قبل أي شيء شكراً لك عزيزي القارئ لدخولك هذه الرواية..
إنها من أكثر أعمالي أهمية بالنسبة لي!
.
ولا تنسى كتابة تاريخ اليوم الذي عثرت به على هذه الرواية؟..
_______________________________________
مقدّمة:
.
.
.
(ملاذٌ من ضباب)
.
.
.
لو أن رجلاً غريباً يفعل ما يفعله هو لكان بإمكاني الهروب منه بسهولة واللجوء للاختباء في منزلي.. ولكن.. أين يمكن للمرء أن يهرب عندما يود الاختباء من والده..؟
_______________________________________
.
.
.
"لا تزال كومة الحيوانات مستغرقة في النوم؟"
صدح صوته عميقاً في أذني، عميقاً في الداخل.. اختطفني من سباتي بلمح البصر.. فتحت عينَيَّ بعنف.. شعرتُ لوهلة بأنها ستنبثق خارجاً..
إنها تحرقني لأنني لم أُغلقها مجدداً.. نسيتُ كيف أُغمضها كما نسيتُ كيفية التنفس..
أشكر الله لأن خافقي يعمل بتلقائية وإلا لكنتُ جثة الآن.. مهلاً.. لربما هذا حقاً ما أبتغيه..
وعيي ليس مكتملاً..
جزء من تفكيري لا يزال يتم إعادة تشغيله لأتذكر أين أنا ومن أنا..
لا زالت روحي تنفصل عن الوهم الذي دار في رأسي عندما كنتُ نائمة.. حلمي لا تزال بعض آثاره معي..
"أين هي البهيمة الكبرى؟.. في فراشها؟"
تحدث بصوت مرتفع أرسل تيارات رعب تغلغلت مختلطة بدمائي.. أصبحت جزءاً مني..
ورغم كوني لستُ حقاً مستيقظة..
إلا أن دماغي ساعدني وأمرني بالتحرك بسرعة.. ربما لم يكن دماغي، ربما كان الرعب هو ما يحركني.. كنتُ الزومبي..
ابتعدتُ منتفضة بسرعة عن السرير وكأنما تيار كهربائي قد اخترقه.. وكأنه فجأة أصبح مصنوعاً من الحمم.. وكأن فرشي أصبح هلاكي..
ابتعدتُ مسافة معتبرة.. وبعينيَّ الضبابيتين والمفتوحتين بشكل مبالغ به كنتُ أُحدق بباب الغرفة..
بينما أصغي لوقع خطواته الهوجاء التي تقترب من موقعي..
كنتُ واقفة فقط في زاوية الغرفة..
أرتجف..
وعيناي المحترقتان بدأتا بالنزيف..
نزيف مالح عديم اللون..
قلبي أصبح صاخباً بداخلي.. شيء ما يخبرني بأنني سأُدهَس بعد قليل بمخلوق عملاق.. ذلك ما كان يدور في ذهني..
-وكما يفعل دائماً-.. قام والدي باقتحام الغرفة..
ليست غرفتي بل غرفتنا.. أنا وشقيقاتي الثلاث..
حاملاً بيده قارورة مياه يمكنني التنبؤ بكونها باردة إذ إن البخار يتكثف عليها.. ويغطيها..
نظر إلي وكأنه غير راضٍ عن كوني لن أكون ضحيته اليوم.. لن يوقظني، بل وجدني مستيقظة..
وللتو فقط تذكرت أمر شقيقاتي..
نظرتُ لهن.. كل واحدة تغفو في زاوية مختلفة من الغرفة ذاتها..
"ألم تستيقظ بقية البغال؟"
أغلق الباب خلفه.. يا إلهي.. سيفعلها!
اقترب من شقيقتي الصغرى بينما يزيل غطاء القارورة.. ثم بدأ بسكب محتواها فوق رأس شقيقتي التي لطالما كان نومها أعمق من خاصتي..
راقبته بصمت وكأنني وُلدت بلا لسان..
بل بلا فمٍ حتى.. لأنني أشك بأنني قادرة على زفر أي هواء منه..
كنتُ أُجاهد.. لا أتنفس..
بل كنت أُجاهد لأتنفس..
أراقبه يتنقل بين أخواتي واحدة تلو الأخرى.. يقوم بتوزيع كميات من المياه الباردة فوق رؤوسهن..
وكنّ يصرخن بفزع..
فزع لم يكن يتسلل عبر أصواتهن إليّ..
بل..
كان يُضخ بداخلي عبر قلبي..
امتلأت الغرفة بأصوات تفاوتت ما بين الدهشة والخوف والتذمّر..
لم أكن أُصغي بدقة لما يقولونه..
لم أكن أهتم سوى بأن يبقى رأسي جافاً!..
وكأن نقطة واحدة ستكون كفيلة بجعلي أفقد صوابي..
"تعالينَ أيتها البدينات.. اجلبنَ لي الملح.. جميعكن.."
حدق بي عندما نطق بكلمته الأخيرة..
أجل..
يوقظنا لنجلب له الملح..
إنه أمر عادي مقارنة بما يطلبه في العادة..
ورغم مغادرته للغرفة.. إلا أنني لا زلتُ أُحدق بالباب.. ولا يزال هو طالباً بمجيئنا بسرعة..
ولا تزال أصوات التذمر من شقيقاتي تتعالى حتى أصبحت سلسلة من الشتائم الباهتة..
شتمته أيضاً..
ولعنته..
ومن ثم أغمضتُ عينَيَّ أسمح لمحتواها بالخروج.. فقد كانت دموعي تنحصر في مدامعي طوال هذا الوقت وكأنما ستنفجر إن لم تخرج في الحال..
سمحتُ لبعضها بالتسرب..
وبقية الدموع أوقفتُ خروجها لعلها تنساب للداخل بشكل عكسي حتى تصل إلى ذلك القلب بين أضلعي فتنخفض حرارته..
"أين أنتُن.."
صرخ بقوة مجدداً لينتشلني صوته من شرودي..
فهرعتُ بسرعة..
بل هرعنا..
وأمسكنا جميعنا علبة الملح..
كلٌّ منا تلمس جزءاً منها.. وقدمناها له..
يمكن وصف الأمر بالجنون.. ولكنه ليس كذلك..
إنه فقط عبودية على النهج الحديث..
بعد المشهد المألوف ذاك..
تلاشينا بين أرجاء المنزل..
كلٌّ منا تنظف أو تفعل شيئاً ما..
كانت والدتي تدير تلك العملية بعدم حيلة..
عندما أُتيحت لي الفرصة عدتُ إلى السرير حتى أجلب هاتفي المحمول وأضعه في الكهرباء لتمتلئ بطاريته..
ففي النهاية هو كل شيء جميل في حياتي..
بل هو حياتي..
وبينما أنا كذلك انتابني فضول في معرفة الوقت..
كانت الساعة الثامنة صباحاً حسبَ ما كُتِب على الشاشة..
أي أن حفل الترهيب الصباحي كان ربما في السادسة أو السادسة والنصف..
ففي ذلك الوقت تقريباً تنتهي مناوبة والدي في عمله الليلي.. ليأتي بعده ويكمل عمله كآلهة بدوام جزئي في المنزل..
ونحن بالطبع عبيده..
شقيقاتي الثلاث.. وأنا.. وشقيقاي.. ووالدتي..
جميعاً..
عباده..
ربما هي حقيقة كوننا نطفته في المقام الأول هي ما يخيل له تلك الأفكار..
____________________
في كل مرة أنظر للمرآة أرى عينيه تنظران إليّ..
ليس وصفاً مجازياً وكأنني أتخيل عينيه لشدة رعبي..
لا.. بل عيناي أنا..
عيناي التي ورثتها عنه..
والتي هي نسخة طبق الأصل عن خاصته..
شيء ورثته منه.. يجعل من فكرة كوني متبناة أو ربما ابنة رجل آخر مستحيلة مهما بلغت رغبتي في تصديقها..
ففي نهاية الأمر وحتى الآن.. بعد مضي اثنين وعشرين عاماً على وجودي.. لا زلت لا أصدق بأنني جزء منه..
ذلك الوحش.. هو والدي..
وأنا أحمل دماءه في عروقي..
أفكار كتلك تنتهي بنوبة غضب داخلي تجعلني أفكر مراراً بطرق للتخلص من حياتي..
طرق عديدة..
لا يهم كم هي مؤلمة..
لا تهم عواقب فعلها وكوني سأنبذ في الجحيم..
فهي تصبح فكرة لذيذة بعد صيام من الألم والقمع والتعنيف..
فعندما تعيش كفأر تجارب لفترة..
يصبح التفكير في عواقب الانتحار آخر شيء تفعله..
وتصبح الفكرة في جوهرها الأصلي أقرب ما تكون للواقع.. وأقرب ما تكون للصواب..
منطقي..
الانتحار هو الحل..
التفكير بذلك منطقي..
وتنفيذه أكثر منطقية بعد..
والفضل بكل هذا يعود له..
والدي.. سندي.. منقذي.. ملاذي..
ربما هذه هي الصفات التي يفترض أن تكون ملحقة
بكلمة 'والدي'..
ولكن في حالتي أنا.. من وجهة نظري..
هو ليس أي ملاذ..
هو بالنسبة لي ملاذ من ضباب..
ضباب كثيف..
وُضِعت وإياه في قفص زجاجي بلا منافذ..
أنا وهو فقط..
ينتشر حولي..
لا لشيء سوى بَثِّ الرعب في داخلي..
بل ربما هدفه الحقيقي هو اقتلاع روحي واستبدالها بغيمة من ضباب الهلع..
لأن في رأيه الخوف هو العنصر الأساسي..
الخوف منه ومما قد يفعله بنا عندما يغضب هو ما يديم سيطرته علينا..
على أطفاله..
عذراً.. أقصد عباده..
____________________
أعتقد أن بعد كل هذا..
يتوجب علي الآن طرح السؤال السابق ذاته..
أين يمكن للمرء أن يهرب عندما يود الاختباء من والده..؟
أين.. أو.. لمن عليَّ اللجوء؟..
.
.
.
.
___________________________________________
-1013✔-
تم في 17\8\2025..
___________________________________________
أي استفسار؟
آرائكم تهمّني.. انتقاداتكم 'البنّائة' أيضاً..
.
.
.
.
سيتم توضيح كل شيء مع الوقت..
و شكراً.. ♡
tw_masa