؟"
غمزتُ له فِي آخر حدِيثِي متوجهة لسيارتي ثم ارتكزتُ عليها بظهري انظُرُ للَّوح الإلكتروني الذي بيدِي انتظِرُ السباق القادِم ليبدأ.
كان بين سيرغِي و آليس، أرجو له الخسارة هذا الوغد.
________________
رسالة من شخصٍ مجهُول تحتل تفكِيري، ظننتُ في بداية الأمر أنه رقمٌ يخص زودياك، إذ أنه منذ حاصرني في ذاك الفصل بسبب المنشور الغبي ذاك وهو يراسلني من ارقام مختلفة، لإزعاجي بالطبع... لكن يبدو أنه ليس رقمًا يخُصُّه هذه المرة.
محتوى الرسالة؟
"سيسيليا آسترود، أتُريدين معرفة ما يخفِيه الجميع عنكِ.؟"
بقِيتُ فوق مكتبِي أطرُقُ بالقلم الرصاص على الطاوِلة بشكلٍ متكرِّر ، لا زلتُ محتارة هل أردُّ عليه أم اتجاهلُها فحسب.
اغلقتُ الهاتف متنهدة أترُكُها لوقتٍ آخر، صحيح ان الفضُول يكادُ ينهشُ ما تبقى من عقلِي إلا أنني ركزتُ على ما أمامِي.
لديَّ تدريبُ على التسلق بعد نصف ساعةٍ تقريبًا، راسلتُ ايريني وأخبرتنِي بأنها ستتغيبُ عنه لسببٍ أجهَلُه.
اريدُ مصالحة إيميليا، و والدتِي لم أرها منذ الصباح ، أظن أنها رحلةُ عمل... كالعادة، هي حتى لا تخبرني!
ما كل هذا الذي أصبح فوق رأسي في مدة لا تتجاوزُ اليومين.؟
زفرتُ نفسًا حانِقًا ثم ارتديتُ قميصًا و سروالا أسودا اللون مناسبًان للتسلق و سترة بلا أيدٍ، اقتربتُ من الدرج الذي يحمِل في احشائِه قطعة الشطرنج التي وضعتها فيه سلفًا، اخرجتُها وأخذتُ أتلمَّسها بيدِي، لا زلتّ أتسائلُ عمَّن وضَعَها فِي جيبِي يومها.
تركتُها أعيد وضعها في الدرج مغلقةً إياه بعناية ثم خرجتُ من المنزِل موصِدةً الباب خلفي، نقلتُ نظري إلى المرآب ثم اشحته عنه سريعا اخطو لخارج الحديقة.
أشعُر أن غبارا يملأه من الداخل،فبابه لم يُفتح مذ... حدث الحادِث.
قطَعَ تفكيري اهتزازُ الهاتِف في يدِي، فتحتُه لأرى من ذا الذي يقاطع خلوتي بكل هذه الجرأة... إنها إيميليا.
شغطتُ على الأيقونة التي تظهِر إسمها في الإشعارات فانتقلتُ للمحادثة بيننا مباشرةً.
"سيسيليا، متفرغة الآن.؟"
"نعم"
فاليذهب التدريب للسماء السابِعة فإن أخبرتُها أنني مشغولة الآن سيكون بمثابة الرفض وتتعقد الأمور بعدها و إيميليا أعزُّ صديقةٍ لدي لِذا خسارتُها ليست ضِمن خططي للخمسين عامًا الم أعوام الخمسين المقبِلة على الأقل.
"سألاقِيكِ عند المقهَى الذي بجانِب المكتَبة لا تتأخري."
لففتُ جسدِي للجهة المعاكِسة فورًا أتجهُ للمكتبة ليست بالبَعي ة دة فبإمكانِي الوُصُول إليها خلال عشرِ دقائِق، وضعتُ الهاتِف فِي جيب سترتي ثُم وضعتُ يداي في جيبي سِروالي أكمل طريقي مهروِلة كي أصِل بأسرع ما يمكنني
اقتربتُ من باب المطعم فنظرتُ إليه هنيهة ثم تقدمتُ أتشجعُ في الدخول إليه، أكره هذه التجمعات الكثيرة في المطاعم، اكرهُ الأنظار التي توجهُ نحوي فور دخُولي لإحداها.
دخلتُ مزيحة الباب عن طريقي ثُم جلتُ ببصري أنحاءَ هذة المكان المُكتظ بحثًا عن هيئتِها، لمحتُها من قرِيب إلا أن ملامحها كانت غريبة رلم تكُن تلك البَسمَة الواسعة ترافِقُ وجهها هذه المرة، ولا وجود لذلك الوهجُ الذي يلاحِقها أينما حلت، كانت شاردة في بقعة ما في الطاولة التي أمامَها ولم تلحظ دخولِي اساسا.
اسرعتُ الخُطى نحوَها حتى كِدتُ أتعثَّر إزاء قطعِ احد الهَمج لطريقي، وربما انا من قطعتُ طريقه.
وصلتُ لحيثُ تجلِسُ شاردة الذهن فجلستُ مقابلةً لها ثم طرقتُ على الطاولة ثلاث طرقات كانت أُولاها كفيلةً بإعادة عقلِها لمكانِه، عادت ملامِحها للمسترخية فور إبصارِها لِي وسرعان ما ابتسمت بوُسعٍ رامِية تعبها في مكانٍ ما في عقلها.
كيف أمكَنها التبدِيل في ملامِحها بهذه السرعة وطمسِ التعب والحُزن الذان كانا مستعمِرَين لراحتِها..؟
"أتيتِ"
"فعَلت"
نطقتُ فورًا أفترِس ملامِحها التي عادت للطبيعية بمهارةٍ مخيفة
"إيميليا، أكلُّ شيءٍ على ما يُرام؟ ملامِحكِ كانت متعبةً منذُ قلِيل، هل السَّيِّدة آندرسون على ما يُرام.؟ يمكنكِ إ-"
لم أكمل حديثي إثر مقاطعتِها لِي واضعة قطعةً من الخُبز بفمِي لإسكاتِي، كيف تجرأ.!
"كل شيء على ما يُرام سيليا، والدتِي بخير وأنا كذلك لذا لا داعِي لكل هذا القلق، ثم منذُ متى وأنتِ تجيدين حياكةَ كل هذا العدد من الأحرُف وإخراجها دفعةً واحِدة من ثغرِك.!"
نقطت أحرفها ضاحِكةً بسخرية فذة.
أزحتُ قطعة الخبز من فمِي أشيحُ بوجهي جانبا متجهمة الملمح، أتجِدُ قلقي عليها مضحكا لهذه الدرجة!
وسُرعان ما انقَشَع ذاكَ الجوُّ أعُود للنظر نحوها ثانِيةً بينما تُشير للنادل بالقُدوم، انا لم أجلِب معي دولارا واحدًا حتى.!
"الأكلُ على حِسابِي هذه المرة سيليا.!"
بدى كتحذير ظريف ولم أكُن لأغير رأيها إذ أن جيوبِي فارغة تمامًا، أشعُر أنني متسولة بهذا الشكل..!
"لم أجلِب مالِي من الأساس لذا لا بأس، إذن...أردتِ قول شيء.؟"
بقِيَت تناظِرني لفترة قصيرة ثُم وضعت كوع يدِها على الطاولة مسنِدةً رأسها بكف يدِها تطالعني
"كلا، شعرتُ أنكِ متضايِقةٌ منِّي صباحًا فحسب لِذا أردتُ مقابلتَكِ"
"هكذا إذن.. في الواقِع ظننتُ بكِ الأمر نفسه.."
همهمَت شاردة الذهن مرة أخرى، متأكدة أن بها شيئًا ما فإيميليا تكون أكثر نشاطًا في المعتاد... أفَعل والِدُها شيئًا ما مرة أخرى؟
"ايمي"
نقلت بصرها من الطاوِلة لوجهِي مباشرة ثُم أومأت لتسألنِ عما أرِيد، ترددتُ قليلًا إلا أنني تنهدتُ سامحة لما بعقلِي بالخُروج منه.
"أفعَل والِدُكِ شيئًا ما..؟"
قلتُها ببطئ أتذوق كل حرفٍ يُخرِجه لسانِي، أبصرتُها تغمِض عينيها مطولًا ثم أعادت فتحهما على وسعهما.
"كلا.. لم يفعَل شيئًا سيسيليا"
قالتها بنبرة هُجومِية... الأمر ليس مطمئِنًا حقًّا.
كنتُ سأقُول شيئًا لولا الإشعارُ الذي وصل لهاتِفِي ليهتزَّ فوق الطاوِلة مخرجًا صوتًا تنفِر منه الآذان، أمسكتُ بِه أرى من يراسلني، هل أحبني الجميعُ فجأة ليراسلوني جميعًا في يومٍ واحد أم ماذا.؟
فتحتُ الرمز وأنزلتُ أيقونة الإشعارات وإذ به نفسُ ذاك الرقم الغَرِيب
"ليسَ لدَي الوقتُ الكافِي لأنتظِركِ أيتها الأميرة، أجيبِي بالإيجاب او النفي بسرعة"
لعنتُ تحت أنفاسِي أرسِل كلمة نعم ردًّا على الرسالة الأولى،تركتُ الهاتف أغلِقه أعود ببصري لإيميليا التي كانت تنظُر لهاتفها هي الأخرى بينما تستوطِن نظرات باردة ابصِرها لأول مرة على وجهها.
رفعت رأسها لتحُك عيناها على خاصتِي فارتَفعت من مجلِسِها سرِيعًا تمسكُ بمفتاح سيارتِها
"علي الذهاب، أعتذِر سيليا، أراكِ في وقتٍ لاحق"
لم تنتظِر ردي بل أسرعت الخُطى للخارج فورًا بعد أن دفعت كأسا قهوة كنا قد شربناهما.
نهضتُ من مجلِسي أنا الأخرى منتشلة هاتفي الذي كانت رسالة من نفس ذاك المجهول قد وصلتني فيه، تجاهلتُها ملتعدة عن الطاولة التي اضطجعنا عليها قبل قليل أنا و ايميليا
خرجتُ من المطعم وأخذتُ أجول ابحثُ عن مكانٍ يحتوِيني، رأيتُ كرسيا في حديقة على مقربة مني فتهللت اساريري، هذ بالضبط ما أحتاجُه.! "
جلستُ على المقعد أريحُ ظهري عليه، الحياةُ جميلة من هذا المنظر... إمرأة تداعِب طفلها فِي منتصف الساحة، طفل صغير يبكِي بجانِب الأرجوحة بسبب سقوطِه منها للمرة التي لا تُعد، عائلة مُكونة من ثلاثة أفراد يُمسِكُون بقطع مثلجاتٍ يبرِّدون بها
أمسكتُ بالهاتِف أقلبه بين يداي ثم عزمتُ فتخ رسالة الغريب ذاك، أريد معرفة ما يريد مني، الفضول يكادُ يقتلني.
كانت رسالته كالتالي:
"أمُستعِدة لفتح صفحاتٍ من الماضي ، آسترود.؟"
كتبتُ كلمة أجل سريعًا و رأى الغريب الرسالة على الفَور، كان وكأنه ينتظِر ردي، ظهرت ثلاث نقاطٍ... يكتُب، بقيت فيالدردشة أطالع تحرك النقاط من أعلى لأسفل بتوتر... صفحاتُ الماضي.؟
أيقصد الحادث.؟
لا تو صفحةٌ سوداء في ماضيَّ سواه... جميعها رمادية.
وحسنا، يبدُو أن هذا الشخص على وشكِ كتابة جريدة كامِلة.
وصلت الرسالة.
"بخُصُوص الحادث الذي حدث قبل ثلاث سنوات، أنتِ لَم تتأكدي مما قالته لكِ كاثرين بخُصُوص سيارتِك صحيح.؟
من الواضح أنها أخبرتكِ عن أنهم لم يجِدوا شيئًا فِي السيارة لِذا قاموا لإعادتِها لكِ... سأوضِّحُ لكِ بعض الكذبات التي كان بإمكانكِ اكتشافُها بمجرد فتح باب المِرآب ذاك، إلا أنكِ لم تفعلِي على ما يبدُوا.
بَعد الحادِث كنتِ مغيبة الوعي لمدة اسبوعَين تقريبًا وحين استيقطتِي كنتِ في حالة هستيرية...خلال هذين الأسبُوعين حَضَر الشرطةُ وفتحت القضية على أنها حادثٌ مفتعَل بسبب وجودِ تخريب متعمد لإحدى قطع السيارة،تحديدا المحكابِح.
وأغلِقت القضية بعدها بسرعة متحججين بقلة الأدِلة."
ارتجَفَت يدايَ فور قراءتِي للجملة الأولى مرورًا بكم الأحرُف الذي كان كل حرفٍ أقرأُه بعقلِي يزيد من ارتجافة جسدي بأكمله.
مالذي يعنِيه بأن هذا كان حادثا متعمدا؟
أمي اخبرتني أنهم دفنوا والِدِي يومَها وأغلقت القضية تمامًا.
ثم إنني كنتُ قد عدتُ من السباق بعدها فورًا، لم يلمس أحدٌ سيارتي على حد علمِي...
لا بُد أنه مجرد شخصٍ كاذِب.. أجل هو كذلك على الأرجح.
لكن أنى لهُ بمعرفة حتى مدة غيابي عن الوعي.؟
أشك أنه شخصٌ قريب مني او من والدتي ويرغب بالعبث معي.
لكن... ماذا لو كان محقا.؟ لو أن والظتي كذبت علي حقًًا لإخفاء هذا الأمر عني.؟ لكن مالذي ستستفيده بإخفائها إياه.؟
رائع... رسالةٌ واحِدة زعزعت ثقتِي بها.
شعرتُ بالنسيم يداعب خصلات شعرِي فتطاير حولِي بفوضوية...نقرتُ بأناملي على الهاتف أرسل رسالة مكونة من كلمتين لا أكثر لهذا المجهول
"من تكُون.؟"
مرت دقيقةٌ لم يبصِر فِيها رسالتِي فأغلقتُ الهاتِف أضعه بجيبي و وقفتُ سامحة للهواء بمداعبَة شعري بحرية، اغمضتُ عيناي بعد تحسن مزاجي قليلا بسبب النسمة الباردة التي تسللت لصدري.
مشيتُ قليلا ثم بدأتُ بالجري، لم أقم بأي رياضة لليوم وأشعر بخدر في رجلاي بالفعل ، أسرعتُ في الجري ألهثُ مستمتعة... هذا ممتع بحق.
وصلتُ للمنزِل ولم أأخُذ إستراحة قبل وصولِي، ركزتُ كفاي على ركبتاي لاهِثة امام البوابة بينما ألهث بأنفاس متسارعة.
بقيت على هذه الوضعية هنيهةً ثُم رفعتُ جذعِي اكطلع الباب أمامي، والدتي داىما ما توقف سيارتها هنا.. امام الباب، لكنها لم تكن موجودة وهذا يعني انها غائبة عن المنزل.
دفعتُ الباب ودخلتُ للمنزل، اندفعت رائحة التوليب لأنفي سريعًا فقطفتُ إحداها أديرها في اصابِعي، نظرتُ نحو باب المِرآب... لا يمكنني فتحه حتى..
اخرجتُ فكرة فتحه والتحقق مما يقوله ذاك المحهول من رأسي انتظر عودة أمي، يمكنني سؤالها حينها وسأحكم على صدق هذا الغريب من اجابتها.
دخلتُ المطبخ و اتجهتُ ناحِية الدىج الذي في الألى أخرج حبة دواءٍ لأتغلب على هذا الصداع الذي يلعب على اعصابِي.
أكلتُها متجاهلة شرب الماء ثم توجهتُ ناحية غرفتِي، علي الدراسة حقا، هذا الأسبوع مر وأنا مهملة لدراستي بشكل لا يصدق.
جلستُ خلف الطاولة أطالع الحاسوب المفتوح على عدد من المعادلات، امسكتُ بقلمي الرصاص و ورقة بيضاء ثم شرعتُ في حلها كنوعٍ من المتعة المفِيدة للعقل.
____________
أبصرتُ سيسيليا وهي تمسكُ بهاتفها حين صدر منه اهتزازٌ ما، بعدها بقليل أصدر هاتفي صوت إشعار هو الآخر، أمسكتُه لأجِد رسالة مِن كيمي، البواب الشاب الذي يتحمل سخط والدي يوميا، اشفق عليه.
"ايميليا، إن والدكِ غاضِبٌ و نحنُ نجهل سبب غضبه هذا، أبصرتهُ صوفيا وهو متجه لغرفة والدتكِ لذا أسرعِي قبل أن يتهور هذه المرة.!"
صككتُ أسناني حتى اصدرت صوتًا مزعجا إثر احتكاكُها ببعضها البعض، قبضتُ على حقيبتي اعتءر لسيسيليا مسرعة للخارج بعد دفعي المال للنادل الذي خرج بوجهي.
هرولتُ ناحية السيارة فاتحة إياها ثم رميتُ حقيبتي بانزعاج في كرسي الراكب أدير عجلات السيارة لتصدر صوتا في الاسفلت الناعم، أسرعتُ نحو المنزل ولحسن الحظ كان قريبا، ثلاث دقائق حتى وصلتُ، ترجلتُ من السيارة بعد ان ركنتها امام المنزل متجاهلة وضعها فِي المرآب، مررا بجانب كيمي الذي اشار لي بالسرعة أكثر فرميتُ ناحيته المفتاح ليضع السيارة في المرآب و تحرك حينها بالفعل لفعل ما أمرتُه به.
أقسم أنه إن لمس شعرة منها سيندم، هذا الكهل الحقير.
دخلتُ المنزل مقتحمةً إياه فلم أبصره امامي، أسرعتُ ناحية الطابق الثاني حيثُ ترقُدُ والدتِي، اقتحمتُ الغُرفة فَرأيتُه واقفًا فوق رأسها والشرر يتطاير من عينيه.
"أمي، أبي... مالذي يحدُثُ هنا.؟"
جذبتُ انتباهه بحديثي ليُدير زاوية نظره لتستقر صقريتاه علَي، لِمَ عليه أن يكُون مخِيفًا هكذا.؟
اقتربتُ من مكان وقوفِه أنظُرُ لوالدتي التي تنظُر إلي بوهن... هي ضعيفة مع هذا المَرض الذي يزدادُ تأثيره كل مرة.
يبدو انه لم يلمس شعرة منها لحسن الحظ، نظرتُ إليه لأجِده ينظر إلي مكتفًل يديع امام صدره ولم ينطق ببنت شفة.
واحد
إثنان
ثلا-
"أين كنتِ؟ ألم أحذركِ أيتها الفاجِرة من التأخر قبل قلِيل؟"
"اعتذر على تأخري، كنتُ أطمئِ-"
قاطعني بنبرة خالية من اللطف طبعا.
"وما شأنِي، أخبرتُكِ أن لكل فعلٍ طائِش تفعلينه عِقاب، ويبدو أنكِ لم تتعلمي من المرة الفارطة لِذا علي تأديبُكِ أكثر، همم.؟"
همهم فِي آخر حديثه ملجمًا إياي... المزِيد من الألم،و عقابٌ آخر.
ألن يكتفِي بفعلتِه هذه؟ ألم يملّ بعد؟
"أنا حقا أعتذِ-"
"توقفي عن نطق هذه الكلمة المثيرة للإشمئزاز.!، أخبرتُكِ مرارا بإخراجها من فمِك، بِماذا سيفيدني هذا الإعتذار البالي؟ إن سمعتها تخرجُ من فمك مرة أخرى فسيكون العقاب أضعافا مضاعفة حينها ايميليا آندرسون، أتدركين ما أقول.؟"
"نعم أبي"
كل ما أجيده هو الطاعة... فعل طائِش يساوي المزيد من العقاب، وظهرِي قد اكتفَى من تذوقه لطعم السياط حقا.
"اتبعيني"
نطق مغادِرًا الغرفة التي دنسها بحضُوره وأغلق كل منافذ دخول الهواء النقي بوجوده فيها.
القيتُ نظرة على والدتِي التي كانت تطالعني بقلة حيلة، لا شيء لتفعله اساسا فهي على علمٍ ببطشه و بحالتها هذه لو تدخلت سيكون لها جزءٌ من العقاب هي الأخرى.
تبعتُ والدِي الذي دخل لمكتبِه... هذا المكتب المروِّع.
كانت اطرافِي ترتجف، يداي لم تكفا عن الرجيف منذُ رأيتُ ىسالة كيمي... والآن.!
مع تعبي لهذا اليوم، سأفقد الوعي حتمًا.
لحِقت به.
دخلتُ المكتب.
اغلقتُ الباب بعد اشارة منه..
يداي ترتحفان، اخفيتهما خلف ظهري، اي علامة للخوف هي استسلام واعتراف بالضعف، وفي قاموس ابي لا وحود لهذين المصطلحين... اطلاقا.
بل يُعاقب المرءُ على الشعور بهما... يعاقب المرءُ على شعور لا يمتلك طريقة للتحكم فيه.
أعاقَبُ لأنني أمتلك شعورا كالبشر.!
يريدني أن أكون آلة تخدم مصالحه الخاصة فحسب.... لكنني لن أصبح ما يريد مهما كانت الاساليب التي يتَّبعها، انا أنشئُ وأبنِي ذاتِي... لا هُو.
ضحكتُ داخليا حين جلَسَ خلف مكتبِه موليا إياي ظهره،إذا لا وُجود للسِّياط هذه المرة.. لحسن الحظ.
فجأة، دوى صوتُ ضربِه للمكتب بعد التفاتِه ناحيتي.. هو غاضب، مِمَّ؟ لستُ أعلم ولكنني هنا للتنفيس عن غضبه.
إما أن أصبِح كيسًا للملاكمة ، او قمامةً لجمع أمراضه النفسية، لا فرق كبير بينهما في الواقع، كلاهمَا مؤلِم فِي موضعٍ ما.
"إذن... أين كنتِ إيميليا كارل آندرسون.؟"
السؤال المعتاد، ألا يفترضُ بِه أن يقول
"ابنتي ايميليا، هل أنتِ بخير.؟ هل تأذيتِ؟"
ثم يحشرني في صدره كما كان يفعل السيد آسترود حين تتأخر سيسيليا..؟
أم لأنني إيميليا فلا يحِق لي الشعور بخوف أحدهم علي.؟
"كنتُ عند سيسيليا"
نبرةٌ جامدة، ممتاز.
"كنتِ عند سيسيليا ما يقارب... ثلاث ساعات كاملة؟ مالذي تفعلينه عندها كل هذا الوقت.؟"
"لدينا مشروعٌ مشترك"
"مشروعٌ مشترك.. أجل أجل... أكادُ اصدقكِ"
صمت هُنيهةً حتى ظننتُ أنه أكمل تحقيقهُ هذا، أشعر أنني داخل مكتب تحقيق للشرطة... مخزٍ.
"على كل عقابًا لكِ على عصيان أوامِري، لا جامعة لك و لا سيارة لمدة اسبوع، ستبقين بغرفتكِ التعيسة تلك حتى اسمحَ لكِ بالخُروج... وإن لمحتُ طيفكِ خارجهَا دون إذنٍ مسبقٍ مني لن تكُوني لا أنتِ و لا تلكَ الفاجِرة بِخير، اتفقهين ما أقول عزيزتي إيميليا..؟"
"أفهم، أمي ليست بفاجِرة"
"لستُ أناقشُكِ حيال هذا.!"
ضربَ الطاولة بكف يده ضربةً قوية فارتفَعَ قلبِي ثم انخفض رهبة، شددتُ قبضة يدي بالأخرى
"المفتاح، ثم اغربي عن وجهِي قبل أن أحطمهُ لكِ"
اشارَ للمكتب أمامه فاخذتُ المفتاخ اضعها عليه ثُم خرجت... تاركة نصفِيَ الآخر بذاك المكتب الخانِق.
كيف سأخرجُ من هذا المأزِق الآن.؟
هذا مُتعب... متعبٌ بحق.
أتسائل، لو كنتُ ثد ولدتُ بعائِلة أخرى، أسيحدث لي شيءٌ كهذا.؟ اكان سيحدُث سواءً كان هذا الكهل هو والدي أم شخصٌ آخر؟
ها لا يهم، فأنا هنا على كل حال.
اقربتُ من باب غرفتِي افتحه ثم دخلتُ إليها معلقة الباب بعدي، مالمُثير حقا في هذه الغرفة لأجلس فيها أسبوعا.؟
_______________
إنها المعادلة الخامِسة عشر.
تنهدتُ واضعةً رأسِي فوق الطاوِلة، أحاوِلُ التركيز منذ مدة فيما أمامي إلا أن حديث ذاك الرقم المجهول لازال يطوف في ذهني يأبى المغادرة، أهُو على حق أم أنه مجرد كاذب؟
هل والدتي كانت تقول الحقيقة فعلا؟
أيهما الكاذب؟
أمي... أم المجهول.؟
يبدُو الأمرُ غريبًا لكن...كيف نجوتُ بينما مات والِدي.؟
وأنا من كنتُ أقود... ألا يُفترضُ أن يعود الضرر علي بشكل أكبر حينها..؟
أصدر اللوحُ الإلكتروني الذي ضبطته على ساعتين ونصف لحل المعادلات رنينًا لإنتهاء المهلة المحددة... لم أكمل حلها حتى الآن.
تنهدتُ رافعة رأسي من على الطاولة ثم أمسكتُ بهاتفي اقوم بتشغيله، فور فتحي له توالت الإشعارات واحدة تلو الأخرَى.
رسالة من أمي، والقليلُ من ايميليا و.. المجهول!
ضغطتُ على الإشعار أنتقل للمحادثة فورًا أرى ما كتَبَ لِي ، أرسَل ايموجي واحد لعين!
إعجاب؟
مالذي أعجبكَ فِي سؤالِي حتى؟
خرجتُ من المحادثة أدخل لخاصة والدتي و
كما توقعت فقد قالت انها في رحلة لإحدى أفرع شركتها تلك.
تنهدتُ مغلِقة الهاتِف بسخط... أريدُ إيميليا، أريد أمي.
لا أريد البقاء لوحدي، أخاف أن تعود إحدى نوباتِي ولا يكون أحد في الجواء، اعتدتُ على أن استيقظ بعد الاغماء وانا على سريري و والدتي تقف فوق رأسِي.
استقمتُ أرمي بنفسِي على السرير استعد للنوم، فاليذهب كل هذا _الجامعة، الغريب، غياب والدتي_ لمكانٍ آخر، أرغبُ بالنون فقط الآن.
أتسائل مالذي تفعلهُ آمبرا الآن،لا ألم حقا متى آخر مرة قمتُ فيها بالاتصال بها.
وداعا للنوم، وقفتُ افتحُ حاسوبِي ابحثُ عن رقم أختي و.. اتصال فيديو، اشتقتُ للشقية القبيحة التي تشبه والدها السارق.
ذاك الرجل المقيت
انتظرتُ لبضعِ ثوانٍ ثم رُفع الخط لتظهرَ أمامِي طفلة بعمر السادسة تصرُخُ بحماسٍ تنادي والدتها فتاة بشعر أشقَر بدرجاتٍ متفاوتة من الأعلى للأسفل حيثُ يكون أقرب للبرتقالي في الأسفل ،هذه أوريليا الصغيرة التي أرغبُ بضربها و حشرها في الحائط لشدة لطافتِها.
"أمي انظري إنها خالة سيليا، مرحبا خالتي"
قالت الأولى لوالدتها ثم استدارت ناحيتي تلوح بيدها اليُمنى بحماس.
"أهلا بأوري خاصتي، كيف حالُكِ؟"
"انا بخير بخير، وأنتِ!!"
تبدُو وكأنها على وشك القفز من مكانها من شدة الحماس الذي يعترِيها، ابتسمتُ واضعةً يدي على خذي أكمِل المحادثة.
بعد مدة أغلقتُ الخط وارتميتُ على السرير أعود للنوم.
____________
يومان قد مرَّا... إيميليا غائِبة عن الجامعة ولم أسمع كلمة منها منذ راسلتني يومها بعد عودتنا من المطعم معتذرة عن خرو ها المفاجئ.
الفَتَيَان الآخران لَم ألمح طيفًا لهما كذلِك، كأن الجميع تبخر فِي آنٍ واحد، لكن بغيابِهما اتخذتُ تذرًا لإيميليا فلعلها معهما.
لَم أرى غير كوزموس.
والدتِي عادت البارحة... وأنا أكملتُ درسَ التسلق للتو... أشعُر برغبتي في النوم بالرغم من أنني كنتُ أنامُ هذه الفترة كلما سنحت لِي الفُرصة.
ودعتُ ايريني ثُم اتخذتُ من المنزِل وجهةً لِي، مشيتُ على قدمَي فتلك المركبات تسبب أزمة قلقٍ لِي ولستُ مستعدة لركوب أحداها
وصلتُ للمنزِل فرأيتُ سيارة والدتِي الواقفة أمامَه بهيمنة.
ابتعدتُ عنها قلِيلًا أثناء مرورِي بجانِبِها وصولا للباب الخارجي للمنزلرفتحته لتظهر لِي زهور التوليب ورائحتها التي اخترقت حواسي على الفور
اغلقتُ الباب خلفِي متوجهة للآخر فاتحةً إياه على عجَل،سقطت انظاري على والدتي التي تتخِذُ الأريكة مجلِسًا لها.
"أهلًا بعودتكِ، كيف سار التدريب.؟"
نطقت بصوتٍ ناعِس بينما كان جفنيها يحاربان لالتقاف بعض الراحة.
"على خير ما يُرام،ثم... اذهبي للنوم أمي لِم تجلسين هنا بينما تبدين وكأنك على وشكِ النوم بينما أحادثك؟"
"لستُ بنعِسة"
استقامت فورًا ثم ذهبت جهة الحمام ففكرتُ بأنها ذاهبة لمسح وجهها و طردِ آثاؤ النعاس التي تزينه، وبالفِعل فقد تركرت الباب مفتُوحًا ثم سمِعت صوت الصنبور في الداخِل.
قدتُ خُطُواتِيي ناحِية الأريكة بغية الجُلوس فيها إلا أنني توقفتُ فجأة..
هذه هي الفرصة المناسبة لفهح الموضوع معهَا... ماذا لو كان الشخصُ الغريب بمجرد كاذِب بينما أنا هُنا اكابِد لإخراج حروفه من عقلِي.؟
لكن عليَّ أولًا فتحُ ذلك الباب قبل حديثي معها... فهُو لم يفتح منذ ثلاث سنين.!
خرجتُ من الباب الذي تكرتُه موارِبًا قبل قلِيل مرُورًا بمكان زرع التُّولييب الكثِير ثُم وقفتُ امام ذاكَ الباب الكبِير... الضخم.
وبمجرد وقوفِي أمامَه أحسستُ بارتعاشة تسري على طول عمودي الفِقري، يداي ببدأتا في الإرتجاف...
قبضتُ عليهما بقوة لمدة دقِيقة تقرِيبا ثُم رفعتُ يدِي للزِّر القابِع هناك، على يمِين الباب.
وفَور مُثول يدِي أمامَ الزِّر زادت ارتعاشة سبابتِي لأزيد القَبض على يدِي... أنتِ مثِيرة للشفقة سيسيليا آسترود!
مجرد بابٍ قام بهزمكِ لمدة ثلاث سنِين..؟
تشجَّعت..
استقَامت سبَّابَتِي ثُم...
ضَعطَة.
صوتٌ مرتفِع يصحبُه صرِيرُ الباب المعدنِي الكبِير.
ظَهر الرُّبع..
والنصف
ثم الثلُث
و...
لا شيء.!
_______________
بـعد يـَومٍ - فِي غُرفةٍ مظلِمة.
مَاهو تاريخُ اليوم؟
كم الساعة؟
أراقِب السَّقف بضياع... بلا وجهة.
لا شيءَ مُثِير حيالَ حياتِي...انا مستلقية على هذة السرير الفاخِر تحتِي من الحرِير ما يكفِي لدفع إيجار شقة لشهرَين.
لكِن مالفائِدة؟ أنا لا ألم حتى سبب جلوسي هنا.
كم يوم مر منذُ قتم والِدي بعقابي؟ لستُ أدري... ولا أريد المعرفة فِي الواقع.
حين تنتهي مهلته السخيفة تلك سيأتي لإخراجي...فهو سجَّانِي.
اخرجني اهتزاز الهاتف الذي بجانبِي من افكاري اللا متناهية مما جعلني أغمض عيناي لبرهة قابضة على ملائة السرير بقوة... ثم أمسكتُ بالهاتف اقوم بفتحه لتلوح لِي رسالة نن سيسيليا فِي الأفق.
ضغطتُ عليها و...
ما...
مالذي.؟
سيسيليا تمزح صحيح.؟
🧣.
كَلِمة أخِيرة.؟
دُمتُم عالـمِي الذِي تنقَشِعُ فِيه الغُربة فتضحَى وهجًا وضَّاءً.
أنيرُونِِـي بوهجِكُم 🧣.