في قلبِ سهلٍ أرضُه مسطّحةٌ تمتدّ إلى ما لا نهاية، مجرّد خطّ أفقٍ مستقيم يفصل بين الأرض الباهتة والسماء الواسعة.
وفي وسط هذا الفراغ المطلق، يرتفع تلٌّ واحدٌ وحيد، كتلةٌ ترابيّةٌ مستديرةٌ بلطف، مغطّاة بعشبٍ جافٍّ في معظمه، يميل إلى اللون الذهبيّ الشاحب تحت شمسِ الصيف التي لا ترحم.
وعلى قمّته بالذات، يقف المنزل.
بيتٌ ذو طابقين، قديمٌ يحمل آثار الزمن على جدرانه.
الطابق السفلي مبنيٌّ من قرميدٍ رماديّ كثيف، حجارةٌ صلبةٌ تبدو وكأنّها انتُزعت من أرضٍ بعيدةٍ منذ عقود، مليئة بالشقوق الدقيقة والطحالب الخفيفة في الزوايا المظلّلة.
أمّا الطابق العلويّ فيغلّفه قرميدٌ أحمر باهت، لونه يميل إلى الصدأ الدافئ، كأنّ الشمس حرقته سنين طويلة حتّى صار جزءًا من التلّ نفسه.
السقف مائلٌ قليلًا، مغطّى بصفائح قديمة تئنّ مع الرياح، ومدخنةٌ رفيعةٌ تخرج منها أحيانًا نفَسٌ خفيفٌ من الدخان.
حوله، حديقةٌ بسيطةٌ متواضعة، لا تتجاوز بضع عشرات الأمتار.
خَضِرةٌ تغلب عليها نباتات الخضار.
صفوفٌ منتظمةٌ من الطماطم المتدلّية، الكوسا المنتشرة على الأرض، بعض أعواد الفاصولياء المتسلّقة على أعمدة خشبيّة مهترئة، وبقعٌ من الخسّ والسبانخ تتمايل برفق.
ليست حديقةً فاخرة، بل أرضٌ صالحةٌ للعيش، تُروى بماءٍ قليلٍ من بئرٍ قريبة أو مطرٍ نادر.
وفي طرف الحديقة، شجرتان قديمتان.
إحداهما شجرة ليمونٍ عتيقة، جذعها ملتوٍ ومتشقّق، أغصانها كثيفةٌ ومُثقلة بثمارٍ صفراء صغيرةٍ تتلألأ تحت الشمس، رائحتها الحامضة تصل إليك حتّى لو كنتَ على بعد خطوات. أمّا الشجرة الأخرى فهي لغزٌ صغير جذعها أسمك، أوراقها أكبر وأغمق، لا ثمر ظاهرٌ الآن، ربّما تفّاحة برّيّة، أو توتٌ قديم، أو ربّما شيءٌ آخر لم يعد يُثمر منذ زمن.
ظلّها يمتدّ فوق جزءٍ من الحديقة، يحميها من حرّ الظهيرة.
المنزل يبدو هادئًا. النافذتان في الطابق العلوي مغلقتان، ستائرهما بيضاء باهتة تتحرّك أحيانًا كأنّ نسمةً خفيّة تمرّ من الداخل. الباب الخشبيّ في الأسفل مفتوحٌ قليلًا و من البوابة الخارجية للحديقة شخص يقترب للدخول الى المنزل خطواته بطيئةٌ على الأرض الجافّة، تترك أثرًا خفيفًا في التراب الذهبيّ.
لا يُرى وجهه بوضوح بعد، فالشمس خلفه تحول دون تمييز ملامحه، لكنّ جسده يتحرّك بثباتٍ يوحي بالاعتياد على هذا الطريق الطويل الوحيد. يحمل شيئًا في يده سلّةً كبيرة و في الاخرى حقيبةً جلديّة مهترئة.
*****
كان داخل المنزل ينفتح على غرفةٍ واسعةٍ نسبيًّا تشغل معظم الطابق السفلي، غرفةٌ تجمع بين المطبخ وغرفة الجلوس في انسجامٍ بسيطٍ عفويّ.
الضوء يتسلّل من نافذة صغيرة مطلّة على الجانب الآخر من الحديقة يمرّ عبر ستائرٍ قطنيّةٍ بيضاء باهتة، فيرسم خطوطًا ذهبيّةً رقيقة على الأرضيّة الخشبيّة البالية، التي تئنّ تحت الخطوات بكل تعب.
الجدران من الداخل مغطّاة بطبقةٍ رقيقةٍ من الجصّ الأبيض المتشقّق هنا وهناك، تكشف عن لمساتٍ من الحجر الرماديّ الأصليّ في بعض الزوايا.
سقفٌ منخفضٌ نسبيًّا، خشبيٌّ مكشوف، عوارضه الداكنة مليئة بعقدٍ قديمةٍ وآثار دخانٍ خفيفٍ من سنوات اعتداء المدفأة عليه.
في الوسط، مدفأةٌ حجريّةٌ كبيرة، لهبها الآن خامدٌ، لكنّ رمادها لا يزال دافئًا قليلًا، يحمل رائحة الخشب المحترق الممزوجة برائحة الليمون الخافتة.
أمامها أريكةٌ جلديّةٌ بنيّة مهترئة في الأطراف، مغطّاة ببطانيةٍ صوفيّةٍ مخطّطة بالأحمر والأزرق، وكرسيّ هزّاز قديم ، و واحد صوفي يبدو مشابهة الاريكة بالشكل.
على الطاولة الخشبيّة المنخفضة بينهم، كتابٌ مفتوحٌ على صفحةٍ صفراء، وبجانبه كوبٌ شايٍ باردٍ نصف فارغ.
إلى اليسار، المطبخ بشكله البسيط طاولةٌ خشبيّةٌ كبيرةٌ عليها سلّةٌ من الخضار الطازجة طماطمٌ حمراء، كوسا خضراء، حفنة من الليمون المقطوف حديثًا وسكّينٌ صغيرٌ متروكٌ بجانب لوح تقطيع.
خزاناتٌ خشبيّةٌ مطليّة بلونٍ أزرق باهت، بعض أبوابها مفتوحة تكشف عن أوانٍ فخاريّةٍ وصحونٍ بيضاء بسيطة. موقدٌ قديمٌ من الحديد الزهر يقف في الزاوية، وفوقه قدرٌ نحاسيٌّ معلّق.
أمّا الدرج، فيبدأ من الجهة اليمنى، درجٌ خشبيٌّ ضيّقٌ مائلٌ قليلًا، درجاته متآكلةٌ من كثرة الاستعمال، يؤدّي إلى الطابق العلويّ حيث الظلام أكثر كثافة، ولا يصل إليه إلا ضوءٌ خافتٌ من نافذةٍ صغيرةٍ في الأعلى. من هناك، يأتي صوتٌ خفيفٌ جدًّا…
على طاولة الطعام الخشبيّة الكبيرة في المطبخ، جلست فتاةٌ سمراء طويلة القامة، ساقاها الطويلتان تتدلّيان من حافة الطاولة بلا مبالاة.
وجهها الأسمر الأملس الجميل يحمل تعبيرًا متسلّيًا، كأنّها تشاهد مسرحيّةً تُعرض أمامها.
عيناها العسليتان تشعان بمتعةٍ خفيّة، شبه ساخرة، وهي تنظر نحو غرفة الجلوس مباشرة، كأنّها تنتظر اللحظة التي ينفجر فيها شيءٌ ما.
بجانبها، على أحد الكراسي الخشبيّة البسيطة، تجلس فتاةٌ قصيرة القامة، وجهها الخزفيّ البهيّ جامدٌ كتمثالٍ من الرخام. عيناها الزرقاوان الشاحبتان تنظران نحو الأفق وإن لم يكن هناك أفقٌ حقيقيّ داخل الغرفة كأنّها ترى عالمًا آخر بعيدًا عن هذا المكان.
شعرها الأشقر الطويل المنسدل يغطّي كتفيها ويمتدّ نحو الجزء الأمامي من جسدها، وهي تسرحه ببطءٍ آليّ بأصابع يدها اليمنى، حركةٌ متكرّرة كانت تفعلها دائما بين الحين والآخر.
على الجانب الآخر، في غرفة المعيشة، يقف فتىً متوسط الطول، شعره البنيّ الأشعث يتطاير قليلًا مع حركة رأسه. وجهه المليء بالنمش يحمل تعبيرًا غريبًا، مزيجًا من الدهشة والتوتر والشيء الذي لا يُسمّى.
يشير بيده نحو الفتاة التي تقابله، جالسةً على الكرسي الهزّاز القديم.
تلك الفتاة، ذات الشعر الكستنائيّ المتموّج الطويل الذي ينسدل على كتفيها وظهرها، عيناها السوداوتان اللامعتان مثبتتان على الباب الخشبيّ المفتوح قليلًا، كأنّها تنتظر دخول أحدٍ. وجهها الجميل يغلبه تعبيرٌ مليء بالملل والازدراء المكبوت، شفتاها الممتلئتان مشدودتان في خطٍ رفيع. مرتديه بذلة سباحة نسائية داخل المنزل، لكنه يكشف جسدها بشكلٍ مبالغٍ فيه درجةً أو أكثر تاركةً معظم بشرتها عارية تحت الضوء الذهبيّ الخافت الذي يتسلّل من النافذة. جلستها على الكرسي الهزّاز تبدو متعمّدة الاسترخاء خارجيا.
فصلت شفاه الفتى أولاً، وهو لا يزال يشير بإصبعه المرتعش نحو الفتاة على الكرسي الهزّاز.
"كوين!! ماذا ترتدين بحقّ؟"
صوته مرتجفٌ، مزيجٌ من الصدمة والغضب المكبوت و الحرج، ثم أضاف بسرعةٍ كأنّ الكلمات تتسابق لتخرج
"هذا ليس زيًّا لائقًا داخل المنزل بحقّكِ! استري نفسكِ!"
رفعت كوين حاجبًا واحدًا ببطء، وهي لا تزال جالسةً في وضعيتها المتراخية، شعرها الكستنائيّ المتموّج يتدلى على كتفيها العاريين. ابتسمت ابتسامةً خفيفةً مليئةً باللامبالاة، ثم أجابت بصوتٍ هادئٍ و بارد.
"الجو حارٌّ للغاية يا آندرو! بجدّية، أشعر أنّني سأذوب هنا في أيّ لحظة."
وبينما كانا يتجادلان صوته يرتفع تدريجيًّا وهي تردّ ببرودٍ متعمّد جاء من الخلف صوتٌ مكتومٌ، كأنّ أحدهم يحاول كبح ضحكةٍ بكلّ قوّته.
انتبهت الفتاة القصيرة لذلك الصوت فورًا. دارت رأسها نحو الطاولة، وجهها الخزفيّ البهيّ يتجهّم قليلًا، عيناها الزرقاوان الشاحبتان تبحثان في الاتّجاه الصحيح بغريزةٍ دقيقة.
"هيذر؟" سألت بصوتها الرقيق الذي يحمل لمحةً من الغضب اللطيف، "ماذا جعلتِ كوين ترتدي هذه المرّة؟"
نظرت هيذر الفتاة السمراء الطويلة إليها، والشمس المتسلّلة من النافذة تعكس على بشرتها السمراء الجميلة بريقًا ذهبيًّا خفيفًا. حافظت على وجهٍ مستقيمٍ تمامًا، محاولةً بكلّ ما أوتيت من قوّة ألا تنزلق الضحكة من بين شفتيها.
"أوه، عزيزتي الصغيرة نينا..." بدأت تقول بصوتٍ هادئٍ، متعمّد الجدّية، "كانت تشكو من الجوّ الساخن والحرارة، فقمتُ بإعطائها زيًّا مناسبًا. لم أتوقّع أن يؤثّر على الشخص الخاطئ على الرغم من ذلك~"
كانت الكلمات الأخيرة تخرج ببطءٍ محسوب، وهي تضغط على شفتيها الداخليّتين بقوّة لتمنع الضحكة من الانفجار. عيناها العسليتان تلمعان بمتعةٍ خبيثة، وهي تنظر إلى آندرو الذي بدأ وجهه يحمرّ أكثر فأكثر، ثم تعود بنظرها إلى كوين التي رفعت كتفيها بلا مبالاة كأنّ الأمر لا يعنيها.
آندرو يقف متجمّدًا، إصبعه لا يزال مشيرًا، وكأنّه لا يعرف هل يستمرّ في الصراخ أم يلتفت إلى هيذر التي تكاد تنفجر من الضحك المكبوت.
نينا تميل رأسها قليلًا، وشعرها الأشقر يتمايل مع الحركة.
وكوين... كوين فقط تبتسم ابتسامةً صغيرةً، وتعدّل جلستها على الكرسي الهزّاز بحركةٍ بطيئةٍ متعمّدة، تجعل القماش الخفيف يتحرّك قليلًا على بشرتها.
في تلك اللحظة بالذات، انفتح الباب الخشبيّ القديم بصوتٍ خفيفٍ ممزوجٍ بصرير المفصلات الصدئة، ودخل أحدهم.
كان شابًّا طويل القامة، بشرته شاحبةٌ كأنّها لم ترَ الشمس منذ أيّام، وشعره الأسود كالغراب مبلّلٌ تمامًا، مربوطٌ إلى الخلف بشكلٍ مهملٍ على هيئة كعكةٍ فوضويّةٍ تتساقط منها قطرات الماء على كتفيه.
عيناه الصفراوتان نعستانٌ ومتعبتان بشدّة، كأنّه لم ينمّ منذ ليالٍ، رغم ذلك كان يمسك بيده اليمنى سلّةً من القشّ المبلّلة، وباليسرى حقيبةً جلديّةً ثقيلةً تبدو قديمةً ومُستعملةً كثيرًا.
توجّهت نظرات الجميع نحو الباب فور دخوله حتّى نينا الصغيرة، رفعت رأسها نحو مصدر الصوت والرطوبة التي بدأت تنتشر في الهواء الدافئ.
بعد خطوتين أو ثلاثٍ داخل المنزل، أحسّ الشابّ بنظراتهم الثاقبة، فرفع عينيه قليلًا وابتسم ابتسامةً صغيرةً متعبةً، كأنّها اعتذارٌ صامتٌ عن تأخّره و عن حالته المبلّلة.
لكنّ الصمت لم يدم طويلًا، إذ اعترضه صوت آندرو العالي فجأةً
"من الجيّد أنّك هنا!! انظر نحو كوين، أخبرها بأن ترتدي شيئًا آخر أرجوك!"
نظر الشابّ إلى كوين، فاتّسعت عيناه الصفراوان قليلًا، ثم أشرقت ابتسامته الحقيقيّة لأوّل مرّة، ابتسامةٌ خفيفةٌ صادقةٌ رغم الإرهاق. قال بكلّ بساطةٍ وبراءةٍ غريبة.
"تبدين جميلةً للغاية آنسة كوين! آه... لكنّ البحيرة الآن ليست صالحةً للسباحة."
نظر إليه آندرو بتعبيرٍ مهزومٍ تمامًا، كأنّ آخر أملٍ له في العقلانيّة قد تبخّر، ثم بدأ يمشي نحوه بخطواتٍ ثقيلةٍ ليأخذ منه السلّة.
شكرته كوين بكلّ بساطة، صوتها ناعمٌ وممدوح
"شكرًا لك... ذوقك عظيم كما عهدته دائمًا."
بعد لحظةٍ قصيرةٍ من الصمت الذي عاد يغلّف الغرفة، استرجع الشابّ رباطة جأشه، وأضاف بصوتٍ أكثر هدوءًا
"صحيح... السيد دورن لا يزال يصعد التلّ. سأذهب لمساعدته في حمل باقي الأغراض."
ترك الحقيبة الجلديّة على الأرض بجانب الباب، ثم استدار وخرج مجدّدًا إلى الخارج، تاركًا وراءه رائحة التراب الرطب.
عند سماع اسم "دورن"، اتّسعت ابتسامة كوين بشدّة، ابتسامةٌ عريضةٌ مليئةٌ بالترقّب ، كأنّها تنتظر هذه اللحظة منذ زمن.
مشى آندرو نحو الحقيبة بعد أن وضع السلّة على إحدى الخزانات الأرضيّة، يهزّ رأسه في استسلامٍ صامت.
أمّا هيذر، فقد رقصت على وجهها لمحاتٌ من البهجة الخبيثة، عيناها العسليتان تلمعان بفرحٍ ماكر.
ونينا، ابتسمت ابتسامةً صغيرةً رقيقةً، وجهها الخزفيّ يتوهّج بلمحةٍ من السعادة لسببٍ مختلفٍ تمامًا عن الآخرين.
كان آندرو يقوم بتفريغ السلّة والحقيبة الجلديّة بتركيزٍ صامت، يفرز محتوياتهما إلى عدّة خزائن أو مرطبانات زجاجيّةٍ قديمة، يرتب الخضار والأعشاب والأشياء الصغيرة بيدين ثابتتين، كأنّه يحاول أن يستعيد بعض السيطرة على الفوضى التي أحدثتها كوين داخل رأسه.
أمّا كوين، فقد عادت إلى قراءة كتابها ببساطةٍ تامّة، كأنّ كلّ ما حدث قبل لحظات لم يكن سوى نسمةٍ عابرة. وضعت الكتاب على فخذيها العاريتين، ولم تعد تهتمّ حتّى بكوب الشاي البارد الذي تركته على الطاولة المنخفضة، عيناها السوداوان تتحرّكان على الصفحات بهدوءٍ متعمّد.
هيذر، بعد أن انتهى "المشهد الممتع" الذي انتظرته بلهفة، ظهر على وجهها تلميحٌ من الملل البارد جدًّا.
تنهّدت تنهّدةً طويلةً وهي تنظر نحو نينا، ثم قالت بصوتٍ خفيضٍ يحمل نبرة السخرية الخفيفة
"برأيكِ ماذا سيفعل دورن عندما يأتي ويرى حالة كوين هكذا؟"
رفعت نينا رأسها نحو مصدر الصوت، شعرها الأشقر يتمايل قليلًا مع الحركة، وسألت ببساطةٍ عفويّة
"وما هي حالة كوين؟"
ثم تابعت دون تردّد، كأنّ الإجابة واضحةٌ لها منذ زمن
"سيتجاهلها. دورن ذو رأسٍ سميك."
لم تتوقّع هيذر إجابةً أخرى، فتقريبًا كلّما فكّرت في الأمر، كان ينتهي بهذا الشكل أو ذاك.
تنهّدت مجدّدًا، تنهّدةً أعمق هذه المرّة، ثم دارت بنظرها نحو الباب حيث ظهر الشابّ المتعب أوّلًا، مبلّلًا ومرهقًا، ومن خلفه دخل شخصٌ آخر.
كان طويلًا للغاية، بحيث اضطرّ أن يخفض من جسده كي يدخل من الباب الذي كان كبيرًا أصلًا.
جسده الضخم يملأ المدخل كتلةً خشنةً من العضلات والجلد المرمريّ الرجوليّ، مبلّلٌ كالشابّ الذي يسبقه.
شعره الأشقر محلوقٌ لدرجةٍ منخفضةٍ جدًّا، يكشف عن فروة رأسٍ عريضةٍ وملامحٍ حادّة.
عيناه الزرقاوان واسعتان، مليئتان بالحياة رغم التعب الواضح على وجهه.
توقّف دورن للحظةٍ في المدخل، الماء يتقاطر من معطفه الثقيل على الأرضيّة الخشبيّة، ثم رفع رأسه ببطءٍ، نظرته تمرّ على الغرفة بأكملها آندرو الذي تجمّد في مكانه، كوين التي رفعت عينيها من الكتاب ببطءٍ متعمّد، هيذر التي دارت شفتاها في ابتسامةٍ ماكرةٍ خفيفة، ونينا التي مالت رأسها نحو الصوت الجديد باهتمامٍ هادئ.
"أعتذر على التأخّر."
قال دورن بصوتٍ ثقيلٍ خشنٍ ومتعبٍ للغاية، كأنّ الكلمات تخرج من صدرٍ مثقلٍ بالمطر والجهد.
وقف هناك في المدخل، الماء يتقاطر منه، ثم أكمل
"الغزال الذي كنا نحاول صيده... بعد أن أصبتُه في عنقه بدأ ينزف ثم يركض نحو البحيرة هناك، حيث مات."
تردّد قليلًا، ثم انفجر في سعالٍ قويٍّ عميقٍ هزّ جسده الضخم كلّه.
اتّسعت عينا نينا فورًا، وقامت الفتاة العمياء ببساطةٍ وثباتٍ، متّجهةً نحوه بخطواتٍ صغيرةٍ دقيقةٍ تعرف بها المكان جيّدًا.
"حاولت إيقافه، لكنّ دورن رفض التخلّي عن الغزال للبحيرة، فتبعاه انا و دورن نحو البحيرة وهذا سبب تبلّلنا لكن أظنّ أنّ دورن قد أصيب بنزلة بردٍ على الرغم من حرارة الجوّ."
قال الشاب ذو الشعر الاسود و هو ينظر نحو نينا.
أمسكت نينا بيده الخشنة قليلًا، ثم أشارت له بأن ينخفض. "هذا حسنٌ... دورن ذو مناعةٍ بسيطةٍ طبيعيًّا، كان بإمكانكم التخلّي عن الغزال أو بناء شيءٍ كمصيدةٍ كبيرة."
عندما انخفض دورن نحوها، مدّت يدها الصغيرة وفحصت جبهته بحذرٍ، لتؤكّد بالفعل أنّه يعاني من حمّى خفيفةٍ.
"لا أستطيع... الشتاء يقترب، وعندها لا أعلم إن كنتُ سأجد مثل هذه الفرصة مرّةً أخرى." قال دورن بصوتٍ منخفضٍ.
عاتبته نينا مرّةً أخرى، توبيخًا لطيفًا مليئًا بالعتاب الأخويّ، وهي لا تزال تمسك بيده.
آندرو وكوين كانا صامتين، ينظران نحو المشهد كأنّه عرضٌ مسرحيٌّ نادر الشابّ الضخم المهيب يتعرّض للتوبيخ على يد أخته الصغيرة العمياء. كان الأمر ممتعًا بطريقةٍ غريبة، حتّى لو لم يبتسما علنًا.
نهض دورن بعد سلسلة التوبيخات اللطيفة تلك، ثم نظر نحو الشابّ ذي الشعر الأسود.
"أعتذر منك... يبدو أنّني سأتعبك. هل يمكنك أن تشرح الجثّة وتقوم بتدخينها؟ لأنّني سأذهب لأستلقي قليلًا."
هكذا ترك دورن الغرفة المكتظّة، صاعدًا الدرج الخشبيّ الضيّق بخطواتٍ ثقيلةٍ متعبة، يترك وراءه رائحة العرق والغابة.
تنهّدت نينا بعمق، ثم عادت إلى كرسيّها ببساطةٍ، كأنّ شيئًا لم يحدث. ذهب آندرو مع الشابّ نحو السقيفة الخارجيّة لمساعدته في تدخين الغزال، تاركين الغرفة أكثر هدوءًا.
أمّا كوين... فكانت مستاءةً بشدّة. لم تفشل خطّتها فحسب تلك الملابس القليلة التي ارتدتها لتجذب انتباهه بل لم يُلقِ دورن نظرةً واحدةً عليها، ولو لثانية! فوق ذلك كلّه، أصيب بنزلة برد؟ أيّ حظّ هذا؟ لعنت داخلها، وتمتمت ببعض الشتائم الخفيفة بين أسنانها، عيناها السوداوان تلمعان بغضبٍ مكبوتٍ وإحباطٍ عميق.
"ألم أقل لكِ بأنّ هذا ما سيحدث؟"
قالت نينا وهي تنظر نحو هيذر، وجهها الخزفيّ يحمل ابتسامةً صغيرةً منتصرة، كأنّها تتذوّق طعم التنبّؤ الصحيح.
تململت الفتاة السمراء قليلًا على الطاولة، هزّت رأسها ببطءٍ وكأنّها ترفض الاعتراف، ثم قالت بصوتٍ يحمل مزيجًا من الاستسلام والسخرية
"حسنًا... ليس وكأنّ الأمر يحتاج إلى عالمٍ قادرٍ ليعرف ماذا سيحدث، بعيدًا عن... الحمّى الخفيفة تلك."
توقّفت للحظة، كأنّها تزن كلماتها، ثم أضافت بنبرةٍ أكثر حدّة
"حسنًا، ليس وكأنّ دورن وكوين يتناسبان مع بعضهما. الصفة المشتركة الوحيدة بينهما هي نهاية أسمائهما بالنون."
قهقهت بسخريةٍ خفيفةٍ، ضحكةٌ قصيرةٌ لكنّها حادّة كشفرة
"أوه، لكن أظنّ أنّ كوين وذاك ذو العينين الذهبيّتين رائعان للغاية معًا، خصوصًا وأنّه واقعٌ لها قدمًا وساقًا."
نهضت هيذر من فوق الطاولة بسلاسةٍ، جسدها الطويل يتحرّك بثقةٍ متعمّدة، وهي تتّجه نحو الباب الخارجيّ لتساعد الفتيين في عمليّة التشريح والتدخين. قبل أن تخرج، التفتت إلى كوين التي كانت لا تزال جالسةً على الكرسيّ الهزّاز، عيناها العسليتان تتبعان جسد كوين ببطءٍ ماكر، ثم قالت بسخريةٍ أعمق
"آه، يجب عليكِ أن تذهبي إلى دورن والاعتناء به... وربّما تأخذي كوين معكِ~"
ثم خرجت ببساطةٍ خارج المنزل، خطواتها الطويلة تبتعد على العشب الرطب، تاركةً وراءها صمتًا ثقيلًا مشحونًا بالكلمات غير المقولة.
نظرت نينا نحو مصدر صوت الخطوات الخارجة من المنزل.
ثم أمالت رأسها قليلًا إلى الجانب، كعادتها اصابعها الرقيقة لا تزال تمشط شعرها الأشقر الطويل ببطءٍ منتظم، كأنّ الحركة تساعدها على ترتيب الأفكار في ذهنها المظلم.
"عينان ذهبيتان؟ من؟"