الأخير

الأخير

22 0

ساد الصمت لوهلةٍ بعد كلماتها، وكأن الزمن توقف بين أنفاسهما.

سالم تجمّد في مكانه، عيناه اتسعتا بذهول لم يتوقّعه، وكأن سكينًا انغرزت في قلبه مع كل حرف نطقته. ابتسامته التي لمعت للحظة تلاشت، وحلّت محلها صدمة عميقة، صدمة رجل لم يتخيل يومًا أن يُوضع في كفة الشك، ولو على سبيل الشرط.

اقترب منها أكثر، صوته مبحوح، يتناوب بين الرجاء والخذلان:

ـ "زمزم… إنتي بتقولي كده إزاي؟ إنتي شايفة فيا إيه علشان توصلي للدرجة دي؟"

زمزم مسحت دموعها بيد مرتعشة، نظرت إليه بثباتٍ يحمل بين طياته خوفًا دفينًا:

ـ "أنا مصدقاك يا سالم… وقلبي مطمّنلك… بس أنا حبي ليك كبير ، ووجعي على أد حبي قلبي مش هيستحمل شريك ليك . في اللحظة اللي اسمك هيتكتب على حد غيري فيها … خلاص… أنا مش هكون هنا."

شعر سالم أن الأرض تترنح تحته. رفع يديه كمن يستسلم لعاصفة، واقترب أكثر حتى كاد أن يلامس وجهها:

ـ "إزاي قلبي يقدر يبص لحد تاني وأنا معايا الدنيا كلها في عيونك؟! إزاي؟!"

ثم أمسك بكتفيها برفق، يحدّق في عينيها بلهفة يائسة:

ـ "أوعي تكرري الكلمة دي تاني… متخلينيش أعيش في رعب إني أخسرك بسبب وهم أو فخ حد تاني نصبه… زمزم، إنتي مش مراتي وبس، إنتي روحي."

وهي في دموعها، بين خوفها من المكيدة وثقتها في صدقه، لم تجد إلا أن تضع يدها على يده المرتجفة وتقول بصوت خافت:

ـ "خليك قد الكلمة دي… وخليك ليا وبس."

حينها، أغمض سالم عينيه لحظة، وكأن أنفاسه تستعيد بعض الهدوء بعد طوفان. لكنه في أعماقه، كان يدرك أن حربًا صامتة بدأت، وأن فرح لم تُلقِ أوراقها الأخيرة بعد.

انفجرت فرح حين رأت أن خطتها تتهاوى، وملامحها التي كانت تُجيد التمثيل بالدموع انقلبت إلى انهيار هستيريّ مصطنع. وقفت أمام العائلة كلها، وكأنها بطلة مأساة لم تُكتب، وارتفع صوتها يرتعش بين البكاء والاحتجاج:

ـ "إنت بتضحك عليّا يا سالم! بتستغل حبي ليك وأنا بنت عمّك… من دمّك! وتسيبني علشان بنت العبابده؟!"

ساد الوجوم بين الحاضرين، وتعالت همساتهم. لكن فرح لم تكتفِ بما قالت، بل راحت تصبّ سمّها في الهواء، كمن يريد أن يجرّ الكل إلى مستنقعها:

ـ "سيبتني أنا اللي واقفة جنبك طول عمري… وبتحب فيا ومعشمني علشان واحدة من قتالين قتلة أخوك؟! كل اللي عملتهولك نسيته؟! علشان بس جمالها خطفك؟!"

تطايرت كلمات فرح في الهواء كخناجر مسمومة، حاولت أن تغرسها في قلب زمزم لتقتلها أمام العائلة. لكن سالم لم يتحمل، اندفع خطوة للأمام، وصوته يعلو بصلابة:

ـ "إنتي كدابة يا فرح! عمرك ما كنتي في يوم حبيبه ليّا، ولا كان بيني وبينك غير إنك بنت عمي. كل اللي في دماغك ده وهم إنتي عايشاه. وانتي اللي بتحاولي بكل قذارة وتعرضي نفسك بأرخص الطرق ،وأنا في كل مرة بصدك وأعرفك إن مفيش بينا حاجه ولا هيكون."

ارتجّ المجلس كله، والعيون اتجهت نحو فرح التي ارتبكت للحظة، قبل أن تحاول استجماع دموعها المصطنعة. لكن سالم لم يترك لها فرصة، تابع بنبرة حادة يقطّع بها خيوط افتراءها:

ـ "أنا عمري ما وعدتك بحاجة، ولا لعبت بمشاعرك. وإنتي عارفة الكلام ده كويس. وزمزم… مراتي قدام الكل، وأنا عمري ما خنتها ولا هشوف غيرها. يبقى كفاية افترى، وكفاية وساختك."

تساقطت الكلمات كصفعات على وجه فرح، وساد صمت ثقيل. زمزم رفعت عينيها نحو سالم، دموعها ارتجفت، لكن قلبها انتفض باليقين أن الرجل الذي أمامها لا يملك إلا أن يكون لها وحدها.

تقدّمت زمزم بخطوات واثقة، رغم دموعها التي ما زالت تلمع على وجنتيها. وقفت قبالة فرح، عينيها تبرقان بدهاء لم تعهده العائلة من قبل، كأنها تكشف القناع عن وجهٍ طالما تلطّى بالتمثيل. رفعت حاجبًا خفيفًا، وصوتها خرج ساخرًا:

ـ "هو لو فيه واحدة محترمة، وعلى حسب كلامك إنتي بتقولي إنكم بتتكلموا زي كل مرة… هتطلعي ليه بقميص بالشكل ده؟"

ثم مدّت يدها، مشيرة إلى ثوب فرح الفاضح أمام الجميع.

توقفت لحظة، ثم أمالت رأسها بخفة، كأنها تبحث بعينيها في الفراغ:

ـ "وفين طرحتك؟ مش شايفاها يعني…"

تلوّت فرح في مكانها، لكن زمزم لم تترك لها فرصة للرد، بل اقتربت أكثر منها، نظرتها كسيفٍ قاطع، وابتسامة ماكرة ارتسمت على محياها. رفعت يدها بخفّة، ولمست بظهر أصابعها أثر الروج الملطّخ على وجه فرح، وقالت بصوتٍ خافت لكنه مسموع للجميع:

ـ "والروج ده… مش شايفة أي أثر ليه على ساِلِم، ولا حتى شايفة إنك حاولتِ تدافعي عن نفسك منه… جسمه وهدومه مفهيمش أي علامة للدفاع، يبقى بتضحكي على مين؟"

ارتجفت فرح، وعيناها اتسعتا من الصدمة. لكن زمزم لم تكتفِ، بل مدت يدها بخطوة خاطفة، وانتزعت هاتف سالم من يده وسط ذهول الحاضرين. قلبت في المحادثات سريعًا، حتى وقعت على الرسالة المشؤومة، ثم رفعت رأسها بابتسامة انتصار، وبدأت تتحدث بثبات:

ـ "أولًا… الرسالة في الأرشيف. وده معناه إنها مقصوده متتشافش… . يعني سهل جدًا إنك مسكتي موبايله في أي لحظة وهو مش واخد باله… وبعتّي الرسالة بنفسك. ولأنك عارفة إنه أول ما يفتح الواتس هيكتشف، روحتي حاطّاها في الأرشيف علشان ما تظهرش."

عمّ الصمت المكان، ووجوه العائلة تتابع المشهد بذهول. زمزم أغلقت الهاتف، وألقت به في يد سالم كمن يلقي دليلاً حاسمًا في محكمة، بينما وقفت فرح مذهولة، تكاد أن تفقد توازنها من شدة الفضيحة.

جلست فاطمة تذكر التفاصيل الدقيقة كما حدثت، وكأن كل ثانية محفورة في ذهنها:

ـ "ثواني لما سالم جه فعلاً بعد ما وصل زمزم… هي قالتله إن فيه حاجة في المطبخ محتاجة تصليح، وهو قام وساب موبايله على الترابيزة. وأول ما قام… وقتها جاتلي رسالة من أحمد خطيبي."

بدأت فاطمة تفتح المحادثه أمام الجميع، بينما زمزم تقف بجوار سالم، عينها تلمع بثقة وانتشاء خفي:

ـ "وبعتها ليا الساعة ٨:٤٣ بالظبط…"

سالم فتح الموبايل، وتفحص الرسالة:

ـ "والرسالة دي مبعوته ٨:٤٤!"

زمزم ابتسمت ابتسامةً واثقة، فيها انتصار امرأة لم تَخُض حربًا إلا لتحمي بيتها وقلبها. خطت نحو فرح بخطوات سريعة، وفي لحظة لم يتوقعها أحد، ارتفع كفّها وصفعت وجهها صفعة مدوّية هزّت كيان الحاضرين.

قالت بصوتٍ تقطّعه الغيرة والكرامة:

– "دي علشان فكّرتي في جوزي ورميتي نفسك عليه."

ثم تبعتها بصفعةٍ ثانية، أقسى وأشدّ وقعًا:

– "ودي علشان اتبّليتِي عليه بالباطل."

الوجوه تاهت بين الذهول والذهول؛ فزمزم التي عرفوها دائمًا رقيقة، ضعيفة، أقرب إلى النسمة الهشة، إذا بها الآن نمرٌ غاضب، يفيض قوةً لا عهد لهم بها.

تجلّت أمام أعينهم امرأة أخرى؛ زمزم الناعمة، المطيعة، باتت في لحظة رمزًا للغيرة النبيلة، والوفاء الصارم، والدفاع المقدّس عن بيتها.

أما سالم، فامتلأت عيناه بالفرح والامتنان، وارتفع صدره بأنفاس عميقة. لم يكن سعيدًا بصفعاتها لغيرها بقدر ما كان ممتنًا لصفعتها للشكوك، لإثباتها براءته، ولثقتها التي غمرته وأعلت قدره في عيني نفسه قبل عينيها.

كان المشهد كله إعلانًا واضحًا:

زمزم لم تكن فقط رمز النعومة... بل صارت حصنًا لا يُخترق، وسيفًا لا يُكسر، وامرأة تعرف كيف تدافع عن حقّها وعن رجلها.

وقف سالم، ونبرات صوته تشقّ الصمت كسيفٍ حاد، وقال وهو يجول بنظره في وجوههم واحدًا واحدًا:

– "أعتقد كده اتأكّدتوا فعلًا إني ماعملتش حاجة... وإنه أصلًا مفيش حاجة بيني وبينها."

تبدّل صوته، صار مثقلًا بالخذلان، وكأنّه يحمل خيبةً أكبر من أن تُحتمل:

– "كلّكم صدّقتوا كلامها... وحكمتوا عليّا من غير ما تدّوني حتى فرصة أبرّر. صدّقتوا الكذب، وشكّيتوا فيا."

ثم التفت إلى زمزم، غرس عينيه في عينيها، كأنّ العالم كله انكمش في تلك النظرة، وتابع بحسمٍ لا رجعة فيه:

– "أظنّ خلاص... جه الوقت. القرار اللي كنتِ كل مرة تمنعيني من تنفيذه، على أمل إن الأمور تتحسّن، وعلى حفاظك على العيلة... العيلة اللي أصلاً ما أعطتكيش ثقة، ولا احترمت صبرك."

شدّ قبضته وكلماته تهوي كالرصاص:

– "من زمان وأنا شايف إهانتكم لمراتي... على ذنب ما ليهاش فيه يد، شايف كره وغلّ وحقد بيتصبّ عليها، وهي لأنها بنت أصول... ساكتة وبتستحمل. حاولت كتير أخرجها من البيت ده... أحميها من العداوة اللي مالهاش آخر، لكن هي اللي كانت بترفض، وبتقول حفاظًا على لمّة العيلة."

تنفّس بقوة، وصوته يعلو في حزم قاطع:

– "لكن خلاص... القرار منتهي. أنا مش هقعد في بيت العيلة ده تاني. العيلة اللي مع أول فخ صدّقت، ومع أول كذبة وقعت، وما كانش فيها ذرة ثقة... العيلة دي ما تستهلش إني أعيش وسطها ولا أحافظ على لمّتها... وهم أوّل ناس بيهدّوا بيتي."

انتهت كلماته كسوطٍ على قلوب الجميع، والدهشة والحرج يكسوان الوجوه. أمّا زمزم، فكانت تنظر إليه بعينين يختلط فيهما الفخر بالحزن، تدرك أن قراره هذه المرة نهائي لا رجعة فيه.

اشتعلت المجادلات، وارتفعت الأصوات بين شدّ وجذب، محاولات للتهدئة وأخرى للإقناع، غير أنّ سالم كان ثابتًا كالطود، لا يلين ولا يتراجع. كانت نظراته الحاسمة وإصراره الصارم أقوى من كل الكلمات، كأنّه قد أغلق باب النقاش في قلبه قبل أن يغلقه بلسانه.

وبعد أيام قليلة، نفّذ ما عزم عليه. رحل من بيت العائلة، تاركًا خلفه جدلهم واتهاماتهم، وحمل زمزم وطفليه معه إلى بيتٍ منفصل.

بيتٌ صغير، لكنّه كان يضمّ عالمه الحقيقي؛ عائلته التي تستحق الحماية والسكينة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسرى الثأر والهوى

المؤلف Mai Mustafa
2025/11/05 مكتملة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة