الجو أصبح لطيفًا مؤخرًا، وداخل المنزل أصبح باردًا أكثر من اليوم الفائت، أي أن الشتاء اقترب أكثر.
نظرت إلى الأعلى فالشمس ما زالت موجودة لكن أشعتها لم تعد تلسع مثلما اعتادت أن تكون في الأسبوعين الماضيين..
مضت أربعة أيام منذ أن استيقظ الرجل الضخم، ومضى ثلاثة عشر يومًا منذ أن رحل الشاب ذو الشعر المجعد.. أو هذا ما أظنه، فالتفكير في الأمر يجعل رأسي يؤلمني أكثر. حكّت الفتاة مؤخرة رأسها وأطلقت نفسًا ثقيلًا.
خرج صوت من داخل المنزل، كانت نينا.
"هيذر، أأنت بالخارج؟ ماذا تفعلين؟"
فردت عليها
"أتشمّس قليلًا، أحتاج إلى المحافظة على لمعاني."
ثم بعد أن قالت ذلك شرعت للدخول ماشية على مهلها، تفكّر بهذه الأيام قبل أن تجلس بجانب نينا...
كان أخ نينا يصطاد الكثير هذه الأيام بدون أن يرتاح بشكلٍ مساوٍ، وكان أيضًا يسحب معه الشاب ذا الشعر الأسود بشكلٍ متكرّر..
سحبت نينا كمّ كفّها بحركة متكرّرة قبل أن تسألها
"ما الأمر؟ أنتِ هادئة للغاية."
نظرت هيذر نحو نينا..
"أكان أخيك ذا لون عيون ذهبية؟
فهو الآن يبدو نصف أخ لك ونصف أخ لذاك الشخص ذا الشعر الأسود."
رمشت نينا عدّة مرّات.
"لا؟ فعينا أخي ذات لون -" توقفت قليلا تفكر بعمق.
"ما كان لونهم مجدّدًا؟"
نظرت هيذر نحو الفتاة المسكينة..
"ربّما سألت السؤال الخاطئ."
رمت هيذر رأسها للخلف مستندة على الأريكة أكثر، وخلفها على طاولة الطعام كانت كوين جالسة على أحد كراسي طاولة الطعام الخشبية.
تقرأ نفس الكتاب للمرة الألف.. أو أكثر.
وبجانبها كان شخصًا مهيب المنظر، رجوليًّا وضخمًا للغاية..
في الأيام السابقة وبسبب انشغاله بالصيد نمت لحية أخ نينا، لم تكن كثيفة لكن هذه أول مرة يجعلها تنمو إلى تلك الدرجة.
وكان يتكلم مع كوين بصوت منخفض..
وفي منتصف الطاولة... كانت هناك ثمرة ممتلئة يبدو أنها عصارية للغاية، طرية جدًّا، لونها فاقع بجمالية فنية كشيء لا ينتمي إلى شق العالم الغادر..
مجرد النظر إليها كان يجعل فم هيذر يمتلئ باللعاب، جوع غريب.. بدائي، لا يشبه الرغبة بالطعام.
لكن السبب في أنها لم تفعل هو أن الشاب ذا الشعر الأسود كان يمنع الجميع ما عدا نينا من الاقتراب منها، لسبب أو لآخر فقد كان متشنجًا قليلاً.. لكن سرعان ما يعود الى نفسه الهادئة..
وعلى ذكر صاحب الطباع الرزينة، دخل من الباب وهو ينظر إلى طاولة الطعام نحو الصحن ثم نحو الرجل الملتحي.. مشى بخطوات قوية نحو كوين ثم ضرب الطاولة بكف يده.
"آنسة كوين، أبإمكانك منحي لحظة؟"
رفعت كوين رأسها لكنها لم تجد الوقت الكافي للنطق بشيء لأنه بالفعل سحبها نحو الدرج.
أخذت كوين نظرة سريعة نحو هيذر التي بدا أن نينا تهمس شيئًا في أذنها.
ثم نحو أخ نينا الذي كان ينظر نحوهم بعيون ملتهبة..
وفي الأعلى، داخل الغرفة التي تتشاركها الفتيات، أوصد الشاب الباب بصوت خفيف ثم التفت نحو كوين..
التي كانت تنظر إليه بدورها، رفعت حاجبها.
"ما الأمر؟"
تبادل نظراتها..
"ما قاله لكِ، إنها كذبة."
أخذت كوين خطوة للأمام.. اقتربت من وجهه بشكل كبير.
"وكيف تعلم ذلك؟"
تلعثم الشاب..
"لأنه.. قد وعدني بتلك الأشياء أيضًا.."
نظرت إليه بشكل رافعة حاجبها.
"لا أصدقك."
نقر الشاب بلسانه.
"لمَ؟ ألا تظنين بأن قربه الفجائي منك وتخليه عن هيذر بكل تلك البساطة أمرًا مريبًا؟"
أزاحت بعينيها بعيدًا.
"أنت محق، لقد.. سمعت محادثتكما أنت وهيذر ذلك اليوم، عن كونها صاحبة عائلة وكيف قالت بأنها ستخبره عندما يستيقظ، وربما هذا يفسر اقترابه مني.. لكن تخطيه للأمر بسرعة مريب... كما أن هيذر لم تقم بإخباره."
اتسعت عيناه.
"كنتِ تستمعين؟!"
سعلت كوين.
"ليس وكأنكما كنتما متحفظين بأصواتكما!"
بعد لحظة من الصمت أزاحت بعض خصلات شعرها إلى خلف رأسها.
"لم تخبرني بسبب سحبك لي بعد." ابتسمت بشكل عريض، "أتريد بعض الوقت معي لوحدنا لهذه الدرجة؟ أوه، أأنت غيور؟ كم هذا لطيف." كان تعبير وجهها لطيفاً رغم انحطاط كلامها.
"أيسمح لي بهذا؟" سأل بتعبير من الدهشة والحماس لكنه هز رأسه.
بملاحظة تعابيره ضحكت.
"في البداية لقد بدوت كالفزاعة أو الروبوت بتعابيرك المسيطر عليها والمتشددة، أما الآن فأنت تصبح كالبشري أكثر فأكثر.. منذ أن استيقظ أخ نينا كان يتصرف مثلـ..." سكتت.
أحست بشيء خاطئ، من كان؟ .. ماذا؟
أمسكت رأسها، كان الصداع لا يطاق.
كلما ربطت فكرتين أو لاحظت شيئًا ليس في محله بدأ وكأن رأسها يرفض هذه الأفكار أكثر مما سبق.
مدّ يده نحوها ممسكًا بخدها وساحبًا إياها من خصرها نحوه، شهقت وهي تنظر إلى شفاهه التي تقترب منها.. أغمضت عينيها على الرغم من أنها لا تعلم لمَ لم تكن تقاومه.
لكن في النهاية توقف ولم يكمل، اكتفى بلمس أنفه بأنفها.
"اعتذر عن فعلي لكن أتمنى بأن فعلي قد قطع سلسلة أفكارك المؤذية."
رمشت كوين عدّة مرّات، حسنا بالفعل قد ساعدها الأمر لكنها نوعًا ما تشعر.. بخيبة أمل؟ تنهّدت.. ونظرت إلى شفتيه ثم رفعت رأسها لتلتقي بعينيه.
"لا.. لا بأس لا داعي، أشكرك."
سحبت نفسها من بين ذراعيه لتخطو إلى الخلف.. تنظر نحو الأسفل.
تنحنح الشاب..
"لابد أن الآنسة نيونافا قد أخبرت السيدة هيذر بالفعل، حان وقت الذهاب خارج المنزل."
أعادتها الفكرة نحو وجهه.
"ماذا؟ نذهب؟ لمَ؟"
شابك أصابعه سويًّا.
"قبل أن يستقر الشتاء بشكل كامل.. يجب عليكم الهرب من هذا المكان، فوهم الأمان سينتهي. جهّزت لوازم لكم لتكفيكم طوال الطريق نحو مسافة شاسعة بأي اتجاه، أو هذا ما أمل."
خطت خطوة غير واثقة للأمام.
"لكم؟ ليس لنا؟"
لم يقل شيئًا فقد فتح الباب وبدأ يذهب نحو الدرج لينزل..
انزعجت من عدم حصولها على إجابة فلحقت به.
لكن عندما نزلت رأت هيذر تحمل بعض الحقائب، ونينا بجانبها ممسكة بطرف كم قميصها.
بهذه السرعة؟ فكّرت.. منذ متى يجهّز للأمر..
فتحت فمها لتطلب تفسيرًا لكن قبل أن يأتي أي نوع من هذا الكلام قاطعهم صوت من الخلف داخل غرفة خلف الدرج.
صوتًا أجشّ أثقل من المعتاد يعود لرجل ضخم الجثة ملتحٍ يحمل فأسًا في يده.
"ماذا يحدث؟ لمَ الجميع يرتدي الأمتعة؟"
سأل بلمحة من الفراغ والملل كأنه يعرف الإجابة بالفعل.
وقف الشاب أمامهم وأمسك كوين من ذراعها ساحبًا إياها في اتجاه باقي الفتيات.
"كان هناك بعض توت العليق في الشجيرات القريبة من التل أردتُهم أن يحضرونها لنصنع مربى منهم!" بكل صدق وبراءة.
فنظر إليهم وإليه
"بكل تلك الأمتعة لشجيرات توت قريبة من مكان مكوثنا؟ ألم تكن خارج التل لمَ لم تأتِ بهم بنفسك؟"
خطا خطوة للأمام نحو المجموعة فتح فمه ناطقًا باسم معين.. أمسك الجميع -ما عدا الشاب آذانهم من قوة وحدة صوت الاسم.. كان اسمًا لم يجدر ولم يجب عليهم سماعه.
فتح الرجل الضخم فمه.
"أتظن بأنك ذكي أيها الهجين؟ لمَ تحاول سلب نعمة الأم لهذه المخلوقات؟"
بلع الشاب ريقه بتوتر ثم فتح فمه الجاف.
"أنا أحاول مساعدة رفاقي.. من اهتم لهم!.. هم رفاقك أيضًا! لكن أرى بأن الأمر قد قضي بالفعل."
أخذ الشاب خطوة للأمام ثم صرخ للجميع بالمغادرة.
أثناء ذلك تقدّم الرجل الملتحي للأمام، بدأ أن الفأس قد التحم بذراعه وبدأت العديد من الشقوق تظهر على جلده الشاحب.
لكن لم يكملوا مشاهدة ذلك المنظر خوفًا على سلامتهم العقلية المهددة أصلًا.
وأثناء ركضهم خارجًا و بعد سماع صوت اهتزاز و ارتطام من داخل المنزل قامت هيذر بإمساك نينا ووضعها فوق ظهرها بينما أخذت كوين أغلب الأمتعة التي تحملها هيذر لتساعدها في تحمل وزن الفتاة العمياء، وهم يتجاهلون ما بقي خلفهم أرادوا الرجوع وإنقاذ الشاب لكن بدا الأمر خاطئًا وكأن عودتهم لن تكون حميدة كما يبتغون.. فقد غلب عليهم الشعور بالخوف.
اهتز المنزل مرة أخرى هازًّا معه التل بقوة أكبر، لم يلتفتوا للخلف ولم يبطئوا خطاهم..
وهناك عند حافة التل بعد نزولهم خطت هيذر أول الخطوات خارج حدوده، فصفعتها موجة برد قوية جعلها تتوقف في خطاها.. لقد كانت الأرض أمامها مليئة بالثلج وما زال العالم من أمامها يثلج بعنف متقد.. نظرت إلى الوراء إلى التل.
كان هادئًا، وليس هذا فقط.. التل مشمس؟
كان مشمسًا ومسالمًا كما أعتادوه ان يكون.
لكن لم يكن هناك وقت كافٍ للتفكير، ولم يعد بمقدورها إنزال نينا لأن الأصوات داخل المنزل قد هدأت وأيًّا كان من خرج من هناك فسيتبعهم. فركضوا واستمروا بالركض.
في مواجهة العاصفة من أمامهم وما كان خلفهم.
ثم تذكرت هيذر لمَ الشتاء في هذا المكان المقيت مقزز.. لم يكن الشتاء فصلًا كما هي فصول السنة.. بل كانت عاصفة هوجاء تحطم ما أمامها بلا هوادة تاركة خلفها أثر الدمار والبرد القارس.. رائع الآن احتاجوا أن يجدوا طريقًا للالتفاف حول هذه العاصفة اللعينة!!
لكنها تذكرت.. أثناء صيد السمك قد أخبرها الشاب عن العاصفة؟ أو هذا ما ظنته هيذر لأنها وجدت نفسها ترشد كوين من خلال بعض الأماكن التي يبدو أنها تعرفها كما لو انها تحفظها عن ظهر قلب خلال الغابة.
ومع النصيحة الوحيدة التي بقيت في رأسها والتي نقلتها لكوين بصوت واضح و عالٍ
"تجنبي النظر إلى القمر مهما كان!"
ركضوا مبتعدين عن التل..
لم ينتشلهم أحد، سيذهبون للعثور على حريتهم!!
***********
كان التلّ مسالمًا للغاية، يمكن سماع بعض أصوات العصافير فوق أغصان شجرة فوق ذلك التلّ.
وكان هناك مجموعة من الأشخاص يصعدون التلّ بتعب واضح على وجوههم. في الأمام كان هناك شخص ضخم الجثمان طويل للغاية، على الأقل يبدو بأنه يصل إلى مئتي سنتيمتر بكل سهولة، بجسد مشدود وقويّ وشعر أشقر محلوق بشكل خفيف، يحمل فوق أكتافه شابة قصيرة بشعر ذهبي حريري يلمع ويتطاير مع الريح الخفيفة التي تنبعث من داخل التلّ.
بجانب الرجل الضخم كان هناك فتى ذو شعر بنيّ مجعد يصل طوله إلى قرب معدته، كان يثرثر بشأن معين. ومن الجانب الآخر كان هناك شابّ آخر يصل طوله إلى صدر الرجل الضخم، ذو شعر بلون الكتان وعينان ضيقتان سوداوان يختلف مع صاحب الشعر الأشعث.
من خلفه كانت فتاة تشبهه بشكل جدًّا كبير، شعرها يغطي نصف وجهها، يبدو عليها الاتزان وهي تستمع إلى محادثة الشباب أمامها.
خلفهم كانت هناك امرأة سمراء ذات عيون عسلية تسخر من صاحب الشعر البني وآرائه ثم تعود لتلدغ الآخر بكلام يضيف وقودًا إلى نارهم.
وبجانبها كانت فتاة ذات شعر كستنائي متموج تستمع باهتمام ومتعة وتعطي بعض الأفكار للمرأة السمراء بجانبها.
وخلفهم وهو الأخير كان هناك شاب ذو شعر أسود غرابي وعينان زمرديتان جميلتان، ينظر نحو الجميع بابتسامة صغيرة.
صعدوا جميعًا التلّ، ويا لمفاجأتهم لقد وجدوا منزلًا به غرف لربما ستسمح لهم بالمكوث هنا لفترة طويلة إلى أن تأتي المساعدة.
كانت الغرف نظيفة ومرتبة لكن آثار الغبار موجودة مما يضع احتمالية بأن المكان متروك بالفعل.
لكن الأكثر إثارة هو أن هناك حديقة كاملة حول المنزل وبها العديد من الخضار الموجودة على الأرض!
أو على الأقل كانت موجودة.
وكان هناك شجرتان واحدة تحمل ليمونًا والأخرى.. كانت الأخرى تحمل ثمرة واحدة فقط.
اقترب أحدهم من الشجرة، كان ذو الشعر الأسود الغرابي والعينين الزمرديتين.
نظر إلى الفاكهة التي لم يرَ لها مثيلًا ثم قطفها ليتذوقها.