إيمِيليا آندرسون:
حرّكتُ قدمَاي ناحِية الفِتيان لأعلم منهُم عن سباق اليَوم فعلى غير العادة لم يُرسِل أحدًا القائِمة فِي المجموعة على غرار المرات السابقة .
وصلتُ لحيثُ يقِفان ثم تمتمتُ بإسم سيرغِي لأجذِب انتباهه فكتلة الجلِيد الأخرى سيتجاهلنِي كعادتِه
"من سيتسابقُ منكم الليلة.؟ ولِم لم يرسِلوا القوائِم كالعادة، أشعُر بالحماس يجري في عروقِي وإن لم اشارك اليوم فسأبكِي قهرا"
أدَارَ رأسه ناحِيتِي فتحركت خصلات غرتِه تغطي عينيه فرفع يدهُ يزيحُها بنفاذ صبر
"لا أعلَم فلَم امُر على البقِية بعد... لا بد أن خللاً ما قد حَصل لِذا سأمُر عليهم بعد المحاضرة التالِية، تعرِفِين الأستاذ ويكبلِي وكيف أنه يبحثُ عن أي خطأ ليُزين بِه ملفِّي"
تمتمَ ساخِرًا فِي أخِر حدِيثِه لأرسم ابتسامة ساخرة على شفتاي كذلك، فالسيد ويكبلي يحب لعبَ دور الرجل الصارم و من الواضح حقده علينا _او على جميع الطلاب_فأي خطأ مهما بدا بسِيطًا يهَوِّلُه
على سبِيل المثال...كنا أنا وسيرغي ذات يومٍ نلعَبُ بِكُرسيه _نكسِر اقدام الكُرسي_كسرنا القدمين الخلفيتين ثم الصقناهما بغِراء كَي يبدو سلِيما... للأسف لم نكتمِل من خدعتنا وإذ به يدخُل للفصل يمسكُ بِنا متلبِّسَيْن
هوَّل الأمر وأوصل بِنا إلى غرفة المدير والذي بنفسه أظنه اكتفَى من تهويل هذا الاستاذ لأصغر الأشياء فصرفنا واجبرنا على دفع مال ليشتروا كرسيا جديدا، جامِعة للأغنياء تجبر التلاميذ على دفع حقوق الكراسي؟
جامِعتُنا غريبة... لكنها رائعة، كل يوم توجدُ مشكلة جديدة وهذا يشعِل فِي دمي الحماس للنهوض كل صباح والتوجه إليها
اقتَربَ كوزموس من مجلِسِنا فرأيتُ زود يرمقُه بحدة ليزفِر الأول بينما يداعِب خلاصتِه بيد والأخرى تمسك بحقيبته محدِّثا إياه
"ماذا الآن؟ استقتلنِي بنظراتِك تلك؟"
كشَّر زود بوجهه موجهًا لكمَةً بقبضة يده ناحِية كَتِف كوزموس فيشتُمهُ الآخَر
قلبتُ عيناي بملل من تصرفاتِهم الرَّعنَاء ثم غادرت الفصل بعد استيعابِي اننا الوحيدون المتبقون فيه
حِين اقتربتُ من الباب وكنتُ على وشكِ الخروج اصطدمتُ بجِدار بشرِي أفقدنِي توازُني فأطلقتُ صرخةً عالِية دوت فِي أرجاء المكان
"ألا ترَى أمامكَ أيهَا الثَّو..."
تلاشَت كلِماتِي أمام الأستاذ ويكبلِي الذِي ولِسوء الحظ يرمُقُهنِي بشرز... قِضي علي.
"أكمِلِي كلامكِ آنسة آندَرسُون..؟"
رَفَعَ حاجِبَيه بتحدٍّ بينَمَا تظاهرتُ بدور الأطرش أتفادى الحدِيث معه مكمِلة سيرِي ناحية الخارج دون الإلتِفات ناحيته... اشعُرُ أنني سأدخل بورطة أكبر بتجاهلِي إياه هكذا
هو ليس مهما، علي الإسراع لملاقاة سيليا فهِي تبدُو شاحِبة اليوم، ليس وكأنها بخَير كل يوم لكنها تبدو مختلفة نوعا ما... اليوم على الأقل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت يداها مغطاتين بمسحوق الطباشير الأبيض، تتشبث ببروز صخري صغير وكأن حياتها تعتمد عليه. العرق يتصبب على جبينها، وعضلاتها تصرخ من الإرهاق. في تلك اللحظة، على ارتفاع عشرة أمتار، لم يكن هناك ضجيج محركات، ولا رائحة إطارات محترقة، ولا صوت ارتطام معدن بمعدن. هناك فقط هي.. والجاذبية التي تحاول سحبها للأسفل، تماماً كما تفعل ذكرياتها كلما أغمضت عينيها.
تتذَكّر بوضوح نظرة والِدِها يومها... لم تستطع النوم بعد الحادث لمدة اسبوع إذ ان عينيه تزورها كل ليلة.. كل دقيقة.. وكل ثانية فِي مخيلتِها، استطاعت النوم بعد الاسبوع الاول الا أن عينيه لم تغب عن احلامها، لا زالت تشعُر بِها وهي تُحفر فِي عقلها
فِي الأعلَى... تجلِسُ إيرِينِي ممسكة بالحبل الملتف حول خصر سيسيليا وجِذعِها محاوِلة التركِيز قدر الإمكان و التشبث بالحبل كي لا تقع الأخرى
أطلَقَت صَفِيرًا ساخِرًا ناحِية صدِيقتِها بينَما تتلاعب بالحَبل بين يديها باستمتاع
"لنقُم بتحدٍّ، إن كُسِرت قدماكِ بسبب سقوطِكِ من هذا الإرتفاع سأدفَعُ تكالِيف المستشفى، وإن لم تُكسَر ستدفَعِين لِي مئة دُولار"
رَفَعَت سيسِيليا حِدقَتَيهَا ناحِية الأخرى نافِخة خدَّيها لتزفِر نفسًا حانِقًا صَاحبَتهُ شتِيمة بينها وبين نفسِها
"أمسِكِي بالحَبل جيِّدًا وإلا سحبتُهُ لِتسقُط كِلتانا إيرِيني، أقسِم أنني لا أمزح فأنَا لستُ فِي مزاجٍ يسمحُ لِي بحماقاتِكِ.!"
ضحكت المعنِية بصخَبٍ متناسِية ما أخبرتهَا بِه الأخرَى ليتراخَى الحَبل من يدِها فأطلَقت سيسيليا صرخةً زلزلَت الأرجاء وقَطَعت الهُدوء المُلتَف حول المكان
"سُحقًا لك إيرِينِي، أقسِمُ بعُنُق إيميليا أنني سأجعلكِ تندمِين"
تدارَكَت ايريني نفسها ممسكة بالحبل قبل سُقوطِه من يدِها
مرت حوالَي نصف ساعة نزلت فيها الفتاتين ثُم افترشتا الأرض
"إيرِي.. أتظُنِّين أنه باستِطاعتِي الوُصول لمكانٍ أعلى مِن ذا الذي أنا فيه ذات يوم؟"
تمتَمت لاهِثة بين أنفاسِها بينما استمعت ايريني لكلامها، لم تعلم ما كانت تقصِده فحَاولت تنظيم أنفاسِها ماسِحة العرَق الذي يتوسط كفيها علَى سِروالِها الجينز
"أتَقصِدِين فِي التَّسلُّق.؟ ظننتُها مجرد تسلِية تقومِين بِها لا على محمَل الجِد.!"
"إنسَي الأمر... ثُم أنني كما قلتُ أول مرة هذِه مجرد تسلِية أجل، لَم أحلُم يومًا بِتسلُّق جبل إيفرِيست على الأقل"
قَهقَهت إيرِينِي بصخَب مِن سخرية صديقتِها بالرغم من لمحِها لرنة خزينة في صوتِها، لم تَعلم يومًا ما مرت بِه سيسيليا، ولا تظُن أنها تريد المعرفة، لن يضُرها الجَهل لِذا تغاضَت عن السؤال إلا أن لمعة الوَجَد بعينيهَا تفضَحُ ما تقاسِيه
ارتَسَمت على شفتي سيسيليا ابتسامة خافِتة لتستقيم من مجلِسها عازمة العودة للمنزِل، ازالت التراب الملتصق بكفيها ثُم مدت يدَها اليُمنى ناحية ايريني بغية مساعدتِها في النهوض الا أن الأخرى نفت برأسها معترضة لتستقيم بحركة بهلوانية انتهت بها واقِفة بجانب سيسيليا
"كان من المفترض أن تكونِي مدربة للقُرُود فِي إحدى الفِرق الجوالة، كيف انتهى بكِ الأمرُ هنا"
تمتمت سيسيليا بسُخرية بينما توجِّه نظرها ناحِية شعر صاحبتِها الأبيض، لا زَال لونُهُ غرِيبًا بالنسبة لها، فهُو ليس مصبُوغًا وهذا ما تعرفه، لكن هذا اللون ليس شائِعا هنا، بل يكادُ يكون منعدِما.!
"تعلَمِين.. لا زال التَّسلُّق جزءًا من مهارات القِردة يا قردتِي"
غَمَزَت إيرينِي بعَينِها الزرقَاء لتبقَى الأخرى مفتُوحة بينما صعُبت الرؤيَة على إيرِينِي
ايرِيني ذات وجهٍ لطِيف إحدى عينيها زرقاء والأخرى بيضاء إذ تبدو وكأنها خالية من الحدَقة، فعي لا ترى منها بل بالأخرى فقط
تملكُ شعرا قصيرا أبيض اللون وغرة لطيفة تنسدِل على جبينها تكاد تغطي عينيها
"أنتِ القردة الوحيدة هنا"
اخبرتها سيسيليا تتجه ناحية حقيبة ظهرها الملقية أرضًا لتضع فيها الحِبال وبقية الاشياء.
"إلى أين تتجهين سيل"
سألَت ايرِينِي بخمول بينما تتمدد رافعة يديها تشبكهما ببعضهما البعض فوق رأسِها، ألقَت عليها سيسيليا نظرة من فوق كتفها بعد ان اغلقت الحقيبة واضعة إياها على كتفيها
"للمنزل بالطبع، أين سأذهب برأيك.؟"
"لا أعلم... ما رأيُكِ بسِباق لمدة ساعتَين جريًا..؟"
نقلت سيسيليا نظرها ناحيتها بينما تتجه ناحية سييارة ايريني بينما تجاورها الأخرى في المشي لتقول باستنكار
"كادت قدماي تُكسران بسبب التسلق والآن سأخوضُ ماراثونا.؟ بربك ايري.. أنتِ حمقاء!"
اقتربتا من السيارة ولم تكادا تدخلانها حتى قاطعهما صوت زئير سيارة متجهة ناحيتهما بسرعة خيالية، وضعت الفتاتان يديهما على اذنيهما إثر صتت المكابح المرتفع الذي ارتفع على مقربة منهما
عرفتا الفاعل فورا فلا أحد متهور بقدر تهورها.... ايميليا اندرسون.!
"شعور الخيانة حقا مقيت.! كيف تجرئين على مقابلة هذه العوراء وتتركينني مع الحمقى.!"
قالت ايميليا بسخط بينما تنزل من سيارتِها لتقفل بابها بقوة خلفها بينما تمشي ناحية الفتاتين لترمق ايريني بنظرة مستصغرة لتعود بأعين حاقدة ناحية سيسيليا
"لم أجبركِ على البقاء معهم... ثم أنكِ الحمقاء الوحيدة فهم يستمتعون بينما تقفين لمراقبتهم.!"
"من قال انني اراقب يا عزيزتي، ثُم إنني قد فزت بثلاث سباقات متتالية هذا الاسبوع.!"
قالت مرجعة خصلات شعرها للخلف بغرور وهي ترمُشُ بعينيها بسرعة فارتفعت شفتي سيسيليا بسخرية... هذه الفتاة.!
"تغيرت القواعِدُ إذًا.."
تمتمت بلا وعيٍ فمُشاركة الشخص عينِه في ثلاث سباقات في الاسبوع نفسِه شيء جديد... بعِيدًا عن الأشخاص الذين لخالفون القواعِد ويدخُلُون فِي منتصف السباق...فعلتها قَبلًا أكثر من مرة.
"أجَل تغَيَّر الكثِير بالفعل... بعدك"
"هذا ليس مهما ايميليا"
أشاحَت ايميليا وجهها ليُسراها حِين تغيرت نبرة سيسيليا لأخرى باردة... تريد منها العودة لكنها تصدها عند أول فرصة...
______________________
سيسيليا آسترُود:
قبَضتُ على يدي بِقوة أشعُرُ بأظافِرِي تخترق باطن كفي إلا أنني لم اهتم لها بقدر إهتمامِي للعودة للمنزل الآن قبل أن تتهور إيميليا فأجرحها بكلماتي... أعلمُ أنَّها ربما.. ربما فقط تريد صحبتِي لكن هذا لا يبرر رغبتها فِي إعادتِي لمستنقع الأرواح ذاك.
ليس وكأنني لا أودُّ البقاء معهم، لكن..
تبا لكل شيء.. احتاجُ للعودة للمنزل، أشعُر بأحشائِي تتمزقُ داخل بطنِي من شدة الجوع
"إيرِي... سأذهبُ مشيًا، الطريق قصيرة ولا أريد الدخول ل.. للسيارة"
تمتمتُ بخُفوت أرَى انحِناء كتِفَي إيميليا بينما تنظُرُ ناحِيتِي ببعض الحُزن.. سحقًا.
قبضتُ عَلى حقِيبتِي بكف يدي بقوة متجاهِلة إياهُما أشُقُّ طرِيقِي ناحِية المنزِل بخطواتٍ سرِيعة، أكرهُ أن أجعَلها حزينة، او أن تكُون بحال غير جيدة بسببي... لكن الأمر ليس بيدي.
كما أكرهُ محاولاتِها اللا متناهِية لعودتِ لعالم السباقات، ليس وكأنني لستُ باشتياق لها إلا أنني لا أستطيع ببساطة،ترتجِفُ قدماي بمُجرد دخولي لسيارة ولو كنتُ الراكب لا السائِق فكَيف تريد مني سياقتها؟بل وفي سباق لا أعلم إن كنتُ سأخرُجُ منه بأجزاءٍ مكتمِلة
هذا جنون.
نظرتُ خلفِي حين ابتعدتُ بمسافة جيدة فوجدتُ إيميليا تنظُر ناحيتي مُرتكِزةً بظهرِها على بنفسجِيتها بينما ركِبت إيريني سيارتها وذهبت بالفِعل
أعدتُ بصرِي بسرعة للطريق أكمِل سيرِي ببدائِية، أبدُو كقِطٍّ مُشرد الآن،فمَع بملابس التسلُّق المُتَّسِخة التي أرتدِيها وشعرِي الأشعَث أراهِن أن لوجهِي نصِيبٌ كذلِك
أفقتُ مِن شُرُودِي إثر سيَّارة البِي إم دابليُو التِي قَطَعت طرِيقِي فجأة إذ تقابِلنِي أضوائها الأمامِية الآن كأنها تنظُرُ ناحِيتِي... زودياك.
نقلتُ عيناي للزجاج الأمامِي فأبصَرتُ وجهه الذِي تعتلِيه نظرةٌ مُبهمة عَصِيَ عَلي فهمُها
"تخلَّصتُ من إيميليا فظهر هذا لِي.. إعيدوني إلى إيميليا فهي أرحم لِي من رؤية هذا المسخ.!"
تمتمتُ بين أنفاسِي بغيظٍ متجاهِلة إيَّاه اتحركُ يمِينًا كَي أبتعِد عن طريقه وإذ بِه يلحقنِي ليكُون أمامِي مرة أخرى فعُدت لليسَار وفَعل المِثل، شكَّلتُ قبضَةً بيدِي أضرِب بِها هيكل السيارة الأمامِي بقوة علَّهُ يستعقِل إلا أن الأمر عاد لِصالِحِه إذ هسهستُ بألمٍ أرَى أصابِع يدِي التي تحولت للون الأحمَر من الألم...سحقا
نظرتُ من زجاج السيارة لعينيه أوصِلُ مدى كُرهِي له من خلالِهما فرأيتُ إبتِسامَةً واسِعةً تعتلِي ملامِحه السخِيفة، صرختُ أفَشِّي بِه ما تبقَّى مِن غضَبِي بينما أمسحُ بكفِّ يدِي عَلى سِروالِي بطريقة آلية.
"أأنتَ مهوُوسٌ بِي بطريقة ما.؟ اِبتَعِد عن طَرِيقِي يا هذا وإلا..!"
رأيتُ زُجاج السيارة الجانِبِي يُفتح ببطئ كأنه يختَبِر مدى صبرِي، أقسِم أنني سأكسِر زجاج سيارتِه بحجرة ما إن لم يبتعِد،
"الإلتِقاءُ بِكِ فِ مُنتصَف الشارِع يُعتبَر هوسًا.؟ مستواكِ متدنٍّ آسترُود"
تمتمَ بِسُخرية تكادُ تقطُر من عينيه لأتمنَّى لو استطِيعُ إقتلاعهُما فهُما يفقِدانني صبري.
"أغلِق فمك الثرثار"
"وإلا..؟"
قال يتَظاهَرُ بالتَّفكِير فَحاولتُ تلف أعصابِه، وضعتُ سبابتِي تحت شفتاي بينما استقَرَّ إبهامِي أسفَل ذقنِي بحركة تدل على التفكير
"أشُكَّ بأنك هنا تحاول جذب إنتباهي لأن لا أحد متفرِّغٌ للعب مَع الطفل المدلل ها.؟"
بدَلًا من ملامِح الغَضب حدث العَكس، إقترب بسيارتِه ناحِيتِي فشعرتُ بأنه ينوِي الدهس علَي، إبتعدتُ بطريقة آلية ثلاث خطواتٍ للخلف بينما لا يزالُ يتقدم ناحِيتِي ثم عاد للخلف فجأة بسرعة حتى ابتعد عني مسافة كافية فأدَار السيارة بسرعة لتكُون بنفس الاتجاه الذي اسلُكه، اقترب منِّي من الخلف حتى جاورتنِي نافِذتُه المفتوحة.
"أتُرِيدِين رؤيَة مهارات هذا الطفل المدلل فِي الدهس عَلى البَشر.؟"
تمتم بنظرة بارِدة فسَارت الدماءُ بعُرُوقي بوتِيرة أسرَع وازدادت ضرباتُ قلبِي فشعرتُ بِه يطرُق عَـلى صدرِي بعُنف.
"لا شُكرا،لِمَ سأرغبُ بأن تعرِض علي مهاراتِك.؟، إبتعِد عني فحسب"
أكملتُ سيرِي متجاهِلة إياه وإذ بِه يلحقُنِي بصمت... ما بِه بجدية.؟
"هَلَّا تركتنِي وشأنِي.؟"
نبستُ بسخَط أنقُل نظري ناحِيتَه فوجدتُ عيناه تتنقلان بين عينَاي وملامِحه مسترخية بطريقة أفزعتنِي.. ما به.؟
"بَوصلتِي تقُول أن هذا الطريق هو الصحيح... إييلا "
امسكتُ بتلابِيب سترتِي أقبض عليها بقوة إثر الإرتباك الذي تفشَّى بداخِلي... لقد قال إييلا.!
إييلا...
"لستُ إييلا أو أيًّا كان هذا الهُراء الذي تقوله... ارجوك دعنِي وشأنِي زودياك.!"
صرختُ بلا وعيٍ أرمِيه بنظرة أثلَجت مقلتيه ليتفشَّى البرود فِ جميع أنحاء جسدِه، اقترب بسيارته أكثر ناحِيتي ثم ابتسم ابتسامة واسِعة رسمت الرعب على وجهي
"ستبقِين إييلا مهما حاولتِ نفي ذلِك سيليا"
نظرتُ إليه بنُفُور أفشِّي فيه كل الطاقة السلبية التي تسكُن دواخِلِي، لانَت ملامِحُه فجأة فأشَاح بوجهه عني متبعدا بسيارتِه بضع خطواتٍ ثم أوقَفَها ونزل منها بِسرعةٍ تُنافِي هدوئه قبل ثوانٍ
أغلَقَ الباب الأمامِي ثُم نظر للسماء لمدة ثلاث ثوانٍ مغمض العينين... مابه.؟ وسحقًا لِمَ أقِفُ هُنا وأراقِبُه كالمجنونة.!
حركتُ قدماي بغية الذهاب إلا أن الحظ لم يكن حليفي كالعادة فقد عاد زود من غيبوبتِه التي دامت لثوانٍ فقط وكان ينظُرُ إلي بطرف عينه بينما لا يزالُ رأسه مرفُوعا للسماء و شعر غرته بنسدِل على كحليَّتَيه قبل أن يُنزله ببطئ واضِعًا يديه في جيبَي بِنطالِه متوجها ناحيتي بكل هدوء الأرض، عانقت قدماي الأرض وأبتَا التَّحرك كأن جسدِي يذعَنُ له دون إستشارةٍ من عقلِي... هذا الأحمق.!
كان يلعَبُ بشيءٍ ما فِي جيبِه، نقلتُ بصري لعينيه التي وجدتَا طريقهُما لخاصتِي فتلاحمتَا، وصَلَ لمكان وقوفِي فرفعتُ رأسِي ملاحِقة عينيه إذ كان فارع الطول... زرافة.
"تظُنِّين أن الهَرَب منِّي سهلٌ للغاية... صحيح إييلا.؟"
قضبتُ حاجباي بعدم فهم ثم قبضتُ على سروالِي بقوة أشعُ بأظافِرِي تكادُ تمزق قماشه، مالذي يعنيه هذا.؟
"لستُ إييلا... ثم لِمَ قد أهرُبُ منك.؟"
"السؤالُ موجهٌ لكِ آسترود، لِمَ قد تهرُبِين منِّي..؟"
تمتم بنبرة خالية من المرح ثم اقترب مني خطوةً واحِدة حتى كاد يحتضنني... ابتعد يا هذا.!
"زودياك، ألم تجِد حقا من يُذهِب عنك الضجر فقررت أن تزعجني؟"
تمتمتُ بانزِعاجٍ مبعِدة إياه عني ف.... مهلا هل هو يضحك الآن.!
سمعتُ صوت ضحكته الصافِية كأنني قلتُ أكثر نكتة مضحكة على الإطلاق.!
"صدِّقِينِي حين أقول أن الملل لَا وجود له فِي عالمي"
"جيد، رائع، ممتاز، مبارك، والآن هلا أفسَحت لِي المجال كي أذهب للمنزل وأنعَم ببعض الراحة.؟"
ولغرابة هذا اليوم فإنه قد انصاع لِي وابتعد عني متوجهًا لسيارتِه دون أن ينطِق بحرف، وقفتُ فِي مكانِي ارقَبُه باستغراب....لقد استَمَع لِي.!
ما هو تاريخ اليوم، عليَّ توثِيقُه ضمن كتُب التاريخ
وصَلَ لسيارتِه ثُم ركِبها بهُدوء وسرعان ما اختفَى هذا الأخِير إذ ارتَفَع صوتُ المُحرك ثم أنطلقت السيارة كسهمٍ مُضيء واختفى هو وسيارتُه من أمامِ، سرهة مهولة.!
رججتُ رأسِي يمينًا ويسارًا بسرعة أمحِي صورتَه من رأسِي ثم واصلتُ مسيري، مضت نصف ساعة وانا أتمشى حتى وصلت للمنزل
فتحتُ باب السور القَصِير بيدِي وأنا أنظُرُ لزهُور التولِيب المنتشِرة فِي الحديقة الأمامية للمنزل، زهور والدتي المفضلة لسوء الحظ، إنها تنتشِر في كل أرجاء المنزل حرفيا، بدءًا من الحدِيقة الأمامية وكذا المزهريات المنتشرة في المنزل، جميعها تحتوي على نفس الزهور "التوليب"، حتى أنها حشرت بعضاً منها في غرفتِي فحسب حديثها هي تجعلُ منها تسترخي تلقائِيا فور رأيتِها.
ألقيتُ نظرة ناحية المرآب لأشيح بنظري سرِيعا أمضي للباب الزجاجِي في نهاية الحديقة، منزلنا كبِير لكن لا أحد فيه، فقط انا و والدتِي، لا أعلم لِمَ قد نحتاجُ انا وهي فقط لمنزل بهذه الضخامة لكن والدتِي أبَت بيعَه... لأنه يخص والدي.
دخلتُ للمنزِل دافعة الباب بخفة ونظرتُ حيثُ علاقة المفاتِيح ولم أجد خاصة أمي، هذا يعني انها بالخارج..
لم أهتم للأمر كثِيرا بل تجاهلتُه بالكامِل أرمِي بالحقيبة بجانب الجزامة ولم ألقِ اي نظرة تجاه الأخرى إذ لا طاقة لِي الآن... لا أستطيع رؤية حذاء والدي وكأنه هنا... بيننا.
مررتُ من الصالة الكبيرة ذهابًا إلى المطبخ لسد جوع بطني فقد بدأ الوجع يفسِد من مزاجِي بالكامل، او لعله ذاك الأحمق من فعل وانا الصق التهمة بها، اعتذر لكِ يا بطني العزيزة.
رأيتُ آلة القهوة وبجانِبِها أربعة أكواب، واحد يخص أمي والآخر لأختي المتزوجة، والتي غادرتنا منذ فترة للعيش مع الرجل الذي سرقَها منا
أما الآخران فواحدٌ لِي والآخر لوالدي.. قبضتُ على قميصي بقبضة قوية أشعر أن قواي ستنهار تماما، لو أخبرتُه تلك الليلة بالذهاب مع أمي، لو لم اشرب تلك الأشياء التافهة التي أذهبت عقلِي لكان هنا الآن، لكان الوضع أفضل....
دوامة من "لو" لا تنتهي تحتل عقلي، في النهاية أنا السبب في مقتلِه..
صوتُ مكابِح عالية وضجيج قوِي اقتَحَم أسوار عقلِي بقسوة ثم ترنح جسدي إثر الدوار الذي داهمني فأمسكتُ رأسِي بكلتا يداي أجثو أرضًا في محاولة لمنع الألم الذي يتفشى في جميع أعضاء جسدِي، رفعتُ يداي أنظُر لهما... كان الدم يتوسط كفاي ويقطُر على الأرضية الرخامية للمطبخ، نظرتُ للجانِب وهو... هو كان هناك، ينظُر إلي بنفس تلك النظرة...
شرعتُ أضرِبُ جانِبَي رأسِي بقسوة عل هذه الصورة تُمحى من عقلي... لا أستطيع رؤية هذا لا استطيع.!
انا حقا أعتذر، لم أقصِد، لم يكُن هذا ما أردتُه حقا.!
آسفة يا أبِي، أرجوكَ عُد ولا تتركنِي مع وساوِسي، أمي.. أين أنتِ.؟
يداي ملطختان بدمائِه... أنا مجرمة، لِمَ لا زلتُ هنا؟ كان يفترض بي أن أكون فِي السجن مع بقية المجرمين، مالذِي اختلِفُ فيه معهم؟ لقد قتلته.!
انا مجرمة.... انا مجرد قاتِلة وضيعة.... انا...
رؤيتِي أصبَحَت ضبابِية ولم أعُد استطِيع التحمل وبعد قليلٍ سقطتُ مفترِشة الخام و انسَحَب الوعي من عقلِي ببطئ حتى ما عدتُ أبصِرُ ولا أسمَع شيئا.
.
.
.
.
صوتُ أنفاسٍ قرِيبة من أذنِي، كيسٌ ورقِي، رائحة التولِيب المختلط برائِحة التربة الرطبة إثر المطَر... مهلًا؟
متى هَطَل المطر؟ فتحتُ جفنَاي ألقِي نظرات خاوِية للسطح الأبيض الذي يقابِل بصرِي، ولم أستوعِب ما حصل حتى اخترق صوتُ والدتِي سمعي فنقلتُ عيناي نحو مصدر الصوت.
"سيلي يا إلهي، هل أنتِ بخير.!"
تمتَمت بصوتٍ باكٍ لانت لَهُ ملامِحي، من النادر رؤية والدَتِي وهي تبكِي، بل إنه شبه مستحِيل، والدتِي إرأة قوِية تدِير كل ما يخصها بنفسِها، لم أرهَا يومًا منهارة
تلمست بيدها وجهتِي بلُطف أسقَط حُصُونِي فشعرتُ بدمعة يتِيمة تنزِل على خدي وصولًا للوسادة أسفل رأسِي... يالٌٰي من أنانِية، كيف حرمتُ والدتِي من زوجِها دون الشعور بالخِزي؟
"إنني بخير يا أمي، ماذا هنالِك ولِمَ تبدُو ملامِحُك متعبة كأن النوم لم يزُر أرضكِ يومًا؟"
وضعتُ يدِي على خاصتِها أسحبُها ناحِية يدي الأخرى فجمعتُ يدها بين كفَّاي فابتسَكت لِي بوهن
"أتيتُ البارِحة إلى المنزِل ثُم دخلتُ المطبَخ بِغية إعداد شيء للعَشاء إلا أننِي وجدتُكِ طريحة الأرض هناك، أنتِ فاقدة للوعي منذ البارِحة، كما أن الطبيب أخبرنِي حين أحضرتُه أنكِ اجهدتِ نفسكِ وجسدكِ لِذا لم يستطع التحمل وسقط عند أول فرصة للإنهيار"
ذممتُ شفتاي بعدم رِضى وأنا أنظُر للساعة المعلقة على الحائِط، إنها تشير للسابعة مساءً وهذا يعني أنني فوتت الدروس اليوم.. وكذا دروس التسلق.!
استقمتُ بجذعِي أجلِس على السرير حين غادرت والدتِي قائِلة أنها ستجلِبُ لِي شيئًا لآكُله، من الجيد أنها لم تأخذني للمشفى فأنا في اشد حالات المقت له.
نظرتُ لملابِسِي وإذ بها نفس التي كنتُ أتسلق بها بالأمس.! حتى السُّترة نفسُها، شعرتُ بشيءٍ يتوسطُ جيب سترتِي فحشرتُ يدِي فيه اتحسس ما بداخله.. ما هذا الملمسُ الغريب؟ يبدو كقطعة شطرنج
اخرجتُه وإذ بهَا الملِكة... ملِكة سوداء من رقعة الشطرنج؟
مالذِي أتَى بِهذه إلى جيبِي..؟
حَسب معلُوماتِي المتواضِعة فهِي القِطعة الأساسِية والأهم في الشطرنج، فهِي تتحرك كيفما تشاءُ كما تقف بجانِب الملك وتحمِيه فهُو لا شيء بدونها..
تذكرتُ حِين كان يلعبُ زود بشيء ما فِي جيبِه.. أيعقل انه هو من وضعها في جيبِ سترتِي حين اقترَب مني.؟
هذا مرجح لكنني لستُ متأكدة منه، مالذِي سيستفِيدُه من فعل ذلك من الأساس؟
سمِعتُ صوت خطوات أمي ثم رأيتُها تدخُل للغرفة خامِلة معها صينية بها بعض الطعام، نقَلَت حدقتيها ناحية الملكة التي بين يداي فقضبت حاجبيها باستغراب
"من أين أتت هذِه؟ لا أذكُر أنني فتحتُ مكتب والِدِك ولا يوجد لدينا شطرنج غير الموجود هناك"
تمالكتُ نفسِي كي لا أبكِي أمامها لذا قلتُ محاولة إغلاق الموضوع
"لا شيء، إنها تخص إيميلي"
تمانتُ واضعة إياها فِي الدرج الذي بجانب سريري ملتقطة منها الصينية لأشرع فِ الأكل متجاهلة نظراتِها المشككة ناحيتي.
دُمتُم عالـمِي الذِي تنقَشِعُ فِيه الغُربة فتضحَى وهجًا وضَّاءً.
أنيرُونِِـي بوهجِكُم 🧣.