ظلال الحماية

ظلال الحماية

24 0

لم تكتفِ هدى بما فعلته، بل اقتربت من الصواني المتكدسة، واختارت بعينٍ متعمّدة أثقلها وزنًا، صينية مكدّسة بالقدور الثقيلة، ثم وضعتها أمام زمزم بصرامة:

ـ "دي نصيبك… هتشيليها فوق راسك وتسرّحي بيها للأرض."

حاولت زمزم أن تتراجع خطوة، لكن النظرات الحادة المحيطة بها، وقبضة هدى الماثلة في ذهنها، أجبرتها على الصمت. مدت يديها بتردد، وحملت الصينية بثقلها الرهيب، حتى ارتج جسدها للحظة وهي تضعها فوق رأسها، ظهرها مشدود وكتفاها يرتعشان.

وقبل أن تتحرك، قاطعت هدى بصوت نافذ:

ـ "مفيش عربية هتودي الأكل النهارده… كله هيمشي ع رجليه يلا."

أدركت زمزم أن الأمر مقصود، أن هدى أرادت معاناتها مضاعفة. وفي الوقت نفسه، أمسكت هدى بترُمس الشاي والكؤوس، تحمله بخفة مقارنة بما حملته زمزم.

وهنا تقدمت فرح بخطوات متباطئة، وعلى وجهها ابتسامة المكر، وقالت بصوتٍ يقطر عسلًا:

ـ "أنا هساعدكم بقا… هشتال شنطة الأطباق والمعالق، أخفف الحمل عن زمزم شويه."

لم يكن في كلماتها سوى رياء خفي، أرادت أن تبدو كالمُعينة، وهي في الحقيقة تُزيد من مرارة الموقف أمام الجميع.

بدأت زمزم تتحرك بحذرٍ شديد، كل خطوة محسوبة، كأن الأرض تهتز تحت قدميها. ظهرها مقوّس، ويديها ممدودتان لتوازن الثقل فوق رأسها، بينما نبضات قلبها تتسارع خوفًا من أن يختل توازنها، خصوصًا مع ثقل الحمل الذي يكاد ينهك جسدها الهزيل.

أما فرح فمشت بجوارها بخفة، كأنها تحمل الريش لا الحديد، تبتسم ابتسامة باردة وتُلقي بين الحين والآخر كلمات ظاهرها الشفقة، وباطنها الشماتة.

سالم منشغلًا بمتابعة الأرض، يوجه الرجال ويقف بين الغيطان بعين يقظة، حتى تسللت إلى سمعه همسات النسوة الواقفات على مقربة.

قالت إحداهن وهي تتابع زمزم بعين لا ترمش:

ـ "يا لهوي يا أختي… إيه الجمال والرقة اللي ماشية دي!"

ردّت أخرى وقد فاض صوتها بالدهشة:

ـ "يخرابي! بلدنا فيها جمال كده؟ دي البت زي لهطة القشطة… بياض بجسم، مش قادرة تشتال الصينية، باين عليها الدلال."

أخذت ثالثة تضيف وهي تغمز بعينيها:

ـ "ليها حق… اللي بالجمال ده ملهاش تتهان وتتعب كده. دي ليها الراحة وبس."

تساءلت إحداهن وقد حاولت التدقيق:

ـ "مين دي؟"

جاء صوت امرأة أخرى بدهاء:

ـ "باين عليها من دار البراموني… معاها الحاجّة هدى أهي."

وما إن وصل الاسم إلى أذن سالم، حتى التفت سريعًا، يبحث بعينيه عمّن يتحدثن عنه، ليتفاجأ أن مرادهُن هي زمزم. وقعت عيناه عليها، تحمل الصينية الثقيلة فوق رأسها، بخطوات وئيدة، تحيطها نظرات الرجال والنساء كأنها فريسة تتناهشها الأعين.

في تلك اللحظة، انعقد فكّه، وكزّ على أسنانه بشدّة، وغلت الدماء في عروقه. انبعثت منه شرارة الغضب، كمن لا يقبل لزوجته أن تكون حديث العامة ولا متعة عيون الفضوليين. اندفع يجري نحوها، بعزمٍ لا يعرف التردد.

اقترب سالم منهم، عيناه تقدحان شررًا، وصوته يخرج حادًا كالسيف:

ـ "إيه اللي جابكم هنا؟!"

مدّ يده بقوة، رفع الصينية عن رأس زمزم، وما إن شعر بثقلها حتى ازداد غضبًا، والتفت نحوها بوجه مكفهر:

ـ "مين سمحلك تخرجي وتيجي الأرض؟! وتشتالي صنية بالتقل ده؟!"

زمزم خفضت رأسها، صمتت، ودموعها لمعت في عينيها، تحاول كتمانها. لكن سرعان ما انطلقت هدى، بصوتها الجهوري المجبَر:

ـ "أنا اللي قولت… دي الوجبة واجبتنا. مين هيجيب الأكل يعني؟!"

ردّ سالم بحدّة، كالرعد:

ـ "اللي بيجيب كل سنة! وكل مرة! إيه؟ من إمتى الحريم هي اللي تيجي الأرض؟!"

اشتعل الغضب في صدره أكثر، مجرّد تخيل أن زوجته مشت وسط الطرقات والكل ينظر إليها جعله يغلي. صوته علا أكثر:

ـ "وجايين كمان مشي؟! وسط عيون الناس كلها تبص وتفصص في مراتي؟!"

جاء صوت أبيه، الشيخ الوقور، يخطو بثقل السنين، محاولًا أن يُسكّن الموجة العاتية:

ـ "صوتكم عالي ليه؟ مينفعش كده وسط الناس. خلاص اللي حصل حصل."

ثم التفت للنساء بنبرة حازمة:

ـ "يلا… همّوا وجهزوا الأكل. الأنفار واقعة من الجوع."

زفر سالم زفرة طويلة من الغضب، وترك الصينية الثقيلة بحزم على بساط مفروش تحت شجرة توت. هناك، كان مالك يجلس في الظل، يأكل من حبّات التوت التي غسلها له والده بيده.

لمّا لمح أمّه، هتف بحماس طفولي:

ـ "ماما… تعالي كُلي توت معايا!"

ارتسمت على وجه زمزم ابتسامة باهتة، تُخفي دموعها، وردّت بصوت مبحوح:

ـ "كُل إنت يا حبيبي… مش عايزة."

جلست لتجهّز الطعام، فبادر سالم يقف حاجزًا بجسده أمامها، يحجبها عن عيون الرجال والنساء. فقد كانت طبيعة جلستها تُظهر شيئًا عن تفاصيل جسدها أسفل العبائة.

زمزم رفعت كمّها الواسع كي تتمكن من العمل، فانكشفت يداها البيضاء الناصعة، كزهرة نَدَت عليها الشمس. فما كان من سالم إلا أن أمرها بصرامة:

ـ "نزّلي كُم العباية."

رفعت رأسها إليه، وقالت بنبرة خافتة مترددة:

ـ "هتتعك… وأنت أصلاً واقف مغطي عليّا، محدش هيشوفني."

لكن صوته ازداد حزمًا، وملامحه لا تقبل نقاشًا:

ـ "محدش هيشوفك قصادي، بس اللي جنبك أو وراكِ ممكن يلمحوا. أخلصي… نزلي الكُم."

انصاعت في صمت، وأسقطت كمّها، ثم شرعت تغرف الطعام في الأطباق. لكن كلمات النسوة وهنّ يتهامسن حولها كانت تصل إلى أذن سالم كخناجر مسمومة، يرددون عن جمال "بنت العبابدة"، ويحكون تفاصيل زواج الثأر الذي جمعهما.

كلما ارتفعت الهمسات، ازداد الحقد في قلب هدى، إذ تذكّرت ابنها القتيل، وتجددت نيران ثأرها. وفي الجهة الأخرى، كانت فرح تزداد اشتعالًا، كلما سمعت عن غيرة سالم التي ظهرت جليّة على مرأى الجميع، وصراخه على أمّه حين رآهم يدخلون بالأكل ومعهم زمزم.

بدأت الأيادي تتحرك في صمت متوتر، كل واحدة من النسوة تحاول أن تُظهر انشغالها بتجهيز الأطباق، لكن الهمسات لم تنقطع، تتسرب كالدخان إلى كل أذن. زمزم تغرف الطعام بعينين محمرتين، تتظاهر بالتماسك، بينما قلبها يرتجف من وقع كلامهم ونظراتهم.

سالم وقف شامخًا بجوارها، لا يفارقها بعينيه، كأنه درع بشري يحجبها عن كل العيون، لكن داخله كان يشتعل. كل حركة من النسوة، كل نظرة جانبية، كل ابتسامة خبيثة بين فرح وهدى، تزيد غضبه وتدفعه على حافة الانفجار.

هدى، وهي تمرر طبقًا مليئًا باللحم، رمت كلمة سمّها مغلف بابتسامة:

ـ " أول مرة مرات سالم تيجي تشاركنا في الأرض وتشوفوها… مدلعينها والعيشة بتاعتها دلع خالص بس النهارده حصل ظرف واديكم شوفتوها."

ضحكة مكتومة خرجت من فرح، وأضافت بمكر، وهي توزع المعالق:

ـ "الدلع ما يستخباش يا خالتي… احنا بردو عيله بنت أصول وبندلع حريمنا على الاخر حتى لو كانت بنت العبابده."

زمزم عضّت شفتها السفلى، تُحاول أن تسيطر على دموعها، بينما سالم لم يتمالك نفسه، نظر إليهم نظرة نارية وقال بنبرة منخفضة لكنها كالسوط:

ـ "اقسم بالله أي كلمة زيادة على مراتي تاني ولا شغل النسوان ده ما هيفرق معايا مين ويكون رد فعلي يزعل.

ويوجه كلامه لأمه:

"أمي… أنا مراتي ، اللي يضايقها أو يلمسها بكلمة… يبقى بيضايقني أنا. ودي ما أقبلهاش من أي حد مهما كان مين."

ساد الصمت لحظة، ثم أكملت النسوة عملهن بتوتر ظاهر. لكن النار في قلب هدى وفرح لم تخمد، بل زادت اشتعالًا.

سالم التفت نحو زمزم، بصوتٍ فيه حنان ممزوج بالغضب:

ـ "خلاص… كفاية كده. قومي يلا ."

زمزم هزت رأسها بالنفي، بصوت خافت:

ـ "مينفعش أسيبهم لوحدهم… هيقولوا إني بدلّع فعلا."

اقترب منها أكثر، صوته انخفض لكنه كان آمرًا:

ـ "قولت قومي… واللي يقول يقول ميشغلش بالك كلام الحريم الفاضي ده قومي يلا أروحك."

تطلّعت زمزم إليه بعينين متردّدتين وقالت بصوت خافت:

– "طب اتغدّى الأول يا ساِلِم."

أجابها وهو يلوّح بيده نافد الصبر:

– "لا، مليش نفس… قومي يلا أروحك."

مدّ يده نحوها، فتردّدت قليلًا ثم وضعت كفّها بين أصابعه بخجلٍ ظاهر. جذبها برفق لتنهض، فتنفّض ثوبها سريعًا، بينما عينيه تتأمّلها بصمت. ابتسم ابتسامة دافئة وقال لأبنه:

– "مالك يا حبيبي… كفاية كده النهارده عليك يلا نروح."

ثم رفع صوته مناديًا:

– "سااامح!"

التفت سامح نحوه وقال مستفسرًا:

– "خير يا سالم؟"

فأجابه بثبات وهو يمدّ يده:

– "مفتاح العربية."

ألقاه سامح تجاهه، فتلقّفه سالم بحركةٍ واثقة، ثم أدار رأسه نحو الجمع وقال بحزم:

– "يلا."

وبصوتٍ أعلى خاطب أمّه:

– "يلا يا أمي… لمّوا الصواني وخلاص."

ركبوا السيارة، فاندفعت هدى لتجلس بجوار سالم متعمّدة أن تثير غيظ زمزم. غير أنّ زمزم لم تُعر الأمر اهتمامًا، بل جلست خلف زوجها هادئة، وكأنها تعلن بصمت أنها أرفع من تلك المكائد. عدّل سالم كرسيه قليلًا ليُعطيها مساحة أوسع في الجلوس، ثم أخرج سيجارة وأشعلها، ينفث منها غضبه الكامن. ارتفع الدخان متثاقلًا حتى بلغ زمزم في المقعد الخلفي، فشرعت تكحّ بشدّة. التفت سالم سريعًا، ومدّ يده من نافذته ليرمي السيجارة بعيدًا عنها، تصرّف لم يغب عن أعين الجالسين، فارتسمت علامات الدهشة على وجوههم.

وصلوا إلى البيت، وما إن توقّفت السيارة ونزلت أمّه حتى قال سالم بنبرة حازمة:

– "آخر مرّة هحذّر في النقطه دي… مراتي متتعاملش المعاملة دي، وآخر مرّة تخرج وتشتغل الشغل ده… وتتكلّمي عليها بالطريقة دي."

تجمّدت الأمّ في مكانها، ثم اشتعل غضبها كالنار، وانعكس على ملامحها كرهًا أشدّ، فهوت بالباب خلفها بعنفٍ وهي تنزل.

رفعت زمزم بصرها إلى سالم وقالت برجاء:

– "مكنش ليه لازمه يا سالم تزعلها الوقتي… كفايه اللي حصل في الأرض."

أجابها بعصبية، صوته يختلط بالحرقة:

– "لا… مش كفايه. الموضوع كل مرّة بيزيد عن حجمه. انتي مش عارفه أنا حاسس بإيه الوقتي… مش متخيّلة أشوف مراتي اللي المفروض راحتها تكون من مسئوليتي متمرمطة، وأنا في إيدي أخليها مرتاحة وأوفّر لها سُبل الراحة. ولا إنها تمشي والكل يبصّ عليها ويتكلم عنك… وتبقي فُرجه!"

ساد الصمت لحظة، وزمزم تتأمّل الأرض، وقد تذكّرت نظرات الناس على الطريق وهم يرمقونها، والكلمات التي وصلت إلى أذنها عن جمالها وتعليقاتهم المستفزّة. شعرت بحرقة في قلبها، لكنها رفعت رأسها وهزّته بتفهم.

قالت بصوت رقيق:

– "طب… علشان خاطري، انزل كُل لقمه."

زفر سالم وقال بغلظة امتزجت بالحزم:

– "مش عايز… يدوب أروح الأرض، مينفعش أتأخر عن كده.أطلعي على الشقة متقعديش تحت واللي يتكلم قولي جوزي إللي قالي وبس."

نزلت زمزم حاملة مالك، وسالم يرمقها حتى اطمأنّ أنها دخلت الدار، ثم أدار محرّك السيارة من جديد، وغادر عائدًا إلى عمله، وما زالت في صدره غصّة لم يفلح الدخان في إطفائها.

صعدت زمزم بعد أن احتضنت مكّة الصغيرة، التي كانت مبلّلة الملامح من شدّة بكائها جوعًا، فأخذتها إلى صدرها تهدهدها بحنان، ثم التفتت إلى مالك وقالت بهدوء:

– "يلا يا حبيبي نطلع فوق."

أمسك مالك يد أمّه مطمئنًّا، وسارا معًا نحو السلم. وفي تلك اللحظة ارتفع صوت هدى، وهي تلوّح ساخرة:

– "رايحه فين يا ست هانم؟… والمطبخ ده مين ينضّفه ويغسل المواعين؟"

توقّفت زمزم، والتفتت إليها بعينٍ يكسوها الصبر والوقار، ثم قالت بنبرة واثقة:

– "أنا جوزي اللي قالي أطلع الشقّة… حضرتِك عندِك اعتراض أو شيء بلّغيه لجوزي لما ييجي. أنا آخر مرّة هعمل حاجه عكس رغبة جوزي… عن إذنِك."

ثم شدّت يد مالك إلى جانبها، واعتدلت تحمل مكّة في ذراعها الأخرى، وصعدت درجات السلم بخطوات ثابتة، وسط ذهول الحاضرين الذين لم يجدوا ردًّا على جرأتها الصامتة سوى التبادل الصامت للنظرات.

اعتدلت فرح في جلستها، ونظرة مكرٍ لمعت في عينيها، ثم قالت بصوتٍ خافت لكن مسموع، وكأنها تغرز السكين ببطء:

– "هو انتو مش واخدين بالكم ولا إيه؟… سالم بقى عامل زي الشخشيخه في إيدها. كلمة منها توديه وكلمة ترجعّه… هو فين سالم اللي نعرفه؟ فين اللي كان كلمته ما تتردش؟"

ارتفعت حواجب هدى دهشة، بينما الأمّ شبكت أصابعها في توتر، فأكملت فرح، تزيد الجرح عمقًا:

– "دي مش بس خلت الكلمة كلمتها… لا، ده بقى يعليها على الكل… وييجي على أمه علشان خاطرها! مش كفاية اللي حصل من شويه؟ قدام عينيكم كلّكم، كلم أمه بالأسلوب ده… عشان مين؟ عشان هي!"

أكملت فتحية والده فرح و مالت برأسها كمن يلقي القنبلة الأخيرة:

– "بكرة يا حبايبي تشوفوا… هتبقى الست الكبيرة… الكل تحت أمرها… واحنا ملناش غير السمع والطاعة لبنت العبابده قتالين القتلة."

الكلمات تسلّلت في الصدور كسُمٍّ لا دواء له، فأشعلت نيران الغيرة، وزادت الكره رسوخًا في قلب الأم وهدى، بينما فرح اكتفت بابتسامة جانبية راضية بما أثارت.

كانت هدى ما زالت تغلي من جوّاها، تنفخ نارًا.. هنا لمعت فكرة خبيثة في بال فرح، فقامت متمهّلة وقالت بنبرة متعمدة كأنها بتفكّر بصوت عالي:

– "بصوا… هي دلوقتي واخدة سالم ناحيتها على طول. طب ليه منخليهاش تِبان قدّامه إنها مقصّرة في حقّكم؟ ساعات الراجل لما يشوف مراته مش نافعة مع أهله… بيتغيّر."

شدّت هدى عليها وقالت:

– "مقصّرة إزاي؟ دي كل حاجة بتعملها وزياده."

ابتسمت فرح بخبث:

– "يبقى نخلّيها ماتلحقش تعمل. ندوّخها بمطالب فوق طاقتها… نطلب منها تنظيف وغسيل وطبخ في وقت واحد. ونشوف هتعمل إيه… أول ما تتأخّر أو تزهق، سالم بنفسه هيتضايق."

الأمّ ضربت كفها بكفها وقالت بغلّ:

– "آه… لازم يعرف إنها مش زي ما هو فاكر. لازم يشوفها بعينه وهي بتتدلّع وتقصّر."

هدى أضافت وهي تغمز:

– "وساعتها بقى، اللي في قلبه هيبرد… ويفتكر إننا كنا على حق من الأول."

تبادلوا النظرات، والابتسامة الخبيثة مرسومة على وجوههم… بينما زمزم في طابقها العلوي تضم طفليها، لا تدري أنّ نارًا جديدة تُدبّر لها في الخفاء.

صعدت زمزم إلى الشقّة تحمل مكّة الصغيرة لترضعها، حتى هدأ بكاؤها واستسلمت لدفء صدر أمّها. وضعتها بعد ذلك في عربتها الصغيرة، ثم انحنت على مالك وقالت بابتسامة حانية:

– "مالك… حبيبي، خلي بالك من أختك، ماشي يا حبيبي؟"

أجابها بجدية طفولية:

– "حاضر يا ماما."

اطمأنّت عليهما، وشغّلت التلفاز ليشغلهما لبعض الوقت، ثم توجّهت إلى المطبخ وهي تتمتم:

– "أكيد سالم هييجي تعبان وجعان… أعمل له حاجه خفيفة ترمّ عضمه."

فتحت الفريزر وأخرجت الكفتة التي كانت قد أعدّتها مسبقًا للطبيخ، وتركَتها تفكّ. ثم بدأت تُعدّ الأرزّ "حبة وحبة" على الطريقة التي يحبّها سالم. لم تنسَ السلطة والطحينة، وحمّرت البطاطس، ووضعت الكفتة في الفرن بعد أن قطّعت أسفلها فلفلًا روميًا ملوّنًا وبصلًا وطماطم. تركتها تستوي، وجهّزت عصيرًا فريشًا باردًا، ثم تنفست بارتياح وقالت لنفسها:

– "كده خلاص… خلصت. أدخل آخد دُش بقى."

دخلت إلى الحمّام، والماء ينساب على جسدها المتعب من عناء اليوم. وبعد أن فرغت، ارتدت قميص شقّة، لكن عينها وقعت على كتفها، حيث ما تزال آثار أصابع هدى بارزة. زفرت بعنف وقالت لنفسها:

– "ألبس حاجه بكم أفضل… مش عايزة سالم يزعل زيادة. كفاية عليه اللي حصل النهارده… وهو يا حبيبي من صباحية ربنا واقف في الشمس."

ارتدت قميص شقّة بأكمام تصل لما بعد الكوع، مجسّمًا على قوامها الأنثوي حتى ما بعد الركبة. رطّبت يديها وقدميها وجسدها، وتعطّرت حتى فاح أريجها في المكان، ثم رفعت شعرها لأعلى في كعكة عشوائية أنيقة.

وبعد ساعة، دخل سالم الشقة. ما إن وطئت قدماه الممر حتى تسلّلت إلى أنفه روائح الطعام الشهية، فتوجّه مباشرة إلى المطبخ، وعيناه مرهقتان من يوم طويل تحت الشمس.

قال وهو يلتفت نحوها:

– "بتعملي إيه؟"

التفتت إليه باسمة:

– "بجهزلك أكل… أكيد جعان ومتغدّتش."

ارتسمت ابتسامة امتنان على شفتيه وقال وهو يقترب:

– "كفاية عليكي… طبيخ النهارده والشغل. مكنش ليه لازمة تتعبي نفسك وتقفي في المطبخ تاني.كنن أقضيها أي حاجه وخلاص"

أجابته بحب، صوتها يقطر دفئًا:

– "إزاي يعني انتَ طول اليوم تحت الشمس واقف لازم تاكل أكله تقويك،وتعبك راحة بالنسبالي… والله أي حاجه بعملها ليك مش بحس بيها."

اقترب منها أكثر، وطبع قبلة امتنان، ثم اتجه إلى غرفته، فوجد ملابسه مرتّبة وجاهزة في انتظاره. نظر إليها مبتسمًا من وراء الباب، وقد أدرك كم تسعى لراحته. ثم دخل ليأخذ دشًا يزيل عنه تعب اليوم.

خرج سالم من الحمّام، قطرات الماء ما تزال تلمع في شعره المبلول، فرش السجادة وأقام صلاة المغرب بخشوع وسكينة. وبينما هو غارق في صلاته، علت أصوات صغيرة بريئة من "مكّة"، تهتف بحماس طفولي ما إن رأت أباها. أخذت تحرّك عربتها الصغيرة، والعجلات تساعدها على الانطلاق حتى اقتربت منه، تُصدر أصواتًا مضحكة تحاول بها لفت انتباهه.

زمزم كانت تُعدّ مائدة الطعام، وابتسامة رقيقة تعلو وجهها وهي تتابع المشهد بعينٍ دافئة.

أنهى سالم صلاته وسلّم، ثم التفت إليها وضحك وهو يمدّ ذراعيه:

ـ "حبيبة قلب بابا… انتي عايزة بابا؟ وحشتيني أوي يا عيوني."

رفعها إلى صدره، يضمها بقوة ويشمّ عبيرها الطفولي وكأنّه يستعيد أنفاسه معها:

ـ "وحشتيني أوي يا موكا."

زمزم التفتت و بصوت هادئ رقيق:

ـ "يلا… الأكل جاهز."

ثم نادت بحنان:

ـ "مالك… حبيبي تعالى يلا."

جلسوا جميعًا حول السفرة، دفء العائلة يملأ الجو. مكّة كانت على فخذ سالم، تمد يديها الصغيرة نحو الأطباق بعناد طفولي تريد أن تلتقط من طعام أبيها.

زمزم ابتسمت وقالت وهي تتابعها بحنان:

ـ "أكلها فرفوته خالص… أنا بدأت أدخل لها أكل مهروس مع الرضاعة."

ثم أخذت بملعقة صغيرة، وقدّمت لمكّة لقمة مهروسة ناعمة، تناولتها الصغيرة بحماس وأصدرت أصواتًا طفولية وضحكات وهي تتحرك فوق رجل أبيها في مرحٍ بريء.

التفت سالم إلى زمزم وهو يذوق الطعام وقال:

ـ "تسلم إيدِك… الأكل جميل أوي."

فقاطعه مالك بابتسامة واسعة وفخر:

ـ "ماما بتعمل أحلى أكل… أنا بحب أكلها عن نينا والباقي."

ضحك سالم وضحكت زمزم بخجل، فأكد سالم وهو ينظر إليها بحنان:

ـ "فعلاً… أكلِك مميز، بعرفه من وسط الأطباق كلها."

خجلها ازداد، فاكتفت بابتسامة هادئة، بينما مكّة تشير بيدها الصغيرة إلى كوب العصير على المائدة.

سالم قال:

ـ "اعطيها عصير؟."

فردّت زمزم بسرعة:

ـ "استنى… أنا عاملة ليها عصير من غير سكر، عصرته مخصوص ليها ولـ مالك، خُده أهو."

أخذ سالم الكوب وسقى مكّة بحرص، فارتسمت على وجهها ابتسامة رضا وهي تضحك وتصفق بيديها الصغيرتين من شدّة السعادة.

بعد أن فرغوا من الطعام، بقي الجو في السفرة هادئًا، مليئًا بالدفء والابتسامات. مكّة جلست على فخذ سالم، ومالك بجوارها، وبدأ سالم يلعب مع مكّة بخفة، يحرك يدها الصغيرة ويرفعها في الهواء بلطف، فتضحك الصغيرة بصوت رقيق.

زمزم جلست بجانبهما، تراقبهم بابتسامة تفيض بالحب، وتشعر براحة قلبيّة لمستوى اهتمام سالم بهم مدت يديها لتعدل شعر مكّة:

مالك ضحك وقال:

– "بابا… إنت دايمًا بتلعب مع مكّة وتضحكها… وتلعب معانا كل يوم أنا بحبك أوي."

ابتسم سالم وقال وهو يقبل رأسه:

– "وأنا كمان بحبك يا حبيبي."

زمزم شعرت بدفء يملأ صدرها، وهي ترى نظرات التقدير والامتنان على وجه سالم، وهمس بحنان:

– " تعب اليوم كله بيروح لما أشوفكم مبسوطين."

ثم نظر إلى العائلة الصغيرة :

– "إنتوا أحلى حاجة في حياتي… والله ما في حاجة أهم منكم."

جلسوا بعد ذلك يستمتعون ببعضهم، مكّة تضحك وتلعب، ومالك يحاول تقليد حركات أبيه، وزمزم بجانبهما تشعر بطمأنينة لمستوى دفء العائلة، وكأن كل هموم اليوم ذابت بعيدًا عنهم.

بعد يوم طويل متعب ومرهق، جلس سالم وزمزم في هدوء الغرفة، تعب اليوم يكسو وجهيهما، لكن الدفء العاطفي يملأ الجو. حضن سالم زمزم بقوة، وهي ابتسمت برقة، ودفنت برأسها في عنقه وكأنها تجد فيه كل الأمان.

وضعته يديها على شعره من الخلف، بينما يداه يلفانها بقوة وحنان، يقربها إليه وكأن جسدهما جسد واحد، يتنفسان سوياً في تناغم هادئ بعد يوم شاق.

غاصا معًا في نوم عميق، هادئين وسالمين، لساعات طويلة، والبيت مليء بسكون الليل، فيما القلبان ممتلئان بالحب والطمأنينة بعد كل ما مرّوا به من أحداث اليوم.

في هدوء الليل، استيقظت زمزم على صوت بكاء مكّة. قامت بهدوء، حملتها على ذراعها وجلست بها على السرير بجانب سالم، الذي فتح عينيه متأثرًا بالاستيقاظ المفاجئ

ابتسمت زمزم وهي تضع مكّة لتبدأ بالرضاعة وقالت زمزم بصوت ناعم خافت بسبب النعاس:

– "نام أنت… هرضعها وهي هتسكت… وبإذن الله تنام تاني."

هز سالم رأسه ونظر إلى الساعة:

– "الفجر… مفضلش عليه كتير… مش مستهلة أنام الربع ساعة دي."

نظر إلى مكّة وهي ترضع بنهم، وعيناه مليئتان بالحب والحنان، بينما أصابع الصغيرة تتحرك على قميص زمزم، فتلمس جلدها بحركة عفوية. لاحظ أثر الصوابع على جلدها، وتحوّل لونها إلى درجات خفيفة على بشرتها البيضاء.

مد يده بسرعة، وملس أثر الصوابع على ذراعها، وعيناه صارمتان:

– "مين اللي عمل كده؟"

ارتجفت زمزم، محاولة أن ترفع كم القميص لتخفي أثرها، لكنه أمسك يدها بلطف لكنه بحزم:

– "اتكلمي… مين اللي اتجرا ومسكك كده؟"

تنهدت زمزم بحذر:

– "مفيش… محدش مسكني… بس اتخبطت وأنا ماخدتش بالي."

تشنجت ملامح سالم، يسك على أسنانه من الغضب:

– "من غير كدب يا زمزم… دي مش خبطه عادية… دي صوابع حد معلمة… انطقي مين فيهم عمل كده وليه؟"

حينها لاحظت مكّة أنها نامت، فرفعت زمزم رأسها وعدّلت قميصها، وضعت مكّة مرة أخرى في سريرها.

تنهدت زمزم وقالت بصوت هادئ:

– "أوعدني… بلاش عصبية وبلاش تتكلم مع حد… خلاص الموضوع خلص… وانت اتكلمت بما فيه الكفاية النهارده."

نظر إليها سالم بعينين صارمتين، فردّدت:

– "أوعدني الأول."

– "مش هقول مين غير لما توعدني إن الموضوع يتقفل من غير كلام مع حد."

انفجر بغضب:

– "اسكت… ازاي يعني؟ وأنا شايف مراتي حد اتجرأ ومد إيده عليه… لو سكت مره هيتمادى،ولا كأن ليكي راجل يحميكي!"

اقتربت زمزم منه، وضعت يدها على صدره، تحاول تهدئته، بينما صدره يصعد وينزل من شدة الغضب:

– "لأ… ليّا راجل… وسيد الرجالة كمان… بس علشان خاطري… كفاية مشاكل وتعكير مزاج."

تنهد سالم وقال:

– "اتكلمي يا زمزم… متعصبنيش زيادة."

أخيرًا، بدأت سرد القصة له، تحكي له سبب الرفض، رد فعل والدته، وكل ما حدث خلال اليوم، ومواقف اليوم التي لم يكن لها ذنب فيها، وهو يستمع ويشعر بالغضب من محاولات أمه المستمرة.

أخرج سالم سيجارته من الكوميدينو، وخرج إلى البلكونة ليولعها وينفث بها عن غضبه. زمزم أغلقت عينيها للحظة، ثم فتحت البلكونة بحذر.

التفت إليها بغضب وهو يرى شعرها وقميص الشقة:

– "ادخلي جوه… إيه مخرجك بالمنظر ده؟"

دخلت زمزم، وقالت:

– "طب… علشان خاطري أطفي السيجارة وأقعد نتكلم سوا… بلاش تاخد جنب كده وتأذي نفسك بالدخان."

حين علا صوت الأذان من بعيد، رمى سالم السيجارة أرضًا وأطفأها بقدمه، ثم دخل من شرفة الغرفة متثاقل الخطوات، متجهًا نحو الداخل. كانت زمزم ما تزال واقفة عند باب الشرفة، تستند بجسدها الصغير إلى الخشب، وعيناها تتابعانه بقلقٍ صامت.

تخطاها سالم، لكن يدها الرقيقة أمسكت بذراعه برفق، شدّته إليها وكأنها تستنجد بلمسته، ثم اقتربت أكثر حتى صارت ملامحها أمامه مباشرة. مدت يدها إلى لحيته، تداعب أطراف شعرها الناعم بين أصابعها، وصوتها خرج خافتًا، متضرعًا:

– "علشان خاطري يا ساِلِم… بلاش تزعل نفسك للدرجة دي، وتاخد كل حاجة على أعصابك. علشان خاطري عدي الموضوع ده وخلاص."

أخذت نفسًا عميقًا، وأسقطت عينيها نحو صدره، ثم تابعت بصوت متهدّج:

– "صدقني شدّك معاهم علشاني مش بيزود الموضوع غير سوء. أنا عاذرة مامتك… مش سهل تتقبلني. ده قلب أم… وأنا أم وعارفة الإحساس. بلاش تزعلها إنت كمان ويكون بسببي."

رفعت رأسها إليه ثانية، غارقة في رجاءٍ يذيب الصخر، وعيونها تلتمع بخوفٍ وحب:

– "أنا عايزاك… علشان خاطري، تنزل الصبح ولما تشوفها تقرب منها وتبوس دماغها… وتقولها متزعلش. حتى لو هي غلطت، إنت مينفعش. هي أمك يا سالم… معلش إلا زعل الأم."

ظل سالم يحدق فيها، بعينين تتغير ملامحهما شيئًا فشيئًا. كيف لها أن تدافع عن تلك التي لا تترك يومًا إلا وتثقل كاهلها بالمهام، وتلقي إليها بسهام الكلام، وتتعمد إهانتها؟ كيف لها أن تقوي أمّه عليه، وهي صاحبة الحق المكسور؟

أيُّ امرأةٍ تلك التي تُنكر ذاتها كل هذا الإنكار لتزرع في قلبه الرحمة؟

اقترب منها خطوة، ثم همس بصوتٍ مثقل بالامتنان:

– "صدقيني… أنا أكتر واحد في الدنيا محظوظ إنك مراتي. والله العظيم… إنتي أكبر نعمة وأغلى رزق ربنا بعتلي."

انحنى برفق، وطبع قبلة طويلة على جبينها، قبلةً لم تحمل إلا الامتنان، والتقدير، والحب.

عاد سالم من المسجد بعد أن أتمّ صلاة الفجر، وقد أضاف ركعتين خاشعتين شكرًا لله على نعمته الجليلة؛ زمزم التي اختارها الله له نصيبًا ورفيقة درب. رفع يديه بالدعاء، والسكينة تغمر ملامحه، ثم عاد إلى بيته وقد امتلأ صدره رضا وطمأنينة.

فتح الباب فوجد زمزم جالسة تنتظره، هادئة القسمات، مسبحتها تتدلّى من أصابعها، وابتسامة رقيقة تضيء محيّاها. نظر إليها بعينٍ يغمرها الحنان، وقال بصوتٍ خافتٍ فيه بقايا الخشوع:

ــ "صلّيتي يا زمزم؟"

أجابت وهي تبتسم، ناظرةً في عينيه:

ــ "أيوه، الحمد لله خلصت… كنت مستنياك."

اقترب منها، وجلس إلى جوارها، ثم مدّ يده فأخذ يدها بين كفّيه، ضاغطًا عليها كأنّه يسكب إليها مشاعره في صمت. أطرقت زمزم برأسها وأسندته إلى كتفه، فتنفّس بعمق، وأغمض عينيه لحظةً هامسًا:

ــ "نعمة كبيرة أوي وجودك في حياتي."

لم تُجبه إلا بابتسامةٍ ودفءٍ ازداد به قربها، ثم انسحبت إلى جانبه، حتى غمرهما السكون، فاستسلما لنومٍ قصير، نومٍ فيه طمأنينة العاشقين، قبل أن ينهضا إلى نهارٍ جديد.

نزل سالم بخطواتٍ واثقة، يحمل مكة بين ذراعيه نائمةً في سكينة، بينما يده الأخرى ممسكة بيد زمزم، كأنما يعلن أمام العالم كله أنّها نصفه وملاذه. مالك يسبقهم فرحًا، يركض على الدرج بخفة الصغار.

حين دخلوا المجلس، كان الجمع كله قد اجتمع. ألقى سالم السلام بصوتٍ مهيب:

ــ "السلام عليكم… صباح الخير."

ردّ الجميع التحية، وتوجّه هو نحو أمّه مباشرةً، انحنى وقبّل رأسها بخشوع الابن الصادق، وقال بصوتٍ يفيض ندمًا:

ــ "أنا آسف يا أمي… عليت صوتي واتكلمت بحدة. سامحيني."

ارتعشت ملامح هدى، وقلب الأم رقّ للحظة، ابتسمت وهي تضع يدها على كتفه:

ــ "ربنا يحفظك ليا يا نضري… أنا مقدرش أزعل منك. إنت ابني اللي باقيلي، وكل حياتي."

لكن سرعان ما تحجّر قلبها من جديد، وخرجت الكلمات من فمها كسمٍّ:

ــ "بس هي… بنت العبابدة."

وقبل أن تواصل، قاطعها سالم بنبرةٍ صارمة، عيناه كالسيوف:

ــ "أمي… أرجوكِ. كفاية. أنا نفسي نكون عيلة من غير مشاكل."

وقفت هدى بجبروتها المعروف، رفعت رأسها وصرخت متحدية:

ــ "المشاكل هتفضل طول ما هي موجودة وسطنا! وطبعا مفيش حل غير إنها تغور… تتطلق… بس فيه عهد ووثاق بالدم. يا رب تموت ونخلص منها… مفيش حل غير كده!"

ثم التفتت وغادرت، تاركة وراءها كلماتها كالسكاكين.

تجمّد سالم في مكانه، كأن خنجرًا غُرس في صدره. ضاقت أنفاسه، وانقبض قلبه من مجرد تخيّل أن تفقده الأقدار زمزم… تلك التي صارت حياته كلّها. نظر إليها سريعًا، وملامحه تفيض وجعًا وحبًا، كأنما يعاهدها في داخله ألا يتركها مهما كان الثمن.

تجمّدت الكلمات في حلق زمزم، كأن روحها أُسكتت عنوة. لم ترد، لم تدافع عن نفسها، لم تعترض حتى… فقط خفَضت بصرها إلى الأرض، وعيناها تغيم بدموعٍ محبوسة، تتأرجح بين الانكسار والكبرياء.

ضمّت كفّ مالك الصغير بقوةٍ وكأنها تتشبث بالحياة فيه، بينما يدها الأخرى ترتعش خفية خلف ظهر سالم. أرادت أن تصرخ، أن تبرر، أن تقول إنها ليس لها دخل مما يحدث… لكن الصمت غلبها. صمتٌ موجوعٌ، ثقيل، يصرخ بصوتٍ لا يُسمع.

التفت سالم إليها سريعًا، فرأى ذلك الانكسار المرسوم على ملامحها، فاختنق صدره أكثر. شعر أنه يخذلها حين ترك أمه تتفوّه بذلك الدعاء القاسي دون أن يقتلع الكلمات من جذورها.

اقترب منها أكثر، شدّ يدها في يده

لكن زمزم، رغم وجعها، لم ترفع عينيها. ظلّت صامتة، وذاك الصمت وحده كان كافيًا ليمزّق قلب سالم إربًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسرى الثأر والهوى

المؤلف Mai Mustafa
2025/11/05 مكتملة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة