الجميلة و الوحش

الجميلة و الوحش

17 0

كانت نينا جالسةً على الكرسيّ الهزّاز، تمشّط شعرها الذهبيّ بأصابعها الناعمة، عيناها مغمضتان، وقدماها تتحرّكان ذهابًا وإيابًا في حركةٍ هادئةٍ متكرّرة كأنّها تهدهد نفسها.

أمامها مباشرةً، جلست كوين على الأريكة بالمقلوب رأسها يتدلّى نحو الأرض، شعرها الكستنائيّ المتموّج ينسدل كستارةٍ داكنةٍ تصل إلى الأرضيّة الخشبيّة، وقدماها مستريحتان بسلامٍ على مسند الظهر.

قميصها ذا الألوان المبهرجة ساقط قليلاً الى الاسفل يكشف عن شريطٍ رقيقٍ من بشرة بطنها الناعمة التي تتلألأ تحت أشعّة الشمس المتسلّلة.

كانتا جالستين بصمتٍ مطبقٍ لمدّةٍ من الوقت، لا كلام، لا حركةٌ زائدة، مجرّد وجودٍ مشتركٍ في الغرفة التي تتنفّس بهدوء.

أشعّة النور تتداخل من بين الستائر والنوافذ، ترسم خطوطًا ذهبيّةً رقيقةً على الأرض والجدران، وحفيف الورق مسموعٌ من الخارج مع تغريد بعض العصافير التي تغنّي بسعادة.

كسرت كوين الصمت أخيرًا، صوتها خفيضٌ ومسترخٍ كأنّها تتحدّث إلى السقف أكثر من نينا

"كيف انتهى بنا الأمر في منتصف العدم؟"

تنهّدت قليلًا، ثم أضافت

"أتظنّين بأنّ الآخرين بخير؟ ديزموند وماي؟"

توقّفت أصابع نينا ببطءٍ عن تمشيط شعرها، ونظّفت حلقها بهدوء قبل أن تجيب نبرتها مليئة بالحنين.

"بالتأكيد... ديزموند قويٌّ وماي ذكيّةٌ للغاية. كنت لأتمنّى لو كانا معنا أيضًا."

تحوّلت نظرة كوين نحو نينا وهي تتكلّم، ظنّت للحظةٍ أنّها سمعت اسمًا ثالثًا، فهزّت رأسها لتصفّي ذهنها، وبينما فعلت ذلك أضافت نينا بهدوء.

"هذه المنطقة غريبةٌ حتّى بالنسبة لهذا العالم... ولكن حسنًا... لم نأتِ إلى هنا بمحض إرادتنا، فلا عجب أنّنا قد افترقنا، ولكن أيضًا وقعنا هنا."

أومأت كوين برأسها، وهي لا تزال معلّقةً بالمقلوب، يداها تلاعبان خصلات شعرها بلا هدف

"نعم... أنتِ على حقّ. أتمنّى أنّهما قد وصلا إلى مكانٍ آمنٍ وليس منطقة موت."

عاد الصمت مجدداً لكنّه لم يعد ثقيلًا كالسابق، كانّ الاثنتين تتقاسمان الهمّ نفسه.

*******

"أأنتِ جادّةٌ بشأن دورن؟"

سألت نينا وهي تفتح عينيها المغمضتين، كانت عيناها الزرقاوان عديمتا الحياة تعكسان الضوءَ المتسلّلَ من الستائر كأنّهما مرآتان فارغتان.

ارتجفت كوين... شفاهها الممتلئتان الجميلتان تفتحان وتغلقان في محاولةٍ يائسةٍ للعثور على بعض الكلمات. تحرّكت بشكلٍ غير مريحٍ أثناء وضعيتها الغير مريحة أصلًا، ثم سقطت على الأرضيّة الخشبيّة بصوتٍ مكتوم.

أمالت نينا رأسها بعد سماع صوت الارتطام.

"أأنتِ بخيرٍ، كوين؟"

بصوتٍ متألّمٍ قليلًا وهي تمسك بجانبها

"نــ نعم... فقدتُ توازني."

ضحكت نينا قليلًا، ضحكةً خفيفةً رقيقةً كأنّها تهدئ طفلةً

"جلوسكِ بالمقلوب هكذا سخيفٌ من البداية."

"هاه؟"

نظرت كوين نحو نينا بدهشةٍ، لم تخبرها بأنّها جالسةٌ هكذا؟

"نعم... أمرٌ... سخيف."

عيناها تحومان بأتجاه الفتاة العمياء بشدّة.

أمّا الفتاة الصغيرة فقد بدأت بتمشيط شعرها مجدّدًا

"إذًا؟ أأنتِ جادّةٌ؟ أم شعورُ كونكِ عالقةً فوق تلٍّ ما جعل عقلكِ يدور؟"

منزوعةً من الحروف المناسبة للردّ، وقفت كوين بهدوءٍ من الأرض، تفكّر بينها وبين نفسها، مسلّحةً وجهها بابتسامةٍ مهذّبةٍ

ما الأمر مع لهجتها؟ ليس وكأنّنا قريبتان بما فيه الكفاية، أو حتّى صديقتان كما هو الحال بين الجميع. أعلم أنّني دخيلةٌ افترقت عن مجموعتها لتعلق معهم... لكن... لقد مرّ الكثير من الوقت منذ أن علقنا معًا هنا، ألا يجب أن تكون لطيفةً وجميلةً كالدمى؟ بالواقع هي لطيفة و جميلة كالدمى ... فلمَ ليست معي؟

تردّدت للحظةٍ، ثم رمت نفسها نحو الأريكة جالسةً هذه المرّة بشكلٍ طبيعيٍّ، متدلّيةً قليلًا نحو الأسفل.

"أنا في حيرةٍ من أمري... لا أعلم لمَ أفكّر هكذا وأدفع نفسي تجاه دورن الذي لا يعطيني اهتمامًا ولو للحظة... لكن كلّما أمعنتُ النظر وكلّما مرّ الوقت، كلّ ما أفكّر فيه هو أسيظهر أحدهم فعلًا؟ فيبدو أنّ لا أحد منّا يتذكّر الوقت بشكلٍ جيّدٍ.

أتعلمين كم مرّ من الوقت، نينا؟"

هزّت الفتاة رأسها بالنفي ببساطة.

تنهّدت كوين بنفسٍ ثقيل

"أرأيتِ؟ قلتُ لكِ... فبدأتُ أفكّر بعد أن تحطّمت جميع أحلامي، وبما أنّ المكان هنا آمنٌ فأنا سأكون مرساةَ الجيل القادم."

قهقهت الفتاة العمياء بعد سماع كلامها المملوء بالفخر- أو ما شعرت بأنّه فخر فنظرت كوين إليها بازدراء، وحينها فتح الباب المؤدّي للخارج…

دخلت هيذر وهي تتذمّر بصوتٍ عالٍ

"أنتما يا فتيان تجعلان عمليّات الصيد بمنتهى السهولة!! بجدّية.

يا ويلي، لن أعتاد على غرابة الخارج أبدًا!"

"آه، مرحبًا بعودتكِ هيذر"، استقبلتها نينا بابتسامةٍ صغيرةٍ رقيقة.

"يو، الفتيات الشجاعات والجميلات! ما الذي تفعلنه؟ تنقلان سرّ جمالكما بالسرّ؟ كلام حبّ؟ دعوني أقدّم لكنّ بعض الحبّ إذًا"، أشارت نحو المطبخ.

"سوشي! اصطدنا السمك اليوم. وهذا هو كلّ الحبّ المسموح لي قانونيًّا أن أعطيه لكما."

صفقت نينا وهي تضحك بصوتٍ خافتٍ لهيذر، أمّا كوين فأدارت عينيها، لكنّ هناك لمحةً من المتعة فيهما مع ارتفاع زاوية فمها قليلًا.

وفي النهاية دخل شابٌّ بعيونٍ ذهبيّةٍ لامعةٍ وشعرٍ أسود طويلٍ مشدودٍ إلى الخلف بلونٍ أسود كريش الغربان. يحمل سمكتين في يدٍ وفي الأخرى سلّةً، وخلف ظهره صنّارات الصيد، يبدو أنّه تمّ استخدامه كحمالٍ.

"لكنّكِ لم تفعلي شيئًا يا سيدة هيذر... كنتِ تتكاسلين فقط على جانب البحيرة"، قال الشابّ يحاول أن يبدو مهذّبًا قدر الإمكان.

"أوه، بحقّك أيّها الوسيم، سأعدّ العشاء، لذلك تمّ توزيع المهام بشكلٍ جيّدٍ للغاية إن طلبتِ رأيي."

تبسّمت هيذر وهي تتمشّى نحو المطبخ مشمرةً ساعديها.

مشى الشابّ نحوها وبدأ بوضع الأغراض على الخزائن ليساعد هيذر، فرفضت وطلبت منه أن يستريح، لأنّها الآن – وبعد مرور عدّة ساعاتٍ من الصيد أصبحت تشعر بالشفقة لما فعلته به.

كانت كوين تنظر إلى هذا المشهد ربّما أكثر ممّا يجب، عيناها تحوم نحو الشابّ بلمعةٍ خفيفةٍ من الفضول…

تنهّدت داخليًّا، تنهّدةً طويلةً صامتةً.

هيذر لا تكذب... فهو وسيمٌ للغاية كذلك.. لكنّه رقيق؟ وعلى الرغم من ذلك فهو يعتمد عليه بشدّة.

ثم عبست، هي محاطةٌ بالوسيمين!! سابقًا والآن في كلّ مكانٍ الجميع حقًّا حقًّا جميلون للغاية، وهذا جعلها لا تبرز كثيرًا.. إذًا أهذا هو السبب؟ لأنّها محاطةٌ بالفتيات الجميلات فهي لا تبرز كثيرًا؟

نظرت إلى يسارها بمحيط عينها وليس بالبؤبؤ بشكلٍ مباشر نحو الفتاة القصيرة.

تبدو نقيّةً، جميلةً، رقيقةً كدميةٍ خزفيّةٍ يعتزّ بها العالم بنفسه.

ثم فعلت الشيء نفسه نحو اليمين.

هيذر... متناسقةٌ، قويّةٌ، مشدودةٌ، يُعتمد عليها.

كأنّها سيدة الحرب لكن بنفس الوقت فيها ذاك الجمال الخلّاب الذي لا يمكنك مقاومته، كأنّها خُلقت لتُقدَّس وتُحَبَّ من قبل الجماهير.. سيدة الحبّ والحرب؟

هزّت رأسها ونظرت بجانبها بشكلٍ مباشر.. جلس الشابّ بجانبها.

صُدمت لوهلةٍ وضاعت للوهلة الأخرى.. كيف يكون هذا عادلًا؟؟

لعنت وصرخت داخليًّا، تلوم حظّها بأكثر من طريقةٍ وشكل.

"آنسة كوين، أهناك شيء يشغل بالك؟"

جعلها السؤال تخرج من فقاعة رأسها للأفضل ربما...

"أوه لا شيء، فقط أفكر كيف أنك وهيذر أصبحتما مقرّبين للغاية."

سألت بابتسامة بسيطة.

من المطبخ يمكن سماع ضحكة هيذر، كانت قصيرة وهادفة إلى السخرية من كوين بشكل مباشر.

سعلت نينا ونهضت من مكانها وسحبت كوين من كم قميصها.

"ساعدي هيذر في المطبخ، أليس هو تعبًا بما فيه الكفاية جسديًّا؟"

"لا بأس."

تكلم الشاب بتعبير مبتسم ولطيف.

لكن كوين نهضت، نقرت بلسانها ثم عبثت بشعر الشاب وبشعر نينا من بعده، وذهبت بخطى واضحة نحو المطبخ لتساعد السمراء الجميلة في صنع طبق من طيات التاريخ.

نظرت نينا نحو الشاب... أو حسناً، قلدت ما هو مشابه للنظر كي لا يشعر بالغرابة من حولها، وبدت أنها تريد الكلام معه.

لكن الشاب نهض وذهب نحو الحديقة.

"سأجمع بعض الخضار من الحديقة."

أومأت الفتيات.

جلست الفتاة العمياء في مكانها بعد أن تم التخلي عنها، تمشط شعرها الذهبي بيديها.

في الحديقة بجانب المنزل، الشمس كانت ساطعة أكثر من اللازم.. أليس من المفترض كون الشتاء قريبًا؟

ذهب الشاب ليأخذ بعض الخضروات من الحديقة متنقلًا بين صفوف المزروعات يأخذ ما هو بحاجة إليه بخفّة ومهارة.

ومن ثم تجمّد.. هناك من مكانه رأى شيئًا.

كانت ثمرة معلّقة على الشجرة الأخرى التي كانت بجانب شجرة الليمون.

كانت الثمرة ممتلئة، حمراء، مستديرة وكبيرة.

و تحت قشرتها البديعة بدأ و كأنها تتحرك بلطف.. كنبضات القلب.

كان هناك إحساس بالصداع ينبع من رأسه كلّما أمعن النظر بها لكن بنفس الوقت.

يريد حمايتها بشدّة، بل نشرها بكل مكان!

تردد للحظة، بعض العرق البارد تجمع على جبينه.

بعد فترة أجبره الصداع على إزاحة عينيه بعيدًا ثم مشى نحو المنزل بتعبير ثقيل وقاتم.

عندما دخل كان المنزل مليئًا بالضحكات والهمسات الخفيفة.

فلم يمانع هذا الجو اللطيف، بدأ بغسل الخضار والتحضير لعمل سلطة خفيفة لكنّه على الفور تمت إزاحته من المشهد كما يقال ليرتاح قليلًا.

بعد الغداء المتأخّر.. تبادلوا بعض الحكايات عن مناطق نشوئهم وطفولتهم.. ثم بهدوء نظرت كوين إليهم.. وفكرت ،

أنا حقًّا.. سعيدة بوجودي هنا معهم...

تبسّمت.

بين صخب كلامهم وسعادة أفكارها.

لم يحصلوا على مثل هذه الفرصة للكلام و الاستمتاع بوقتهم ربما منذ حوالي الاسبوع أو نحوه من الوقت ، عندما غادر شخص بشعر بني اشعث من الباب الامامي..

كانوا يستمعون لحكايات هيذر التي كانت تطلق نكات سيئة و احيانا بذيئة بوجه مستقيم لكن ما المانع؟ حتى و ان سمعوا هذه القصص مسبقا او بدأ عليهم الاحساس الغريب بالديجافو لقد كانوا يعيشون حياتهم - و ان لم تكن بأفضل مكان في شق العالم الغادر ، الا انهم احبوا المكان هنا.

احست هيذر بنظرات كوين فسألتها.

"ما الأمر؟ أكانت النكتة سيئة لهذه الدرجة؟"

هزت كوين رأسها نافية.

"فقط افكر بأننا قد اعتدنا هذا المكان بسهولة ، بالاحرى كأن لدينا الفة نحوه وهذا غريب"

حكت هيذر مؤخرة رأسها، "حسنا ، هذا ليس بغريب نظرا للوقت الذي قضيناه هنا"

ضربت كوين بكفيها الطاولة مما تسبب بافزاع الفتاة الكفيفة المسكينة.

"و هذا هو بيت المشكلة، ليس هناك مقدار وقت أكيد على وجودنا هنا"

فتحت هيذر فمها لترد لكن الشاب ذو العينين الذهبية قال ببساطة.

"ليس تماماً ، لأننا هنا منذ حوالي 1027 يوم"

تحولت انظار الجميع إليه و لم يقل احد كلمة واحدة لفترة من الوقت.. لكن، كانت هناك خطوة ثقيلة على الدرج، ثم أخرى وأخرى. نزل جسد عملاق من الطابق الثاني.. شعره الأشقر المحلوق كان أشعثًا من الوسائد ويتحرّك ببطء ميكانيكي كأنّه لم يحرّك جسده منذ عدّة أيّام.

كان الجسد شاهقًا ضخمًا مليئًا بالرجولة العنيفة والصارخة على الرغم من ارتدائه لملابس نوم ذات ألوان لطيفة.

نزل الآن على الأرض بالكامل أمام الجميع، اتّسعت عيون هيذر التي نهضت بتعبير متفاجئ وركضت نينا نحو مصدر الصوت بسرعة لتحتضن الشخص بقوّة.

لم تلتفت كوين بسرعة لكنّها نظرت للأعلى إلى حيث كان الشاب ذو العيون الذهبيّة واقفًا، للحظة كانت مستعدّة أن تقسم بأنّها رأت عبوسًا على وجهه قبل أن يتشوّش إلى ابتسامة صادقة واسعة فرحة لرؤية أحد أصدقائه.

وبعدها التفتت كوين ونظرت إلى الجسد الشاهق الذي بعد أن عانق أخته بضراوة.. فرحت كوين! لقد استيقظ؟! أخيرًا استيقظ... من؟ ما كان اسمه؟ ضربت موجة صداع قويّ رأسها جعلها تترنّح..

في تلك الأثناء مشت الجثّة الضخمة نحو الباب وفتحته ثم نظر نحو الشاب ذو الشعر الأسود الغرابي وقال بصوت أجشّ تعب

"لنذهب للصيد."

كانت عيناه تلمعان بالشرر.. عيناه الزرقاوتـ... الذهبيّتان؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تل مُصفر

المؤلف Leo
2026/03/21 مكتملة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة