مريضة على الفِراش

مريضة على الفِراش

18 0

مُبهَم... كل ما حَولِي مُبهم فلا أدرِي أين أنا مِن كلِّ هذا؟

الغُربَة تقتُلُنِي... تُفتِّتُني... تنهَشُ ما تبقَّى من عقلِي.

غُربة ذات الإنسان عنهُ أصعَب مِن كل ما قد يقاسِيه..

يا أنَا... أين أنتِ؟ ما يدُلُّنِي عليكِ؟

فراغٌ قاتِلٌ نصَّبَ نفسَهُ حاڪِمًا على ذاتِي

بُؤس... هي الكلِمة التِي تصِفُ ما أنا فِيه، فجهلِي بنفسِي وماهِيَّتِها وما أريدُ في كل مرة أصبَح يشغَلُ كل فِكرِي..

كلَّما ظننتُ أنني أفقَهُ بذاتِي... أجِدُنِي فِي طريق مسدُود لا نُور فِي آخره بل مجرد ظلام يمتد إلى مالا نِهاية.

___________

"أنا بخير يا أمي، أقسِمُ لكِ!"

قلتُ بنفاذِ صبرٍ أوجه كلامي لتلك الشاخصة أمامي،تبدو كجبل يرفض السقوط، كانت مصرة على عدم ذهابِي للمدرسة اليوم بينما أصررت انا على الذهاب

"يالكِ من عنيدة، أقسِمُ أنني إن سمعتُ بذهابكِ لتدريب التسلق اليوم فسوف أقوم بحجزِك لمدة لا تقل عن الاسبوع! اتفقهين ما اقول ايتها العاقة.؟"

اومأتُ سريعا اتجاهَلُ كلمتها الأخيرة، ليست وكأنها مخطئة على كل حال، توجهتُ للأعلى اسلك طريق غرفتي لأخرج المفتاح من جيب بنطالي المنزلي احشره في فتحة الباب حتى سمعتُ تكة تدل على فتحه، دلفتُ للداخل اغلق الباب بعدي ببطئ القي نظرة ناحية الغرفة، قامت والدتي بترتيبها البارِحة.... طبعا بعد كمٍّ لا بأس به من الصراخ والعتاب.

نظرتُ للطاولة التي يقبعُ فوقها الحاسُوب وكان مفتوحا على المشروع الذي لم انتهي منه بعد، بقيت لي صفحتان لا أكثر، بإمكانِي إكمالهما قبل بداية المحاضرة الأولى، القيتُ نظرة خاطفة للساعة المعلقة على الجدار، انها الثامنة ولدي محاضرة حول التفاضل بعد ساعتين.

شمرتُ على يداي اجذب الكرسي ناحيتي لأجلس عليه، امسكتُ بالطتاب الءي كان كوزموس قد جلبه بالأمس بعد تأخري عن الموعد، ولحسن الحظ لم يسأل كثيرًا عن سبب حضورِي، وبطبيعة الحَال كانت والدتي في الجوار حين أتَر لذا لم يُطل البقاء، لأنها تُكن عداوة خاصة لأصدقائي القُدامى.

مضت حوالَي ساعة ونصف حين انتهيتُ من الكتابة... اشعُر بخدر عظيم في جميع اعضاء جسدي.!

مددتُ ذراعاي لأعلَى حتى يمُر الخمُول الذي احتل جسدي ثم--صرخَة عالية خرجت من فمِي ثم شعرتُ ببعض الارتياح

شعرتُ بالراحة فورا.. إلا أنها لم تكتمِل إذ دوى صوت طرق الباب عاليًا بينما وصلني صوت والدتي

"هل انتِ بخير.. سيسيليا.!"

قالت بنبرة خوفٍ جلية في صوتها ثم نادت علي بصوت عال.!

رائِع، لن أعيش يوما هادئا ما حييت

"بخير يا امي... بخير.!"

ندهتُ عليها بنفاذ صبر بينما امرر يدي في شعري المنكوش انظر لذاتي امام المرآة، احتاجُ لبرنامج عناية بالبشرة حقا فأنا أبدُو كممثلات الأشباح في افلام الرعب المبتذلة تلك.

استمعتُ لوقع خطوات امي وهي تبتعد عن الباب وصولا للدرج حتى اختفى الصوت، بقِي على وقت ذهابي ساعة واحدة لا أكثر.. علي الانتهاء فيها من كل ما افعله، دلفتُ للحمام استحم بسرعة ثم غادرته مرتدية ملابِسِي، سروال أسود فضفاض مع بلوزة بذات اللون طُبِع عليه رمزٌ صغير أعلى الصدر.

امسكتُ بحقيبة بيضاء صغيرة وضعتُ بها قلمًا و القُرص الذي حشرتُ فيه مشروعي، لحسن الحظ انني لستُ مشاركة فيه مع احد.

ارتديتُ بوتَين أبيضين كذلك ثم اخذتُ مفاتيحي المعلقة وغادرتُ المنزل، القيت نظرة للساعة على رسغي، بقيت عشرون دقيقة، إذا يمكنني الوصول راجلة إذا أسرعتُ قليلا.

كنتُ قد وصلتُ للبوابة فِي آخر دقيقة بالفِعل، فأبطأتُ فِي مشيِقلِيلًا بينما ألتقِطُ أنفاسِي، لمحتُ قرب باب القاعَة التي يفترضُ أنني سأدرُسُ فِيها وقُوف إيميليا مع فتاةٍ صهباء على حسب ظنِّي فهِي متسابِقة كذلك.

تجاهلتُ ذا الأمر مسرِعة لمقعدِي... الثالث في الصف الأول، كالمعتاد، أكرهُ أن أكون في المقدمة فتصبح أنظارُ الأستاذ مصوبة نحوي انا فحسب، واكره اكثر كوني في المؤخرة... بجانِب الحمقى

جلستُ فِي مقعدِي و وضعتُ رأسِي على حجري بعد ان ضبطتُ الساعة في هاتفي و تركتُه أمامِي، كان العد من ثلاث دقائق نزلا للصِّفر، عدد الدقائِق الذي سأكُ ن فيها ساكِنة دون حركة قبل بداية الشرح كي أُحسِن التركيز، علي أن أمحُو كل ما أفكِّر فيه من عقلي.

مرت الثلاث دقائِق فرن المنبه لذا ضغطتُ على تجاوُز حاشرة الهاتف في حقيبتِي مرة أخرى، كانت ايميليا قد جلسو بجانبي بالفعل و بجانبها تلك الصهباء، وعلى غير العادة بدت ايميليا منغمسة في نقاشها معها حتى انها لم تنتبه لي سواءً في المرة الفاىطة حين مررتُ بجانبها او الآن... كيف جلست بجانبيدون ان تنظر إلي اساسا.!

رمقتُ تلك التي تشغلها بنظرة جانبية ثم أزحتُ عيناي عنها ونقلتُ نظري للأستاذ الذي دخل للقاعة توا... نظرتُ للخلف دون إرادة مني فوجدتُ مجلِسهم فارغ...

كلا، لا تهتمِّي، أنتِ لا تهتمين

أنتِ لا تهتمين!

أنتِ لا تهتمين.!

أنتِ لا تهتمين.!

سحقا، ليس لدي مزاجٌ يسمحُ لِي بالدراسة حقا.!

أشعُرُ وكأن هنالك خدرٌ يجرِي في جميع اعضاء جسدي

"قومو برمي جميع ما تفكرون فيه خلف ظهوركُم واستمتعُوا بالحِصة... سنتبع النمط المعتاد فِي حصصنا الأسبوعية، ليخرج كل منكم قلما و ورقة ليبدأ بتدوين الملاحظات. "

قال الأستاذ مالدو بصوت رزين هادئ لينسابَ في أنحاء القاعة بفعل الميكروفون القريب من فمِه، وبدأت القاعة تهدأ تدريجيا حتى ساد الهدوء الأرجاء

"ممتاز، الآن سنواصِلُ موضوعَنا السابِق، من برأيِكُم فكَّر أولًا ب-"

لم يُنهِ حدِيثَه إثر اندلاع عاصفة عند لباب... علمتُ فورًا أنهم زودياك وفرؤقه، الهَمجُ يسرِي بعُروقهم، وأكاد أجزم أن سيرغي من قام بفتح الباب فلا أحد سيفعل هذا سِواه

أمسكتُ برأسِي بين يداي مخفضة إياه أنظُر لسطح الطاولة كأنها أكثر شيء مثير للإهتمام على الإطلاق، شعرتُ بتحرك التي بجانبِي عرضا ثم امالت رأسها ناحيتي لثانية واعادتها في الثانية المُوالِية

إقشعر بدنِي إثر النفس الساخِر الذي خرجَ من فوقِ رأسِي... كان خلفِي، في الطاوِلة التي طان من المفترض أن فتاة ترتدي نظارات دائرية كانت تجلِس عليها قبل قليل.

ولعظِيم ما يحدُث، أن السيد مالدو لم يعلق بل اكتفى بابتسامة هادئة وإمائة بالرأس بادله إياها الفتيان الثلاث، أشكُّ بأنه يحترمهم او يخاف منهم، الموضوع أن كوزموس كان معهم وهو ببساطة محبوب الاساتذة هنا... كيف لا يكُون وهو الأول على مستوى الجامعة.؟

ضرب الطاولة بالحقيبة التي بين يديه لتصدر صوتًا عاليا بعض الشيء فزدت الشد على رأسِي إء بدأ صداعٌ غريب يجتاحُه

"بلطجِي"

تمتمتِ بها تحت أنفاسِي ولكن يبدو انه سمعنِي بسبب الإصبع الذي لمس أعلى رأسِي من الخلف دافعا إياه ناحية الطاولة أكثر... هذا الطفل لن يتوقف عن إزعاجي ما حييت.

تنهدتُ رافعة رأسي للسيد مالدو الءي بدأ بمحضارتِه محاولة نسيان انه يقبع خلفِي وأن انفاسَه تكادُ تصل لعنقي، و التركيز على الدرس قدر الإمكان... عليكم تقدير ذلك بالطبع.!

وهو لم يقصر إذ كان يمارس كل انواع الإزعاج لي على الإطلاق، تارة يلكزني بطرف قلمه على ظهري، وتارة يضرب كرسيي برجلِه وتارة أخرى يشد شعرة من خصلاتي.!

لقد طفح الكيل، سأستغل حب الأستاذ مالدو لي ويقوم بتبديل مقعده فلن استطيع التركيز في الدرس ما دام يشتتني بهذا الشكل

رفعتُ ذراعِي قلِيلا إلا أنه استوقفني في منتصف الطريق ممسكا بيدي وأنرلها للأسفل بخفة... متى استبحتُ له لمسِي هذا الوغد؟

أبعدتِ يده عن خاصتِي بعِدائِية ثُم استدرتُ نحوَه بأعين تحمِل شرار الغضب والحِقد، وكُلُّ ما فعله حين رأى ذلِك أنه ابتَسَم بأعيُنٍ ناعِسة، إن كان نعِسًا لِمَ عليه إزعاجِي؟ فالينَم فحسب.!

لم أنطُق بحرفٍ ولم يفعَل هو، بل استل هاتِفه بينما ينظُر إلي بنفس ااإبتسامة وقام بفتحِه ثم نقل بصره ناحِيته وكتب شيئًا ما، وسرعان ما سمِعتُ صوت إشعارٍ وصَل لهاتِفي... ألم أقُم بحظرِه.؟

لففتُ راسِي مولية إياه ظهري ثانية وإذ برأس القلم يعود لينكر اياه... سأصرخُ هذه المرة إن لم يتوقف.

أمسكتُ بحقِيبتِي وقمتُ بإخراج الهاتِف لأتحرى ايا كان ما أرسله ذا الأحمق خلفي... وأقوم بحظره هذه المرة

"لا تُحاوِلِي حتَّى، لدي طرُقِي لإزعاجكِ ولو أبعدتِنِي عنكِ لمئات الأميال"

فور إنهائِي لقراءة مافي الرسالة انتشر الاشمئزاز على وجهي، اهو غِراء من نوع ما.؟

ضغطتُ على الزر الأحمَر الذي كتب عليه بخط عريض"حظر" و أغلقتُ الهاتف، وفي لحظة خاطفة مددت يدي لخلف ظهري ممسكة بذاك القلم الذي كان يدور بشكل دوائر فوق شعري المنسدل عليه، سحبتُه من يده بسرعة قبل أن يشدد الامساك بِه، علي الحديث إليه بجدية دون لف ودوران، ان لم يكُف عن حركات الأطفال هذِه سأجعلُهُ يتوقَّف بطريقتي

سمعتُ صوت ضحكة خافِتة غادر ثغره فتشكلت قبضةٌ بيدي دون أن أشعُر... توقف

اشعُرُ بالاختناق إن استمر الوضع على هذا الحال سأنهار، انا بالكاد يمكنني النظر لهم دون الشعور بالذنب، بينما هو يمضي اسعد ايامه هنا يتمتع باستفزازي..

رفعتُ كف يدي التي تحمل القلم مشيرة للسيد مالدو

"سيدي... أيمكنني الخروج.؟"

ولحسن الحظ لم يكُن متشددا، حتى انه لم يسأل عن سبب مغادرتي، قام بالإماء برأسه كعلامة للرضى فحسب فاستقَمتُ من مجلِسي مغادرة، لم ألقِ نظرة ناحية ايميليا كما لم تفعل هي الأخرى.

شعرتُ بوخزٍ طفِيف فِي قلبِي حين رأيتُها ترسم ابتسامة واسعة لتلك الصهباء بينما تتجاهلني بالكامل، احكمتُ قبضة يدِي ثم رفعتُ رأسِي عاليا

لا بأس، نحنُ بخير

دائِما ما أخسَرُ أشخاصًا من حياتِي ولم يغير ذلك فيّ شيئًا، استطيع التعايُش مع هذا الأمر وتقبله بسهولة...

في الواقع، كنتُ احاول اقناع نفسي لا أكثر، انا على دراية بأنني لن استطيع فراقها، ايميليا جزءٌ ثانٍ منِّي، لا أحد يفهمني كما تفعل هي، وان قلتُ لا أحد.. فأنا أعنيها.

هي كالغبية تغارُ من علاقتِي الواضحة مع ايريني بينما لم تلحظ أنها لا تعلم عني شيئًا.، البتة

على غرار ايميليا، هي تعرف كل شيءٍ عني، احيانا اشك بأنها تعرف حتى موعد دورتي الشهرية اكثر مني... لستُ أبالِغ

كل ما في الأمر أن كونها معروفة لدى جميع من في الكلية أمرٌ مزعج... ليس حقدا او حسدا، كلا الأمرُ لا يكادُ يتجاوزُ الإنزعاج الطفيف،اكره انها مرتاحة للجميع كالمُغيبة عن الواقع، اخاف ان يستغفِلوها فهي لا تفكر كثير فيمَ يتعلق بالعلاقات، فقد تُصادق وتحضن وتنشُر البهجة في كل مكان تطئُه قدماها

مررتُ من جانب كوزموس الذي كان في المقدمة كعادتِه فزِدت الإحكام على قبضة يدي

يومٌ سيء

يومٌ سيء

يومٌ سيّء

لِمَ عليهم أن يتواجدوا جميعا حولِي؟ اكرههم... اكرههم جميعا.

حين خرجتُ من القاعة امسكتُ بهاتفِي و نقرتُ على إسم ايريني مراسلة إياها، ارجو ان لديها ساعة فارغة الآن

"أمتفرغة.؟"

ظهر لِي انها قرأتها على الفور فخرجت من فمي تنهيدة راحة، اغلقتُ الهاتف متوجهة للمكتبة، مررتُ بالكافيتيريا اولا فأخذتُ قارورة ماءٍ باردة اروي بها عطشي ثم اكملتُ طريقي

رن هاتفي في جيبي علامة على وصول إشعار لذا امسكتُ بهِ متفحصة قول ايري

"إن كانت محاضرات السيد كارل فارغة فأنا كذلك بالطبع، اردتِنِي.؟"

"المكتبة، الآن"

"قادمة"

__________________

"سيدي، أيمكنني الذهاب للخلاء؟ دقيقة فحسب وأعود"

رفعتُ يدِي اكلم السيد كارل والذي للمعلومة كان قد رمقني بأحقر نظرة يمكنه أن يلقيها ناحيتي، أيخالني زوجة إبنه هذا الكهل؟

"اعلم انكِ لن تعودي لذا أعيدِي نفسكِ إلى ذلك الكرسي إيريني"

ثم واصل حديثه الفارغ عن التكامل او لا اعلم، لِمَ اجلِسُ على هذا الكرسي من الأساس.؟

"سأعُود بسرعة يا سيدي، اعدك!إن لم افعل يمكنكَ الخصم من علاماتي"

وكأن لدي علامات في هذه المادة من الاساس.

"اذهبِي"

اشار بيده كعلامة لنفاذ صبره،احسنت يارجل!

نهضتُ بفوضوية حاملة حقيبتِي _الفارغة نوعا ما_اظن ان المدرسة مكانٌ للهو لا أكثر، من يرغب بحضور محاضرة لمدة اربع ساعات مع شخصٍ أشك بأنه مريض نفسي ليتحدث عن الرياضيات كل تلك المدة، والغريب انه لا يتعب بل وينتقل لفصل آخر ليعيد نفس الدوامة، نفس الحديث... سأمرضُ لو فعلتُ ذلك ليوم واحد فقط حتما.

خرجتُ من القاعة اسرع في مشيي متجهة للأعلى حيثُ تقع المكتبة، إما انها تريد الهروب والتسلق... او انها كذلك

ولسوء الحظ لم أجلِب أدواتي، من يأتي للجامعة بأدوات تسلق اساسا.؟

دخلت للمكتبة واول ماوقعت عيناي عليه هو تلك النظرة الميتة في عيني سيسيليا، لطالما كانت سيسيليا مذ عرفتُها متقلبة المزاج، تراها سعيدة في دقيقة ثم تجدها حزينة في الدقيقة التالية.

تسلل الضِّيقُ لصدرِي فلم أُطِق تلك اللمعة الحزينة في عينيها، اردتُ أن انتزِعها وارعها في عيني من أزعجها، اقتربتُ منها بخطواتٍ وئِيدة محاوِلة إزاحة الغمامة السوداء التي تحوم حولها

"مالِي لا أراكِ فِي فصلك، أخَصم أحدُ الأساتذة من نقاطِكِ أيتُها المجتهدة.؟تعلمين، بإمكانِي التفكِير في مقلبٍ يجعلُه يترُك التدريس لأبد الآبِدين!"

رفعت بصرها مثبتةً إياه علي بينما كنت قد وصلتُ لمجلسها مرتكزة على الكرسي المقابل لخاصتِها، كتاب يخص شكسبير كان يرقُد بإهمال على الطاوِلة أمامها، كان مفتوحا على الصفحة الثانية وبدت لي انها لم تكن تقرأ فعلا، لأنها سريعة في القراءة ولو كانت تقرأ مذ راسلتني لكانت في الصفحة العاشرة على الأقل، موهبة العباقِرة كما تقول إيميليا المتعجرفة

"كلا لم يَحدُث شيءٌ كهذا"

همهمت أجلِسُ على الكرسي ارمي بهاتفي أمامي بكسل ثم فردت مرفقي فوق الطاولة و وضعت رأسي عليه اطالعها بأعين ناعِسة

"لِم طلبتِني إذن.؟"

"اردتُ رؤيتَكِ فحسب، ام أنكِ خاصمتنِي أنتِ الأخرى.؟"

انا الأخرى.؟ رفعتُ حاجِبًا مستفهما ويبدو انها التقطت حيرتي من ملامحي دون ان انطق بها فزفرت نفسا حانقا بينما امسكت بيدها اليُمنى بعض من خصلات شعرها تشدها للأمام بقوة... دائِما ما تفعلها حين تكون متوترة.

"ايميليا... بعدما حدث أمس، تعلمين"

نطقت بها بصوت هامِس كأنها لا تريد ان تعترف بضيقها من مخاصمة ايميليا لها حتى لو كان لنفسها، اعلمُ علاقتهما الوطيدة، كما اعرف ان ايميليا لم تستحمل يوما كاملا لا تزعجها فيه لذا لا استبعد انها ستدخل علينا بعد دقائق قليلة لتزعجها كعلامة لنهاية الخِصام بينهما.

تنهدتُ أفركُ جفناي بسببابتي وابهامِي، ايوجد سحر ما في هذا المكان يجعل الشخص مسترخٍ لدرجة انه ينوي النوم.؟

لأنني بدأتُ أشعر بنعاس غريب يتسلل لي

"لا عليكِ، تعلمين انها ستنسى هذا الأمر سريعا وتعودُ لإزعاجكِ مرة أخرى، لا أعلم حتى سبب انزعاجِكِ من هذا بالرغم من انه تكرر كثِيرا ولم تكوني بهذا الانفعال!"

"انا فقط... لا أعلم ما أصابني"

اهترفت بصوتٍ واهنٍ بينما تجمعُ رجليها أعلى الكرسي و احاطت ركبتيها بمرفقيها واضعة ذقنها اعلاهُما وأخذت تنظُر للكتاب الموجود أمامها بشرود

"ترغبين في التسلق.؟ لن يمانع السيد كارل لو اختفيتُ ليومٍ واحد عند انظاره"

قلتُ بنبرة مرحة محاولة تغيير مزاجها الكئِيب هذا، هي لا تبدو بخير على كل حال..

"كلا لا رغبة لِي فيه حقا، يمكنكِ العودة لمحاضرتِك، سأحاول إنهاء هذا الكتاب قبل بداية المحاضرة التالية"

تمتمت بخفوت بينما عاد صوتها لطبيعته... او اجبرته على العودة لطبيعته.

نهضتُ فورًا دون جِدال لأنني على علم بأنني سأخسر حتمًا لو حاولت

"إن أردتِ الهرُوب فتعلمِين أين تجدينني، أراكِ سيليا"

لوحتُ لها بيدي ذاهِبة لملعب كرة السلة،أرجو أن يكون فارغاً الآن،فأنا لن أعُود للفصل طبعا ولتذهب النقاطُ للجحيم السابع،من يهتم.!

مررتُ بالكافيتيريا أأخُذُ كأسًا من القهوة المُثلَّجة أتلذذ بطعمِها... يا للروعة.

الحياةُ تبدُوا رائِعةً من هذا المنظور، لا ضغُوط، لا إمتحانات، تسلق متى ما احتجت، و كرة السلة للأبد.... ولا ننسى مشروب الطاقة الخاص بِي، قهوة مثلجة.

اراشفتُ منها القليل وفور وصولِي للملعب ادرتُ عيناي في ارجائِه، فارغ لحسن الحظ.

وضعتُ كوب القهوة و الحقيبة على أحد الكراسِي و تركتُ سترتِي البُنية هناك أيضًا أمسِكُ بدلا منهم كرة سلة... كم اشتقتُ لملمسها، اوه عزيزتي ألم تشتاقِي إلي.؟

قربتُها من وجهِي امررها على خدِّي، ملمسُها رائع كالعادة.

و... ضربتُ بها الأرض حتى ارتَفَع الصوت عاليا فارتفعَت نسبة حماستي، رميتُ الكرة من مكاني، بقرب السلة و تدحرجت حولها لثانية ثم دخلتها.

لحُسن الحظ لم أفقِد مهاراتِي بعد.

مرت نِصفُ ساعة وأنا أدورُ في الملعب لوحدِي أتدرَّب، شعرتُ بالتعب لذا توقعتُ التقِطُ أنفاسِي، اشتقتُ لأجواء اللعب هنا، سحقًا لكل هذا...

__________________

إيميليا آندرسون:

"سيرغ، جِد لِي عذرًا عند المنسِّقين، لن أستطيع القُدوم للسباق هذت المرة أيضًا"

"لِم؟"

ابتسمتُ بتوتر أنفِي له وُجُود سببٍ معيَّن، لَم يعَلِّق بل اكتفَى بإيماءة خفِيفة ثُمَّ أدارَ جِذعَهُ ناحية إلِكترَا التِي حوَّلت جسَدها لناحيتِه أيضًا متناسية وجودي.

أشحتُ بنظرِي من عليهِما أُجبِرُ إبتِسامتِي على العودة لوجهي.. تذكرِي إيميليا! لا أحَد يستحِق أن تطمِسِي وهجكِ من أجله.

ذكرتُ نفسِي ثم نهضتُ من مجلِسِي فور انتِهاء حصصِي المقررة لهذا اليوم، نقلتُ بصرِي لحيثُ تجلِسُ سيسيليا التي لم تعُد مذ غادرت وهي منزعجة، رمقتُ زود بنظرة محتقِرة

"مالذِي قُلتَه لسيسيليا، زودياك.؟"

نظَرَ إلي مُطوَّلًا ثُم أمسَك بحقيبَتِه وغادر.. تجاهلَنِي.

الجمِيعُ يتفننُ في تجاهلِي، لا بأس... ليس بالأمر الجدِيد.

"إلِكترا، أريدُ المرور"

قلتُها لها بينما كانت تسامر ذاك الذي كان بجانب زودياك قبل قليل كأنهما لم يسمعا صوت الجرَس بتاتًا.

"اوه اعذرِيني، تفضلي"

قالتها واقِفة من مكانها لتفسِح لِي مجالًا كي أعبُر ثم عادت للجُلوس مجددا، ألا ينوِيان المغادرة؟

وما شأنُكِ آندرسون.؟

شددتُ قبضتِي على الحقِيبة بينما ارُد التحية على اشخاصٍ أعرفهُم كانوا يرفعُون بأياديهم كسلامٍ لِي، على الأقل يُوجدُ شخصٌ يرانِي هنا.

رَنَّ هاتِفِي بنغمة جعلتنِي اشتُم تحت أنفاسِي، ألا يكفِينِي مزاجي السيء اليوم ليتصِل بِي هذا العجُوز الخرِف.؟

تنهَّدتُ رافِعة الخط لأضع الهاتِف فوق أذنِي استَعِد لسيلٍ من الكلام الذي لن يسعدني قطعا

"مرحبًا والِدِي"

سمِعتُ لِصوتِ ضربٍ في جهتِه... هو يفعَلُ هذا مجددا

"مَتى يُفترضُ بكِ أن تعودي من ذاك المكان الذي تدعين أنكِ تدرسين فيه.؟ إنها الثانية عشر و خمسُ دقائِق، مل دقيقة تتأخرِينها ستدفعين ثمنها لعِلمِكِ عزيزتِي"

"كنتُ قد خرجتُ للتو، قادمة"

قلتُ بنبرة هادِئة ثم أقفلتُ الخط بإصبعٍ مرتجِف، متى سيتوقف هذا الحال.؟

حينَ وصلتُ للمخرج لمحتُ سيسيليا بجانِب الباب بينما تحمِل بيدِها شيئًا ما لم اعلم ماهيته، كانت ايريني بجانبها.

مررتُ من جانبِهما بسرعة دةن إلقاء نظرة ناحيتهما، تريدُ سيسيليا إبعادي عنها؟ لتفعل إذن، تعبتُ من دورِ الشخص الذي يتنازلُ دومًا.

"ايميليا.."

تسلل صوتُها مقاطعا تفكيري فالتفتُّ أنظُر لها بترقُّب، كانت ملامحها طبيعية في بادءِ الأمر الا أنها تحولت سرِيعا لشيء من القلق

"هل أنتِ بخير.. وجهُكِ قد اصفَرَّ لونُه"

ارتفعت يدي بتلقائِية اتلمسُ وجهي، لِمَ على وجهي أن يفضحني دومًا.؟

"لا أظن أن هذا يهمك، على كل.. انا بخير، والآن وداعًا"

لم أمنَحها فرصة للرد بل التفتتُ على الفور أتجِه لموقف السيارات، اخرجتُ المفتاح من حقِيبتِي وفتحتُ الباب فورًا اقبِضُ على المقود بقوة.

لم تمُر سوى خمسُ دقائق كنتُ فيها فِي مرآب المنزِل، اغلقتُ باب السيارة أتجه للداخل، وجدتُ أبِي جالِسًا يشاهِد التلفاز بينما لم أجِد أثرًا لوالِدتِي.

"أين أمي.؟"

تمتمتُ أرمِي بالمفتاح له، يرِيدُ سجنِي هنا.

"وما أدرانِي.؟ اذهبِي للبحث عنها ودعِينِي وشأنِي، مزعِجة مثل والدتك"

"حسنا... أردتَ شيئًا؟"

جلستُ أراقِبُه بينما يُدير المفتاح بين يديه بخفة، أخشَى أن يفكِّر بالذهاب فِيها، لا زلتُ أفكر بالهرب كي أحضر السباق

"كلا، أردتُ رؤية ابنتِي الجميلة فحسب، هل يحتاجُ هذا لسؤالٍ حتى.؟"

"حسنًا... اخطِرني حين تحتاجُ لشيء"

قلتُها محاوِلة جعل صوتي اكثر هدوءً، ان استشعر ذرة تمرد في صوتِي فسيشتاط غضبًا... ولستُ بمزاجٍ لحزامه.

اقتربتُ من السلالِم أصعدُ لأعلى حيثُ غرفة أمي، أرجو أن تكون بخير.

طرقتُ الباب ثلاث مرات لكن لا رد، في المرة الرابعة اتانِي صوتها صعيفًا يسمحُ لي بالدخول

"تفضلِي"

كانت قد علمت أنني انا من يطرقِ الباب على الفَور إذ لا أحد في المنزل سواي انا وهو، وقطعا لن يطرق الباب بكل هذا الاحترام!

فتحتُ الباب أطِل برأسِي أولًا، كانت مستلقِية على السرير مغطاة بلحافٍ رمادي اللون، بينما كانت ملامِحها متعبة

"هل ازداد إعيائُكِ يا أمي؟ يمكنني إيصالُك للطبيب إن كنتِ تشعرين بالألم"

نفت لِس برأسها ثم وجهت نظرها لمزهرِية كانت مكسورة بجانب السرير... هو كان عندها مجددا

"هل... هل آذاكِ.؟"

تمتمتُ بصوتٍ خافِت لا أرغبُ لإيصال شعور العجز لها، كل يومٍ أتمنى له أن يخترق فِي الجحيم... متى سيختفِي هذا الوغد فحسب.؟

"انا بخَير ميلِي، إذهبِي وكُلِي شيئًا فإن ملامحكِ شاحِبة كما أن جسمَكِ قد ازدادَ نحفًا."

"أمي.! أنتِ بالكاد تستطيعين التحرك كالبَشَر الطبيعيين بينما تهتمين بأنني أنحف! بجدية أمي، اهتمِّي بنفسكِ قليلاً... إن كنتُ شاحِبة الآن لأنكِ مريضة فسأنهارُ حتما حين... تبا"

لم أستطِع التفكير بأنها ستغادرني يومًا، وهي هنا لا تبالِي بنفسها حتى.!

خرجتُ من الغرفة احاوِل تمالُك نفسِي بصعوبة، وحين ظننتُ أن هذا اليوم لن يكُون أسوء سمِعتُ صوت ضحكة إمرأة فِي الأسفل،ما هذا الآن..؟

نزلتُ السلالِم مرتكزة على الدرابزين إذ أنني اشعر ان قوتي ستنهار بالكامِل الآن

كانت هنالِك سيدة تبدو في عقدِها الثاني تجلِسُ بجانِب والدِي بينَما يبدو على وجه أبي الابتهاج لأول مرة في حياتِه.

مقرف.

تركتُهما أعود لغرفتِي صافعة الباب بقوة ثُم جلستُ على كرسي مكتبي، وحينها فقط... انهرت.

بكيتُ بكاءً مريرًا حينها.

دُمتُم عالـمِي الذِي تنقَشِعُ فِيه الغُربة فتضحَى وهجًا وضَّاءً.

أنيرُونِِـي بوهجِكُم 🧣.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

strange

المؤلف iii.eve
2026/05/30 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة