لا تنسوا إضاءة النجمة بتصويت.. ☆↶★
⚠️إبتداء من هذا الفصل كتابة التعليقات ممنوع..⚠️
________________________________________
.
.
.
المذكرة رقم إثنان.. [02]
.
.
.
(رسائل وأوهام)
.
.
.
________________________________________
ربما قد خدعنا علماء الفيزياء طوال الوقت عندما قالوا بأن الصوت ينتقل عبر الذرات..
و بأنها اهتزازات نابعة من مصدر..
ولكنني.. أسمع أصواتًا نابعة من لا شيء..
أصوات تتناقل بين الأرواح إلى روحي..
همسٌ باردٌ يتسرب إلى عظامي..
أسمعه في حلمي وفي يقظتي..
حيث كانت تردد العبارة ذاتها:
"أنا لم أنتحر.."
.
.
.
________________________________________
<<Adrian's POV / وجهة نظر أدريان>>
كانت السماء قد أغلقت جفونها..
والشارع تحت قدمي يكتظ بصمتٍ خافت..
الهمود انتضخ في الأرجاء على عكس الضجيج الذي يطفو في داخلي كصرخة مكظومة..
خطوت خارج مكتبي بثقل..
وكأن الأفكار التي تزاحمت لفترة في رأسي..
قد تسللت إلى أطرافي فأثقلتها..
الريح تمرّ بمحاذاتي كأنفاس مقطوعة وباردة..
تتخلل معطفي وتُهشّم عزيمتي المتبقية..
-وبعد كفاحٍ بدا لي أبديًا- وصلت إلى سيارتي..
وقبل أن تلامس يدي المقبض اخترقني صوتٌ خافت..
مهزوز وجاف جاء من خلفي بغتة..
يشبه صوت الأفعى في فحيحها..
ولكنه أكثر برودة ورهبة.. كأنفاس الموتى..
"قلتُ لكَ إنني لم أنتحر"
تجمّدت.. كصنم..
كما لو أن عيناي التقتا بخاصة الأوحش الأسطوري ميدوسا..
وأنا لم أنظر لعينيها بعد حتى..
كنت فقط أراقب أمامي شبه جاحظ..
بقيت لبضعة ثوانٍ إلى أن حررتني الدهشة من قبضة الهلع فاستدرت ببطء..
ترآءت لي هناك على حدود الضوء فتاة في مقتبل الهاوية.. شعرها الأحمر يشبه شظايا شمسٍ نازفة أو بتلات اقتُطِفت من الجحيم...
بل ربما هي استعارت بعضًا من ريش العنقاء..
حسنها كان ينطق بوعدٍ قُطِع في عالم الخيال..
تبدو من الأساطير..
وإما ابتسامتها فكانت كالألعاب القديمة..
بريئة في ظاهرها ومحشوة بالحطام من الداخل..
نقية برهبة لا تفسير لها..
تعلّقت نظراتي بوجهها..
واخترت الصمت بينما أراقب ملامحها التي بدأت تتبدل أمامي..
كانت البراءة تنسحب تدريجيًا من وجهها..
وتفسح المجال لشيء آخر.. شيء مشوه..
وجنتاها تهويان.. وعيناها المتوهجتان كحجرتين كريمتين كانتا تغوران في محجريهما كحفرتين بلا قاع..
وشفتها تنطبقان كجرح خاطتها يد قاسية بالإكراه..
كان في حضورها شيء لا يُنذر بالخطر.. بل بالحقيقة..
ثم.. ومن دون مقدمات.. رفعت يدها..
لم أدرك غايتها..
لكن قبضتها كانت تأسر وميض نصل باهت ارتعش في ضوء عمود الإنارة فأخبرني بما يكفي..
كانت سكين مطبخ..
لوّحَت بها.. ثم غرستها في خاصرتي بجفاء..
وكأنها لا تطعن جسدي.. بل تاريخي..
فعلتها بسرعة لم تترك لي فرصة للشعور بالألم..
كنت مصدومًا ولكنني لم أصرخ.. لم أستطع الصراخ..
تراجعت مترنحًا أقبض على السكين بيدي المرتجفة..
أحاول أن أوقف النزيف.. وأن أفهم ما الذي يحدث.. ولماذا..
لكن جسدي لم يصمد ثانية أخرى.. فهويت..
ثم فتحت عيني..
إنارة المكتب الخافتة ورائحة التبغ التي أعرفها جيدًا كانت أول ما أدركته..
أنفاسي تتلاحق كمن خرج للتو من تحت الماء.. والعرق يغمر جبيني وكأن جسدي حاول النجاة من موتٍ مؤقت..
يبدو أنه حلمٌ جديد.. كابوس وليس حلمًا..
استيقظت لأجد نفسي حيث غفوت..
كنت على كرسيي في مكتبي المظلم..
الأوراق مبعثرة أمامي.. المصباح شاحب..
والمنفضة ممتلئة بأعقاب السجائر..
كل شيء كما هو عادةً..
عدا عن نبضاتي التي تتسابق فجأة..
مسحتُ جبيني أتمالك أعصابي.. ثم نظرتُ للساعة..
كانت عقاربها تقترب من الثالثة فجرًا..
والواجب رغم كل شيء لا يزال يناديني..
_______________________________________
<<Marissa's POV / وجهة نظر ماريسا>>
أنا الآن.. مجرد روح..
لا يسعني تصديق أن الروح يمكن أن تكون مجردة حتى..
أوليست الجوهر فينا هي روحنا؟..
لماذا أصبح الجسد مهمًا الآن؟..
إنه فقط.. وسيلة تواصل واتصال في هذا العالم..
انتقالي من جسد لآخر.. يعني انتقائي لوسيلة تواصل..
لكن الشعور المألوف في جميع الأجساد.. جعلني أدرك.. أن الجميع لديهم نقاط مشتركة..
الألم.. الخيبة.. اليأس.. ثم الكبت.. ويليه الخضوع..
الخضوع للأمر الواقع..
لكنني لن أكون خاضعة هذه المرة أيضًا..
ليس في هيئتي الجديدة.. والتي تمنحني بعض الامتيازات.. يمكنني توضيح الحقيقة وإذاعتها عبر أذن الجميع..
لم أكن شخصًا مهمًا في هذا العالم..
لكنني لن أكون شخصًا يتحدث عنه الجميع بالسوء..
لا يمكنني الذهاب بينما أسمع أصوات همسهم حولي..
ذلك المحقق المدعو بأدريان.. هو الذي بدأ الأمر برمّته..
وعليه إنهاؤه بنفسه..
حاولت مرارًا.. وسأستمر بملاحقته.. لا يهمني إلى متى..
فأنا لا أمتلك شيئًا سوى الوقت..
________________________________________
<<Adrian's POV / وجهة نظر أدريان>>
"أنا لم أنتحر.."
تلاحقني تلك العبارة في كل مكان..
إناث في مختلف الأعمار يرددنها..
تجاهلتها.. في العمل.. في متجر البقالة.. في المشفى..
وفي العيادة عندما ذهبت لزيارة طبيبة نفسية وقد رددتها بدورها..
أتوهم.. لا بد أنني أفعل.. ما من مبرر آخر..
"أنا لم أنتحر؟.. ما الذي يعنيه ذلك؟"
رشقت ما أملكه من مياه في يدي فوق وجهي..
وجمعت قبضتي أسفل الصنبور مجددًا..
كررت ذلك.. لأزيل الصداع من رأسي..
والاضطراب من روحي..
وربما الأوهام من عيني قد تزول كذلك..
"آدي.. العشاء جاهز"
سمعت صوت والدتي تناديني من المطبخ..
جففت وجهي وتوجهت نحوها..
كنت بخير بمجرد رؤيتها..
قبّلتُ يدها..
وسحبت لها الكرسي لتجلس..
ثم جلست أمامها على المائدة..
شرع كلانا بتناول طعامه.. كل شيء كان بخير..
ولكنني.. ربما أصبت بالجنون..
لأنني شعرت بها تحدق بي بغرابة لبعض الوقت..
تجاهلت الأمر لبعض الوقت.. ولكن في النهاية نظرت لعينيها..
كانت تمسك سكينها في اليد اليسرى والشوكة بيمناها..
وتنظر نحوي بارزة الأعيُن.. كنت أمضغ ببطء.. وأراقبها..
في البداية كنتُ أرفع حاجبي باسطًا ملامحي..
عقدتهما لاحقًا دون أن أدرك ذلك..
ابتلعتُ لقمتي بصعوبة..
كانت دقيقة تحولت لدقيقتين.. ولكنها لم ترف جفنيها..
ملامحها طبيعية هي فقط.. متجمدة..
"أمي؟.."
قلت.. ولم تجبني..
"هل أنتِ بخير؟"
صوت زفيرها وشهيقها كان عاليًا مما قلل من خوفي عليها.. ولكن الصوت ذاك أصبح أكثر علوًّا.. وأكثر غرابة..
وكأنها تئن.. أنين غاضب..
"أمي؟.."
كررت النداء..
لا يبدو بأنها تعاني من نوبة قلبية أو شيء من هذا القبيل.. هي فقط تبدو غاضبة بطريقة مترعة بالرهبة..
حتى بالنسبة لرجل بالغ مثلي..
"أنا لم أنتحر.."
خافقي يهدر بصوت مرتفع.. ضجيجه جعلني أسأل..
"ماذا؟.."
"قلتُ لك بأنني.. لم أنتحر.."
الكلمة الأخيرة أخرجتها كصرخة مبحوحة..
هذه ليس والدتي حتمًا..
يا إلهي إنني أتوهم مجددًا..
لا بأس بتخيل الأمر يحصل لجميع إناث العالم..
لكن ليس والدتي..
لم أنبس بحرف..
وكانت عيناها تتلطخان بالحمرة لتحديقها بي دون رمش..
فجأة بدأت دموعها بالإهراق..
تسيل على وجنتيها.. لتعبر فوق شفتيها المقفلتين..
"هل أنتِ.. بخير؟"
لا أعلم حقًاً.. إن كنت أسأل والدتي أم شخصًا آخر بداخلها..
لكنها.. عادت لتصدمني..
حيث رفعت يدها التي تقبض على سكين الطعام بها ووضعتها على مقربة من عنقها..
وقفت بسرعة أحاول إمساك يدها لكن صراخها التحذيري المفاجئ أوقفني كما لو أنه أعاقني..
"إياك والاقتراب.."
أكملَت بتهديد..
"أنتَ لا تريد أن أزهق روحًا عزيزة عليك.. هل تفعل؟"
شعرت بأوردتي توشك على الانفجار..
وأسناني التي تكتز ببعضها يكاد صوت احتكاكها يصبح مسموعًا..
ثم أخذت نفسًا.. واعتدلت بجلستي..
بدلاً من الهروب والتجاهل.. قررت أخيرًا مواجهة الأمر..
سأقول عن نفسي لاحقًا بأنني جننت عندما سألت بجدية..
"من أنت.."
ابتسمت والدتي التي تحوي كائنًا في داخلها..
والذي يتحكم فيها بوضوح..
لم تجبني فحررت سؤالاً آخر..
"ماذا تكون؟.."
ماذا قد يكون؟.. هل هو جني؟..
ربما قرين والدتي.. أو قريني أنا تحاول إزعاجي..
أم هذه روح عمتي التي تشاجرت مع والدتي قبل وفاتها..
رغم عدم إيماني بهذه الأمور في الحقيقة..
لكنني كنت أنتظر جوابًا..
والذي حتمًا لم أتوقعه أن يكون شيئًا مثل..
"أنا ماريسا.."
قالت.. فطرحتُ نفسًا ضاحكًا بعد وهلة..
وأكملتُ باستهزاء واضح..
"لا أعتقد بأن اسمك يكفي للتعريف عن نفسك.. إذ لم أسمع باسم ماريسا من قبل هل أنتِ نجمة شهيرة؟.."
مهلاً لحظة.. ماريسا.. ماريسا.. أعرف ذاك الاسم..
لكن أين..
كنت أحدق بمكان ما بشرود أستذكره..
واثق بأنني أعرفه..
وفجأة تذكرتها..
نظرت لعينيها المحتدتين بالجاحظتين خاصتي..
"لا يعقل.."
"أجل.. تلك الفتاة هي أنا.."
"كيف.."
سؤال واحد.. بكلمة واحدة..
هذا كل ما استطاع لساني حياكته من كلمات..
إذ كنت شبه عاجز عن النطق.. والتصديق..
لم أستطع التحكم بتعابير وجهي ربما للمرة الأولى في حياتي..
تلك الفتاة ماريسا التي استدرجت أصدقاءها للغابة لتنتحر أمامهم..
ما الذي تفعله فيداخل منزلي؟..
اقصد في داخل والدتي..
"أعلم ما الذي تفكر فيه.. وأعلم بأن التصديق صعب عليك..
في الواقع لا زلت لا أصدق أنني هنا..
الأمر جديد بالنسبة لي أيضًا.."
نطقَت.. وصوت والدتي لم يكن مناسبًا لكلماتها..
"ما الذي تريدينه.. لقد رحلتِ بإرادتك و.."
"لم أرحل بإرادتي.."
صاحَت بعويل صدح في المطبخ وكأن الجدران كادت تتحطم له..
كانت صرخة مدوية انتفض لها جسدي..
صوت لا يمكن لحبال صوتية لعجوز كوالدتي أن تخرجه..
ملامحي انكمشت بتلقائية وأغمضت عيني بقوة..
وضعت يدي أغطي أذني..
لوهلة كنت لأشك بأنني أصبت بالصمم..
"قلت بأنني لم أنتحر.. قلت لك بأنني لم أنتحر"
"حسنًا حسنًا.. فقط اصمتي.."
"أنا لم أنتحر.."
كانت تردد بصوت مرتفع بتفاوت ما بين النحيب والنواح.. وكنت أحاول مجاراتها..
ولكن صوتي لم يكن شيئًا أمام خاصتها..
فجأة.. توقفت عن الصراخ..
ومن ثم وقعت والدتي أرضًا.. ووقع قلبي رفقتها..
هرعت نحوها.. تفقدتُ تنفسها ونبضها..
كان كل منهما منتظمًا..
"أمي.. هل أنتِ بخير..؟"
كنت أحتوي رأسها فوق فخذي كوسادة لها..
أطبطب على وجنتيها بقلق.. ثم أمسكت كوب مياه كان في منتصف الطاولة..
وبدأت أرش قطرات منه على وجهها..
ولحسن الحظ.. تجعدت ملامحها..
حملتها إلى غرفتها..
هي لا تعي أي مما حدث معها..
أخبرتها بأنه ربما انخفاض في السكر كان السبب في فقدانها للوعي..
____________________________________________
بقيت أفكر بالأمر ليومين متتاليين..
أنظر حولي بريبة.. نحو كل أنثى تحط عيني عليها..
أشعر وكأنها ستأتي مجددًا.. في جسد جديد..
"مرحبًا.."
كنتُ أجلس في المطعم.. أتناول غدائي..
قبل أن تقتحم فتاة من العدم المقعد الفارغ أمامي..
وأذنت لنفسها بالجلوس..
"عذرًا؟.."
رفعت حاجبي الأيسر..
لتقوم هي بتشبيك أصابعها ببعض بتوتر..
حدقت بي ثم بأناملها عدة مرّات..
بعينيها البحريتين.. اللتان أغرقتاني لوهلة..
كان لونهما وكأن زرقة السماء امتزجت بإحدى الغابات..
لينتج عن تلك العملية لون واحد..
عندها تذكرت عيني المرحومة ماريسا..
كانت مشابهة تمامًا لهذه..
رغم أنني أبغضها بشكل لا يوصف..
إلا أنني عاجز عن إنكار فتنتها..
الفتاة امامي تتسابه معها بالعيني فقط..
وإما شعرها الأحمر كان يعكر صفو السلام في هدوئها..
وكأنه تهديد بإحراق الهدوء واستبداله بشلالات من الحمم..
شلالات انسابت فوق كتفيها وصولاً لخصرها الأهيف..
إنها كالفتاة التي رأيتها في إحدى كوابيسي..
وقد قالت أيضًا..
"أنا حقًا لم أنتحر.."
بهدوء.. وتردد.. على غير عادتها..
فسألتها ببرود..
"ماريسا.."
همهمَت هي بإيجاب..
وهززت رأسي وكأنني أتفهم ولكنني في الواقع ضجرت..
استأنفت تناول شريحة اللحم خاصتي..
وبقيت هي تحدق بي..
"جائعة؟.."
أجابت بعد تفكير..
"لا أدري.."
"هل تودين طلب شيء ما.. إنه على حسابي.."
قلتُ بأدب.. لا أدري لمَ..
رغم أنني توعدت لها بالعديد من الشتائم عند رؤيتها..
ولكنني أجد نفسي أقل شراسة مما أريد أن أكون..
"لا شكرًا..
كانت هذه الفتاة تتناول طعامها قبل أن أسرق جسدها..
لذا لا أعتقد بأنها جائعة.."
رفعت حاجبي معًا وأنزلتهما بوتيرة سريعة كالرمش..
وهززت رأسي عدة مرات..
وكانت تلك حركة لا إرادية عبّرت عن تعجبي الساخر حيال كل ما يجري..
"إذًا أيتها الماريسا التي لم تنتحر..
هل اعتدت دخول أجساد الجميع بينما يتناولون طعامهم؟.. هل هذا هو المفتاح؟.."
سألت قبل أن أضع قطعة لحمٍ في فمي وأبدأ بمضغها..
كانت الأجواء الدافئة وألحان الجاز الرومانسية تناقض مائدتنا تمامًا..
إننا هنا.. كمحقق.. وضحية..
أو علي القول.. روح تلك الضحية..
"لست واثقة من ذلك تمامًا ولكنني أعتقد بأن قدرتي مرتبطة بشكل وثيق بالحالة النفسية للشخص الذي أزوره.."
"شخص؟.. إذًا بإمكانك دخول أجسام الرجال كذلك؟.."
"أجل.. دخلت عن طريق الخطأ لمرة واحدة.."
افترّت مني قهقهة طفيفة..
"أتساءل من ذلك المسكين.."
أمسكت كوب العصير أمامي وارتشفت قليلاً..
"لقد كان أنت..
دخلت لجسدك سيد أدريان.."
لم تدم كلماتها في أذني ما يزيد عن ثوانٍ قبل أن أبصق محتوى فمي لهول صدمتي..
التقطت منديلًا ورقيًا ومسحت فمي وما تلوث من وجهي المصدوم..
وسألتها لأتأكد من قدر فهمي للموضوع..
"يمكنك العبور خلالي!!.. والدخول لجسدي؟.."
أومأت هي بإيجاب..
فتباعدت شفتاي عن بعضهما..
فكي ربما كان ليلتصق بالأرض لولا التصاقه بوجهي..
دامت صدمتي قليلاً..
ثم زالت فحاولت تغيير الموضوع..
"ما الذي تريدينه مني بحق ذلك الجحيم الذي أتيت منه.. همم؟.."
"كما قلت.. أنا لم أنتحر.. لم أستدرج أصدقائي..
لستُ عاشقة للاهتمام أو ساعية للانتباه..
لستُ ماريسا التي يتهمها الجميع بتلك الصفات.."
ضربت الطاولة بقبضتي..
ولكنها كانت ضربة خفيفة فقط لأنقل لها بعضًا من التوتر والغضب الذي يجتاحني..
"وما شأني أنا..
هل أبدو لك كشخص يهمه أمر انتحار فتاة بائسة مثلك؟.."
"ظننت أنك شخص قاسٍ..
ولكنني الآن تأكدت من ذلك.."
لا أدري لما تذوقت بعضًا من الخيبة في صوتها..
لذا أردفت بسطحية..
"توقفي عن التظاهر بالاستياء.."
"يبدو بأنك لم تفهم قصدي بعد سيدي المحقق..
أنت لم تحقق جيدًا في قضيتي..
والنتيجة كانت كارثية.. ثم تقول 'ما شأني'..
أنت تدين لي بكشف الحقيقة لهذا العالم.."
"وهل تهتمين بآراء الناس لهذه الدرجة؟..
ثم تقولين 'لست عاشقة للاهتمام'.."
علمت أن كلامي استفزها..
لأن ما فعلته تاليًا هو ضرب سطح الطاولة بقوة أكبر مما فعلته أنا سابقًا..
ومن ثم مالت بجذعها العلوي برفقة وجهها المكفهر..
تهسهس بنبرة تخالط التهديد بها مع اليأس..
"أنت لا تريدني أن أدخل جسد والدتك وأقوم بقطع أصابعي واحدًا تلو الآخر باستخدام سكين صدئ..
أو أن أفعل كل ذلك عبر بثٍ مباشر في مواقع التواصل..
هل تفعل؟.."
والآن تبدو كالفتاة الممسوسة التي هي عليها..
الاهتياج الذي يعصف داخلها.. عبّرت عنه بشكل جيد عبر ملامحها الرقيقة..
عليَّ القول..
لم أر وجهًا أشد غضبًا واحتدامًا من هذا سوى أمام المرآة..
قهقهتُ بخفة..
"ما الذي تحاولين فعله الآن؟.. هل تهددينني.."
"لا.. أنا فقط أطلب منك معروفًا بطريقة لا يمكنك رفضها.."
أجابت بسرعة بنبرة لعوبة..
بينما تقوم بجمع يديها بتكتف فوق صدرها..
ويبدو أن هدوئها عاد فقد ذاعت في تعابيرها إمارات الارتياح..
فدفعت الطبق الذي كان أمامي أبعده عني..
-فأنا بالطبع لم تعد لدي رغبة في تناول الطعام حاليًا..
لأنني تخيلت كيف ستقطع أصابع يديها بالسكين كما ذكرت سابقًا-
ثم أشرت للنادل كي يحضر لي مشروبًا كحوليًا..
"أحضر لي شيئًا قويًا جدًا..
شيئًا يساعدني على احتمال الثرثرة التي قررت أن تقتحم وقت استراحتي بكل جلافة.."
أومأ لي وغادر..
عندها أعدت نظري إلى روح ماريسا التي تتطفل على جسد الفتاة الفاتنة أمامي..
"إذًا من الذي تسبب في موتك؟..
من هو المجرم.. أم هل هم مجموعة؟..
هل أجمعهم لكِ معًا في قبو وأقيم محاكمة اعتباطية؟!.."
جلستُ ببعض الأريحية.. أقوم بتقليد تكتيفها المغرورة..
فغادر ثغرها زهزقة منخفضة الصوت..
وكأنني ألقيت عليها دعابة..
وفي الواقع لم أكن أمازحها..
أنا مستعد لفعل أي شيء فقط لأتخلص منها..
"عليك معرفة القاتل بنفسك..
ربما أخبرك لو وجدتَني أقل فظاظة في المرة القادمة..
وتوقف عن التظاهر بكونك صعب المراس.."
ثم استمالت باتجاهي وأكملت بهمس..
"أنتَ حتى لديك وشم سرّي بشكل فراشة..
أيها القوي الشرس.."
وضعت إبهامي وسبابتي فوق العقدة بين حاجبي..
وتنهدت بقوة.. أحاول تمالك أعصابي..
وإخفاء -ارتباكي بشأن الوشم الخاص بحبيبتي السابقة- تحت ملامحي الكالحة..
"حسنًا.. سأساعدك.. لكن توقفي عن التدخل في شؤوني..
هذا تطفّل مرفوض هل فهمتِ؟.."
"ماذا؟"
رفعت حاجبها.. لا أدري كيف استطاعت أن تقلب الطاولة علي..
لقد كنت أنا هو الشخص المتبجح منذ دقائق..
وهي المتوسلة..
أدركت بأنها لا تزال تنتظر مني أن أطلب بصيغة أقل تسلطًا.. وما كان في يدي حيلة..
فحمحمت..
"أعني.. آمل لا تدخلي لجسدي مجددًا.."
أشرقت ابتسامتها عند سماعها لكلماتي..
ثم اعتدلت بقامتها واقفة..
ستغادر أخيرًا..!!
"سنلتقي قريبًا..
وعذرًا لا أمتلك هاتفًا في الوقت الحالي.. تعلم.."
"أجل بالطبع.. أنتِ لا تمتلكين جسدًا حتى..
لن أقوم بالحكم عليكِ..
فقط غادري.."
كلماتي الأخيرة كانت بالطبع تمتمة فقط..
لا أعتقد بأنها سمعتها بينما تسير مبتعدة..
لم أطل بقائي من بعد رحيلها..
احتسيت كوبين من الفودكا منتظرًا انتهاء هذا الكابوس..
ولكنه لم ينته..
جزء مني لا يصدق أي مما يحصل وأعتقد بأنني يجب أن أخضع للرقابة بحق..
______________________________________
-2430✔-
تم في 10\9\2025..
______________________________________
أتمنى أن يكون الفصل مفهوم.. 🌸🗿
إنه لقائهما الأول باختصار..
وكيف طلبت روح ماريسا من المحقق كشف الحقيقة خلف موتها.. أجد أن البعض قد يشعر بالارتباك..
لذلك أعيدوا القراءة منذ البداية وحتى "نهاية البارت رقم 3" (البارت القادم).. في يوم واحد لتكون الأفكار جميعا مرتبة في عقولكم💋
سأنشر البارت رقم 3 اليوم أيضاً..
أنا فقط أقوم ببعد التدقيق الإملائي له..
.
.
.
تفضّلوا بعض من قبلات الوداع (💋⁹⁵⁷+)
.
.
.
.
tw_masa