يجد العديد من الناس أن العودة إلى المدرسة شيء مريع،
لكن كايل لم يكن يشعر بذلك... كما لم يشعر بأي شيء آخر.
كان جالسًا باعتدال في مقعده، يستمع بإنصات إلى شكاوى أخته عن حرارة الجو، وطول خطاب المدير.
دافني كانت تكره الصيف بشدة،
أما هو، فكان يقلّدها كنوع من التأقلم، لذا كان يوافقها دائمًا بابتسامة دافئة.
على الأقل... هذا ما يراه الآخرون.
لكن الحقيقة؟ كلاهما كان يعرف أن هذا ليس صحيحًا.
كايل لم يكن يعيش الواقع،
بل كان يرى الحياة كمسرح ضخم،
وهو مجرد ممثل مجبر على أداء دوره.
راقب من حوله ببرود، يتظاهر بالضيق من الحرارة مثلهم.
قلّد تنهداتهم، ولوّح بيده أمام وجهه، يحاول أن يبدو كمن يذوب من الحر.
ابتسم المدير ابتسامة رسمية، وهو يختتم خطابه،
ثم بدأ بالترحيب بالمعلمين، الذين صفقوا وابتسموا للتلاميذ في مشهد بدا لكايل كأنه جزء من عرض مسرحي آخر.
بعيدا عن أجواء الترحيب الدافئة التي عكست الجو بشكل جميل كانت ماريا تدخن في مكان معزول
سحبت السم من سيجارتها ببطأ تستشعر ذلك الهدوء الذي حل في العالم بعيدا عن ضجيج رأسها، علمت أنها ستوبخ على عدم حضورها لكنها لم تهتم بأمر كهذا.
رفعت أنظارها للسماء كانت صافية و جميلة و هذا ذكرها بشكل مرير بعيون أبيها. نفس الزرقة، و نفس الهدوء.
أخفضت نظرها ببطأ بينما تشد قليلا على السيجارة و ترميها تحت قدمها ضاغطة إياها بعنف لعدم حصولها على التأثير المطلوب
بشكل يائس مازالت تفكر في والدها.. إشتاقت إليه.. إحتاجت إليه.. لكن أكثر ما ألمها و خنقها أنه ببساطة لم يعد موجودا
رنين الجرس كان كنغمة و تذكير لها بالعودة للواقع لذا أخرجت عطرا من حقيبتها لإخفاء رائحة السجائر و رائحة حزنها معها
سارت بهدوء تحدق بالجميع بغرابة.. هم يبتسمون، مستمتعون، سعيدون. أما هي لا شيء كانت فقط فارغة
توقفت قليلا تلمح المدربة التي كانت مشرفة على تعليمها السباحة العام الماضي، لكنها تراجعت لم ترغب بالعودة هي لم تعد ذات الأميرة التي كانت عليها
جلست في مقعد قريب تحدق فقط في اللاشيء، لم يعد هناك معنى لأي شيء فقط لو لم تكن موجودة هنا لكان هذا أفضل للجميع
أثناء شرودها مر من جانبها فتى، لمعة شعره الذهبية و زرقة عينيه جعلتها تتنهد للحظة لما العالم مصر على تحطيمها.
توقف ذلك الفتى و نظر لها بإبتسامة كانت مشرقة و دافئة للغاية ذكرتها بيوم صيفي و هذا جعلها تشعر بالضيق
هي لا يمكنها الإبتسام هكذا و لا أي شيء أخر وجدت نفسها تبتسم برسمية ثم تعيد توجيه نظرها للأسفل هروبا من ذلك الإشراق المؤلم.
هي تعرفه كيف لا و هو أشهر شاب في ثانويتهم، الجميع متلهف لنظرة له أو حتى إشارة منه و هو ببساطة يعطيهم ما يريدون.
كايل سميث ذلك الشخص لن تصبح أبدا مثله ليس و والدها غير موجود، لو سمع شخص غريب ما يدور في ذهنها لقال أنها تبالغ لكن مع كامل الأسف هي لا تفعل
والدها ليس مجرد أب هو منحها كل ما تمنت، حنان و حبا يكفي سكان العالم كله والدها هو من علمها كل ما تعرفه و هي من خسرته بيدها
لم تلاحظ ماريا أنه واقف أمامها بل و قدم لها زجاجة ماء هذا تصرف سيفعله شخص مثله هو مثالي في النهاية بعكسها.
كايل وقف هناك ينظر لها لو لم يخب ظنه فإنها تدعى ماريا ريشو لا يعرف عنها الكثير لكنها لفتت إنتباهه في شيء
جسدها تفوح منه رائحة سجائر، محاولتها لإخفائها بالعطور فاشلة لشخص بحواس حادة مثله فكونه شخصا يفتقد للعواطف البشرية تم تعويضه بحواس خارقة
أمسكت هي زجاجة الماء و خرجت كلمة شكرا باهتة و مثقلة من فمها و هذا ما مكنه من معرفة شيء، هي حزينة بل و أكثر ربما تعاني من إكتئاب
حسنا هو ليس شخصا بذلك اللطف و لا الفراغ لذا إبتسم و غادر ببساطة يلحق بأخته كونه يحتاج لتعبيراتها حتى لا يكشف
دافني من ناحية أخرى كانت غافلة عن شقيقها تركز مع جوليا و صديقاتها اللاتي يعانقنها معبرات عن شوقهن لها
دافني و كما شقيقها كايل كانت هي الأخرى محبوبة للغاية خاصة بين الفتيان الجميع أراد مواعدتها و التقرب منها لكنها ترسم حدودا واضحة لا يسمح لأحد بتجاوزها
فهناك سر لا أحد يعرفه عنها و لا حتى شقيقها الذي يعتبر كصندوق أسرارها و هي أنها تخاف من الأولاد، هي لا تظهر ذلك بسبب سمعتها لكنها تصاب بالرهبة منهم
فعندما يقترب أحدهم منها بنية المزاح أو الحديث تكون أعصابها مشدودة و تتمسك بشقيقها و كأنه طوق نجاتها في محيط هائج
_ دافني سنتأخر هيا
نداء صديقتها العفوي جعلها تنفض الأفكار المرهقة و تبتسم بينما تعانقها من الجانب تسيران معا
الرواق المؤدي لغرفة المعلمين كان مكتضا نظرا لأن طلاب السنة الأولى جاهلون بالأماكن لذا مكتب المعلمين كان في حالة فوضى من كثرة الطلاب
كايل لم ينزعج بل حاول تجاهلهم فحسب مع الحفاظ على إبتسامته، عليه البحث عن شقيقته كون موعد المغادرة قد حان
لم يستغرق ذلك طويلا كونها أتت برفقة جوليا عليهم تفريغ المكان حتى يأخذ طلاب السنة الأولى راحتهم في التعرف على المبنى
خرجوا من المدرسة و ذهن كايل مشغول كونه سيضطر لزيارة طبيبه غدا من أجل الفحص الدوري و ربما يقوم باللهو في مكانه المفضل حتى ذلك الحين
...............................................
أتمنى لكم قراءة ممتعة