وقف سالم، ومكة لا تزال غافية في حضنه، كأنها ملاذه الوحيد من صخب الدنيا. رفع الأب عينيه نحو ابنه، وصوته يخرج هادئًا لكن جادًا:
ــ "تعالى يا ولدي… عايزك في موضوع مهم. سيبك من أمك، انت عارف دماغها."
تنهد سالم بعمق، وكأن صدره يحمل جبالًا، ثم التفت نحو زمزم هامسًا:
ــ "روحي انتي… ولو عايزة تطلعي الشقة، اطلعي. وملكيش دعوة بحد.اعملي اللي يريحك."
ابتسمت ابتسامة مكسورة، فيها من المرارة أكثر مما فيها من الرضا، وقالت بصوتٍ واهن:
ــ "لا… هدخل المطبخ أساعدهم في الفطار."
ثم تركته، وخطواتها ثقيلة كأنها تحمل كل ما قيل من طعنات، ومضت.
جلس سالم إلى جوار أبيه، ينظر لمكة النائمة بين ذراعيه بعطفٍ وشرود. قطع الأب الصمت، وقال:
ــ "دلوقتي يا ولدي… فيه عريس متقدّم لأختك فاطمة."
رفع سالم حاجبيه متجهمًا، وصوته يخرج متحفّظًا:
ــ "مين؟"
أجاب الأب بوقار:
ــ "محمود… ابن عيلة عطالله، ابن جمعة."
ظل سالم يمرّر أصابعه برفق على يد مكة الصغيرة الغافية، ثم تمتم بتفكير:
ــ "أعرفه… شاب محترم، وشايل مسئولية."
ابتسم الأب برضا وأضاف سالم بتوضيح:
ــ " لكن الأمر في الآخر بردو لفاطمة. اعرض عليها، وهي تصلي استخارة… واللي فيه الخير يقدّمه ربنا."
دخل سالم الغرفة بخطوات متثاقلة، وجهه مرهق، وعيناه يكسوهما العناء. كانت زمزم قد فرغت لتوّها من حمّام دافئ، وشَعرُها المبتل ينسدل على كتفيها برائحة النظافة، وبشرتها تلتمع بلمسات الترطيب. التفتت إليه، عيناها تحملان قلقًا وحنانًا.
اقتربت منه وقالت بصوت رقيق:
ـ مالك؟
تنهد سالم وهو يجلس على حافة السرير:
ـ مفيش... اليوم كان مرهق أوي، قعدت فترة طويلة على الكرسي براجع حسابات الشهر، وحاسس عضلاتي اتشنجت من القعدة.
أمسكت يده برفق، وجذبتها نحوها كأنها تدعوه للراحة:
ـ طب تعالى، هعملك مساج بسرعه قبل ما تجهز وتنزل لسه شويه على ما الناس توصل .
جلس مترددًا، فأسرع يقول بخوف:
ـ البسي إنتِ حاجة، هتاخدي برد كده.
ضحكت زمزم بهدوء وهي تشير إلى الجو الدافئ من حولها:
ـ متقلقش عليا، الأوضة دافية ومفيش شبابيك مفتوحة... تعالى بس اجهز انت ،وأنا هروح أجيب الزيوت بسرعة.
خلع سالم عباءته الثقيلة، فانكشفت عضلاته المشدودة كأنها تنطق بالتعب. عاد ليجلس، بينما جاءت زمزم بزجاجة الزيوت بعد أن سخّنتها قليلًا بين يديها. جلست خلفه، وبدأت أناملها الناعمة تنساب فوق كتفيه ورقبته، تدلّك بمهارة صادقة، فتتبدد قسوة الأيام شيئًا فشيئًا.
أغمض سالم عينيه، وكأن دفء لمساتها يذيب ما علق به من همّ، وسكون الغرفة لم يعد يقطعه إلا صوت أنفاسهما المتناغمة، وصوت الزيت وهو يتخلل بين أصابعها وجلده.
كان في تلك اللحظة، كأنما الزمن توقف، وبقيت هي البلسم، وهو الجسد المنهك الذي لا يجد راحته إلا بين يديها.
أغمض عينيه، وأطلق تنهيدةً ثقيلة كأنها أخرجت عن صدره كل ما راكمته الساعات الماضية من توتر وإرهاق.
قال بصوتٍ خافت متثاقل:
"إيدِك خفيفة يا زمزم… زي السحر،مش عارفه أنتِ أنا كنت محتاج اللحظة دي قد إيه."
ابتسمت بخجلٍ لم يره، وقالت وهي تواصل بحنان:
"كل اللي يريحك أنا أعمله… إنت بتشقى طول النهار، وده دوري أريحك من اي تعب وأشيل عنك."
ظل ساكنًا لحظة، ثم رفع يده وأمسك بكفها برفقٍ وهو لا يزال مغمض العينين، كأنه يخشى أن تنقطع تلك اللحظة:
"إنتِ الطبطبة يا زمزم عليا آخر اليوم أنتِ الراحة اللي بستنى اليوم يخلص بسرعه علشان أرتاح … من غيرك الدنيا دي كانت تبقى فاضية وموحشة."
سكتت، وارتعشت أصابعها من صدق اعترافه، لكنّها تماسكت وأكملت تدليك كتفيه بحذرٍ أشد، كأنها تخشى أن تؤلمه أو تفقده تلك الراحة التي وجدها بين يديها.
أدار رأسه قليلًا نحوها، وفتح عينيه نصف فتحة، نظر إليها نظرة ممتنة، نظرة رجلٍ منهك وجد في امرأته سكنًا وسندًا.
قال هامسًا:
"وجودك جنبي هو اللي بيهون أي تعب… ربنا ما يحرمني منك."
فتنهدت زمزم، وقد غمر قلبها شعورٌ عميق بين الحياء والفخر، وكأنها وجدت نفسها بين ذراعيه الأمان والسعادة.
كان الدفء يملأ الغرفة، بخار الماء المتسرب من الحمام يختلط بعطر الزيت الدافئ الذي ما زال عالقًا في الأجواء. زمزم تقف أمام المرآة، عبايتها البنية المتداخلة بخيوط بيضاء تزيدها وقارًا وفتنة، والطرحة تلتف حول وجهها الرقيق فتكمل جمالها المتوهج.
يخرج سالم من الحمّام، الفوطة ما زالت في يده يجفف بها وجهه، يرفع عينيه فيتجمّد في مكانه، كأن الكلمات علقت بين شفتيه ولم يعد قادرًا أن يُكمل جملته.
تتسع نظراته وهو يطالع زمزم بالعباية البنيّ في أبيض، قماشها الساتر الذي زادها أنوثةً ورقّة، والطرحة التي لفتها بعناية وكأنها تُحاكي اكتمال القمر.
يتنهد سالم دون أن يشعر، ونظراته تتجول عليها ببطء، كأنه يراها للمرة الأولى، فيختلط الإعجاب بدهشة لا يستطيع أن يخفيها.
تتورد وجنتا زمزم من ثقل نظراته، وتخفض رأسها في خجلٍ واضح، تشد طرف العباية بيديها كمن تبحث عن مخرج من هذا الموقف، ثم تهمس وهي تحاول الهروب،قالت بخجلٍ مرتبك:
"أنا نازلة تحت… يمكن محتاجين مساعدة قبل ما الضيوف يوصلوا."
لكن يده امتدت بخفة، قبض على يدها وجذبها نحوه فجأة لتصطدم بصدره العاري، وحرارة جسده تتسرب إليها، قلبها يخفق بعنف يكاد يفضحها.
خفض يده على خصرها، يطوقها بقوةٍ لا تحتمل الفكاك، وصوته يخرج عميقًا، متوهجًا بالشغف:
"تنزلي إزاي… وانتي بالجمال ده؟"
أحمرّ وجهها، وارتجفت شفتاها وهي تهمس:
"ساِلِم… سيبني… عايزة أنزل."
لكنّه لم يمنحها الفرار، بل اقترب أكثر، عيناه الغارقتان في تفاصيلها تذيب صلابته المعتادة. هبط بوجهه عليها، وخطف منها قبلة طويلة حارّة، قطعت أنفاسهما وأربكتهما معًا، حتى فقد كلاهما القدرة على الكلام أو المقاومة.
كأن العالم بأسره انطفأ ولم يبقَ إلا هما… وأنفاسٌ متقطعة، وقلبان يعلنان ولاءهما للحب رغم كل القيود.
وقف الزمن عند تلك اللحظة، كأن البيت سكن وكل الأصوات خمدت، ولم يبقَ سوى أنفاسهما المتلاحقة. زمزم بين يديه، خجلة مرتعشة، وهو يطبق عليها بذراعين من لهفةٍ ووله، عيناه تبتلعان ملامحها كما لو أنه يراها للمرة الأولى.
همس وهو لا يزال ملتصقًا بها، صوته غارق بين الحنان والرجاء:
"إزاي أنزل وأسيبك… وإزاي الناس تشوفك بالجمال ده غير عيني؟"
ارتجفت، وانخفض بصرها خجلًا، تحاول أن تفلت، لكن أصابعه كانت كمن يعلن ملكيته لها، كمن لا يسمح للحظة أن تنفلت من بين يديه.
قالت بصوتٍ مبحوح وهي تحاول التماسك:
"ساِلِم… الناس تحت…مستنينا …"
ابتسم ابتسامة جانحة بين الجد والمزاح، واقترب أكثر حتى كاد يذيب المسافة:
"يستنونا… الدنيا كلها تستنى، لكن اللحظة دي… ما تستناش."
ثم غاص مرة أخرى ، قبلة أطول وأعمق، كأنها اعتراف غير منطوق، أو عهدٍ أبدي لا رجعة فيه. يده على خصرها تزداد ثباتًا، وقلبه يخفق بعنفٍ لم يقدر على كبحه.
أما هي، فكانت ممزقة بين الخجل والرضا، بين الرغبة في الفرار وبين رغبةٍ أعمق في البقاء، حتى غلبتها أنوثتها، فاستسلمت لحرارة حبه، يديها ترتجفان على صدره، وعيناها مغمضتان كأنها تسلم قلبها وروحها كلها.
ولم يقطعهما من سحر تلك اللحظة إلا صوت بعيد لضحكاتٍ قادمة من أسفل البيت،وأصوات بوق السيارات أعاد لهما شيئًا من وعيهما، لكن قلب سالم ظل معلّقًا بها، عينيه لا تعرفان سواها.
تنهد سالم، وقد ارتسم في عينيه بريق غيرةٍ خفيّة، ثم قال بصوتٍ متماسك يخفي اضطرابه:
ــ مش عايز ألمح طيفِك قريب من الناس، واللي يقدّم الضيافة حد غيرك... مفهوم؟
أطرقت زمزم رأسها في خجلٍ وهي لا تزال غارقةً في سحر اللحظة، ثم رفع حاجبيه وقال بحزمٍ يمازجه دفء:
ــ انزلي يلا... لأني مش ضامن نفسي أكتر من كده، وأحبسك هنا ومتنزليش.
ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة، ثم خطّت بخطواتٍ مسرعة، متجاوزة إياه، ونزلت. أما هو فظلّ واقفًا للحظة يتنفس بعمق، قبل أن يسرع في تجهيز نفسه وينزل.
وحين وطئت زمزم الطابق الأسفل، تسلّل إلى أذنها صوت بكاءٍ مختنق ممزوج بجدالٍ حاد قادم من غرفة فاطمة. توقفت بخوف، ثم اقتربت على مهل، فإذا بها تسمع صوت فاطمة يعلو بالغضب:
ــ إيه ده! إنتي قولتي هتعمليلي ميكب مفيش منه... أنا مش شايفة نفسي! حاسة نفسي مهرّجة بالألوان دي كلها.
جاءها صوت فرح مستفزًا:
ــ وانتي تفهمي في الميكب حاجه أصلاً؟
دفعت زمزم الباب، فإذا بفاطمة ملامحها مطموسة تحت طبقاتٍ متنافرة من الألوان، تكاد تُشبه المهرّج في هيئةٍ مضحكةٍ مؤلمة. رفعت فرح عينيها نحو زمزم، وفي قلبها جمرة غيظٍ من جمالها الفاتن ورقتها التي تسبقها حيثما مشت.
قالت زمزم بصوتٍ رقيق يحمل نبرة نصح:
ــ ممكن تهدي... وأنا ممكن أساعدك.
انتفضت فاطمة بعنادٍ جارح، ومسحت دموعها بيد مرتجفة وهي تقول:
ــ وأنا هحتاج مساعدتك ليه يا بنت العبابدة؟ إنتي آخر واحدة أطلب منها تساعدني.
لكن فرح لم تُفوت الفرصة، فألقت كلماتها وفيها قهرٌ دفين:
ــ فاكرة نفسها فاهمة في كل حاجة! دي عايزة تنتقم منك في أهم يوم عندنا وتطلعك بشعة.
رفعت زمزم حاجبيها، ونطقت ببرودٍ ماكر:
ــ والله أعتقد مفيش أبشع من الميكب اللي انتي عملتيه.
ثم أتبعت قولها بابتسامة هادئة ولهجةٍ متزنة:
ــ صدقيني مفيش وقت... ومينفعش تخرجي كده. دي أول مقابلة ليهم... مينفعش تكوني بالشكل ده ولا بالكمية دي من الميكب. بصي يا ستي، لو معجبكيش... اعملي اللي انتي عايزاه فيا أنا.
ساد صمت قصير، ثم أومأت فاطمة برأسها وقد بدا الاقتناع في عينيها. اقتربت زمزم، التقطت نفسًا عميقًا، وبدأت تمسح الألوان الثقيلة بحذر، حتى كشفت عن وجهٍ طريّ الملامح. ثم أخذت أدواتها ورتّبت بخفة لمسات بسيطة هادئة، أبرزت وجنتيها، وأعادت لأنوثتها إشراقًا طبيعيًا، فبدت فاطمة جميلة على نحوٍ لم تتوقعه.
رمشت فاطمة أمام المرآة مأخوذةً بجمالها الجديد، لكن عنادها كتمت به كلمة الشكر، فيما اكتفت زمزم بابتسامةٍ صغيرة على شفتيها وهي تدرك تمامًا ما يدور في خاطرها.
هبط سالم الدرج بخطواتٍ واثقة، جلبابه الأبيض مكويّ بعناية، شعره الكثيف مسرّحٌ إلى الوراء، ورائحة عطره تسبقه كعنوانٍ للرجولة الكاملة والأناقة الممشوقة. لمح زمزم خارجةً من غرفة فاطمة، فرفع حاجبيه بدهشة، واقترب منها بصوتٍ منخفض:
ــ فيه حاجه ولا إيه؟
أطرقت رأسها، مأخوذةً من حضوره ورائحة عطره، ثم أجابت بصوتها الناعم على طبيعته:
ــ لأ، مفيش... كنت بس بساعد فاطمه في التجهيز.
ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، وفي قلبه رعشة حنينٍ لها، قبل أن يخترق السكون صوت أبواق السيارات في الخارج. التفت إليها سريعًا وقال بنبرة حازمة وغيورة:
ــ ادخلي جوه يلا، متخرجيش... وزي ما قولتلك.
أومأت برأسها ودخلت المطبخ، بينما خرج سالم إلى الخارج ليستقبل العريس وأهله. جلس الرجال في مجلسهم، وانعزلت النساء في مجلسٍ آخر، وبدأت التجهيزات للضيافة.
وامتنعت زمزم عن تقديم الضيافة كما أوصاها سالم، لكنها لم تترك الأمر كله، بل دخلت مع العروس لتساعد في المجلس المخصص للنساء. تعمّدت أن تتأخر قليلًا، حتى تتيح لفاطمة أن تأخذ لقطة الحضور الأولى، وتستأثر بالأنظار.
وبعد دقائق، خطت زمزم إلى الداخل. ساد المكان همسٌ مبهور، واندهش الجمع من جمالها الفاتن ورقتها التي تخطّت حدود البساطة. ترددت الأسئلة بين النساء: "مين دي؟"، وتناقلن النظرات بدهشةٍ وافتتان.
هناك، جلست هدى تغلي من الحقد، وعينيها لا تفارقان زمزم، حتى بدأ السمّ يتسلل من بين شفتيها كلماتٍ خبيثة، تحاول أن تُظهر زمزم في صورةٍ قبيحة، وتطفئ بريقها الآسر.
جلس سالم في مجلس الرجال مهيبًا، وعلى فخذه الصغير "مكّة" التي ما إن رأت أباها خارجًا لاستقبال الضيوف حتى تعلّقت بعنقه، فحملها بين ذراعيه بحنوّ، وأجلسها على ركبته. امتلأ المجلس بالترحاب، وتداولوا كلمات الاتفاق، وقدّمت الضيافة بكرمٍ مشهود.
كانت مكّة الصغيرة تُصدر أصواتًا مرحة وهي تعبث بيد أبيها الكبيرة مقارنةً بيديها الصغيرتين، ثم حاولت أن تنتزع كوب العصير من بين أصابعه. ابتسم سالم لها، ورفع الكوب إلى شفتيها ليُسقيها برفق، ثم أخرج منديلاً ومسح فمها بحنانٍ أبويّ يذيب القلوب.
تقدّم أخو العريس، يُدعى أيمن، مبتسمًا وهو يقول:
ــ على فكرة يا سالم، بنتك دي محجوزة لابني... مش هلاقي أحلى منها، ما شاء الله. ربنا يباركلك فيها.
ابتسم سالم ابتسامةً مقتضبة، وشكره بأدب، غير أن قلبه انقبض من فرط العيون المعلّقة بابنته الصغيرة. اشتعلت غيرته عليها، فاستأذن الجمع بهدوء، ثم نهض وهو يحتضنها ليُدخلها إلى داخل البيت.
وما إن اقترب من مجلس النساء حتى استوقفته كلماتٌ نافذة كالسهم، إذ كان صوت أمّه يرتفع قائلة:
ــ لو عليّا أنا... نفسي ابني يطلقها من الصبح! تقف كده زي البيت الواقف محدش يُطلها، ومين هيتجوز واحدة مطلقة ومعاها عيلين؟
شهقت المرأة الجالسة بجوارها، وهي عمّة العريس، ثم ردّت بحدةٍ واندهاش:
ــ فشر يا أختي! ده اللي زيها بجمالها ده... يقفوا لها طوابير. طب دي، تطلق بكرا، وابني يتجوزها! تجيب له الواد اللي نفسه فيه وتدلّعه، ويتمتع بالحلاوة دي والرقة دي. ده صوتها بس فتنة لوحده! وكفاية رقتها وأدبها... أنا بصراحة مش مصدّقة كلامك عليها.
تجمّد سالم في مكانه، صدره يعلو ويهبط ببطء، وقد اشتعلت في عينيه نارٌ مكتومة، بين غضبٍ على أمه، ودهشةٍ من جرأة عمّة العريس، وحرصٍ أشدّ على زمزم التي صارت مطمعًا حتى في المجالس المغلقة.
دوّى صوت طرقٍ قوي على باب المطبخ، فارتجّ المكان وتوقفت الألسنة. أسرعت زمزم تفتح، وعيناها دامعتان، يكسوهما وجعٌ مكتوم. ما إن رآها سالم حتى اشتعل غضبه أكثر، فدموعها بالنسبة له جرحٌ لا يُغتفر. ارتفع بصره فجأة نحو أمّه الجالسة، فحدّق فيها بعيونٍ صارمة كالسيوف، نظرةٍ قاسية حملت وعيدًا صامتًا، فأدركت في لحظة أنه قد سمع كلامها، وأن الأمر لن يمرّ مرّ السحاب.
اقترب سالم من زمزم في هدوءٍ مهيب، مسح دموعها بيده الكبيرة بحنانٍ متملّك، ثم انحنى يقبّل جبينها قبلة امتنانٍ عميق، فارتفعت شهقات الدهشة من الحاضرات، وانبهر المجلس كلّه من ردّ فعله غير المتوقع. كانت تلك القبلة بمثابة ردّ اعتبارٍ لها، تثبيتًا لكرامتها، وإعلانًا صريحًا لملكيتها له إلى الأبد.
فقد رأت العيون في هذا الفعل استعادةً لكرامتها وردّ اعتبارٍ علنيٍ لا يرحم.
أخذ مكّة الصغيرة من حضنه، ووضعها في ذراعي زمزم برفق، ثم همس في أذنها بصوتٍ عميق لا يسمعه سواها:
ــ لو مش مرتاحة... متجيش على نفسك. اطلعي شقتك، ومتنزليش... بس لأول مرة بقولك اقعدي هنا، وافرضي سيطرتك بكل قوة.
ثم رفع صوته فجأة، ليخترق أذن كل جالس في المجلس، نبرة رجولية مملوءة بالغيرة والتملك:
ــ انتي مراتي... مرات سالم النبراوي! وأم ولاده... واللي مكتوبه ع اسمه للأبد. مش هتكوني لحد غيري... ولا أنا هأكون لغيرك.
ختم كلامه بقبلةٍ على جبهة زمزم تُعلن النهاية الحاسمة لأي محاولةٍ تقويضٍ أو استهانةٍ بها. وقفت الكلمات في فم الحاضرين، وصمت المجلس لوهلةٍ، بينما احتضنت زمزم مكّة الصغيرة، وارتسمت على وجهها ابتسامةٌ رقيقةٌ تكتنفها دمعةٌ خفيفة، عرفت من خلالها أنّه أعاد لها ليس فقط كرامتها، بل ملكيته لها للأبد.
وقفت زمزم مبهوتة، تكاد قدماها لا تحملانها، وقلبها يخفق كطائر مذعور لم يجد مأمنًا إلا بين جناحيه. ما كانت تتصور أن سالم، الذي اعتادت شدّته وصرامته أمام الجميع، وقف أمام جمع النساء بهذا الثبات ليعلنها ملكةً متوجة على اسمه وحياته.
حين مسح دموعها أمام أعينهنّ، شعرت كأن يد القدر تُعيد لها حقها المهدور، وحين قبّل جبينها، كان كأنه يرفع تاجًا على رأسها لا يزول. أحسّت دفئًا غريبًا يسري في عروقها، امتنانًا وحبًّا وانكسارًا في آن واحد.
أحاطت ذراعيها حول مكّة الصغيرة، وعينيها لا تفارق ملامح زوجها، وفي داخلها صوتٌ خافت يردد: "ما دمتَ لي، فلن أخشى حقدًا ولا سمًّا... ما دمتَ سندي، فلن تهزّني كلمة ولا نظرة."
بين دهشة النساء وحسد العيون، كانت زمزم واقفة بكيانٍ مرفوع، لم تعد تبكي، بل ابتسمت ابتسامةً صغيرة مترددة، ابتسامة من يعرف أن كرامته لم تعد ملك يده وحده، بل ملك يدٍ أخرى قوية أقسمت أن تحميها للأبد.
عاد سالم إلى مجلس الرجال، وجهه متجهم، ملامحه مشدودة يكسوها الغضب، في حين بقيت زمزم في مجلس النساء، تجلس بثقة أكبر قد بثّها في قلبها حضوره وكلماته التي نطقت بغير لسانه، فاستقامت جلستها كأنها ملكة على عرشها. دار الحديث بين الأهل، وخلصوا إلى اتفاقٍ قاطع: أن تكون الخطوبة بعد أسبوع واحد.
وبعد أن تفرّق الجمع، التفت سالم إلى أمّه، عيناه تتقدان عزيمة، وصوته ممتزج بحزن وغضب:
ـ " أمي… أنا هقولها ليكي مرّة واحدة وبس، لو سمعت إنك اتكلمتي على مراتي بكلمة وحشة، أو حاولتي تشوهي صورتها عند حد… أقسم بالله يا أمي لأبعد عنك وعن البيت كله."
وقفت الأم مذهولة، لم تتوقع أن يخرج من فم ابنها ذاك الوعيد، لكن في نبرة سالم صدق لا يقبل المساومة، كأنما يضع خطوطًا حمراء لا تُخترق.
أصرّت أمّ سالم على أن تكون الخطوبة حفلاً كبيرًا في قاعة فخمة، تُزفّ فيها الابنة كالعروس ليلة عرسها. لم يكن في قلبها سوى غايةٍ خفيّة، أن تُشعر زمزم بالمرارة، أن تذكّرها بأنّها لم تَدخل بيتهم بفستانٍ ولا بموسيقى ولا بمظاهر فرح، بل جاءت زوجة بلا احتفال ولا إعلان.
كان يوم الخطوبة مزدحمًا بالتحضيرات، وسالم قضى أغلب النهار خارج المنزل ينسق التجهيزات ويستقبل ضيوف العائلة. بينما في البيت، كانت زمزم منشغلة بتحضير مالك ومكة للسهرة المنتظرة.
حين دخل سالم، لفتت انتباهه مكة بطلتها الساحرة؛ فستان شيفون وردي فاتح مزين بفراشات باللون الوردي والأزرق الباستيل، بأكمام شفافة وطبقة شيفون واسعة تضفي خفة ورقة على الطلة. بشرتها الطرية الناعمة كالمارشيملو تتناغم مع لون الفستان، وخدودها الممتلئة أضافت حيوية طفولية، فبدت في منظرها ساحرة، رقيقة، وفاتنة في آن واحد.
تحت الفستان، كانت ترتدي كولون شبكي ناعم وشراب أبيض عاجي، وصندل وردي فاتح بسيط يكمل الطلة بأناقة طفولية، وعلى شعرها البني الغزير كان يزينه طوق من الورود البيضاء والوردية، ليكتمل سحرها.
وقف سالم منبهرًا وقال بصوت مليء بالإعجاب:
"ما شاء الله عليكي يا حبيبة بابا… ربنا يسترها عليكي من العين."
ثم قبلها على خدها برقة، وأضاف:
"خليه فيه بطانية تداريها بيها، العين وحشة."
أجابت زمزم بحب:
"حاضر."
ثم أشارت له: "هلبس مالك وأنت روحِ أجهز لبسك جاهز،علشان لو هتروح تستقبل ولاد خالتك، وتيجي أكون أنا جاهزه ."
أجاب سالم:
"حاضر."
ذهب سالم ليجهز نفسه، ارتدى جلباب بيج مفصل على جسمه وعضلاته، مع جُبة بشت، تعطر وسرح شعره الغزير للخلف، واعتنى بلحيته قبل أن يتجه إلى غرفة الأطفال.
رأى مالك يرتدي بدلة بيج وكان في غابة الوسامة، فابتسم وقال:
"لا كده كتير… ما شاء الله عليكم يا حبايب قلبي، ربنا يحفظكم من العين ومن كل أذى."
زمزم أجابت بحب وعيونها لا تكاد تغادره:
"آمين ويبارك لنا فيك يا رب ويحفظك لنا."
ومالك قال بحماس:
"بابا خدني معاك."
أجاب سالم مبتسمًا:
"جاي تاني يا حبيبي… وهتركب معايا هروح أجيب ناس وجاي."
اقترب ليقبلهم جميعًا قبل أن يغادر.
ثم بدأت زمزم استعدادها، أخذت دشًا وارتدت فستانًا بيج مطرَّز بزهور بيضاء، واسعًا برونق أنثوي، مع قصة أوف شولدر أنيقة. أضافت تحته مكمل بنفس الدرجة لمسة وقار محتشمة دون أن تُفقده أناقته. طرحة شيفون أوف وايت ناعمة وبسيطة انسجمت مع تفاصيل الفستان برقة، وحذاء بيج ذو عقدة أمامية وكعب رفيع أكمل الطلة في توازن راقٍ، لتظهر زمزم بكامل ألقها، أنيقة، محتشمة، وغاية في الجمال.
جلسَ سالم في السيارة أسفل البيت، وإلى جواره بنات خالته اللواتي قدمن من مصر. كان قلبه يتسارع على غير عادته، كأنّ شيئًا ما ينتظره على أحرّ من الجمر. فجأة، رنّ هاتف زمزم وهي في شقتها تُجهّز حقيبة صغيرة لمستلزمات مكة. التفتت إلى مالك وقالت برفق:
ـ "مالك حبيبي، هات الموبايل ده."
ناولها الهاتف، فإذا هو سالم. أجابت بصوتها الهادئ:
ـ "أيوة يا ساِلِم."
فقال وهو يبتسم:
ـ "جهزتوا؟"
ـ "أيوة خلاص."
ـ "تمام… أنا تحت."
ـ "حاضر… هننزل أهو."
فردّ عليها بنبرة دافئة:
ـ "براحتك… متستعجليش."
لم تكد تُنهي المكالمة حتى حملت مكة بين ذراعيها، ونزل مالك بجانبها متشبثًا بطرف فستانها. لحظتها، كان سالم يسترق السمع إلى همسات الإعجاب من بنات خالته:
ـ "واو… فستانها خطير."
ـ "هي خطيرة أوي، جمالها مش طبيعي."
رفع رأسه إلى باب العمارة، فإذا بزمزم تخرج، تحمل طفلته، وإلى جوارها مالك. كانت طلتها آسرة؛ فستانها ينساب برقة محتشمة، وطرحتها منسابة على كتفيها كنسمة ناعمة، لا يزاحمها إلا بريق عينيها.
أصابه الذهول، كأنّها أول مرة يراها بهذا البهاء. انعقدت ابتسامة صغيرة على ثغره من غير أن يشعر، وسكنت عيناه عليها، متجاهلًا كل الهمسات التي تدور حوله. كان المشهد عنده أكبر من أي إعجاب عابر؛ فقد رآها الملكة التي لا يُزاحمها في قلبه أحد، وهي تحمل بيته كله بين ذراعيها.
نزل سالم من السيارة بهيبة ووقار، خطواته راسخة تُشيع مهابة في النفوس. اقترب منهم بملامح تفيض جدية، ثم مدّ ذراعيه ليحمل مكة من بين يدي زمزم. كانت عيناه معلّقتين بها، ينهل من جمالها في صمت، حتى بدا مأخوذًا كمن وقع في أسر سحرٍ لا يُفلت.
قال وهو يرمقها بنظرات مشوبة بالوله:
ـ "أنا خايف أوي النهارده… الناس يحسدوني عليكم، وعلى جمالكم."
احمرّ وجهها خجلًا، وابتسمت بخفوت، قبل أن تردّ وهي تتلفت بحياء:
ـ "طب يلا… البنات في العربية مستنينا."
سارع بخطواته ليفتح لها باب السيارة، وحين جلست ارتفع طرف فستانها دون قصد، فبانت رجلاها البيضاء الناعمة. انقبض صدره غيرة، وعقد حاجبيه بحدة، ثم مال نحو أذنها وهمس بنبرة مشتعلة:
ـ "مش لابسه ليجن ليه تحت الفستان؟"
ارتبكت وهي تجيب بخفوت:
ـ "لابسه والله… بس هو بعد الركبة بشوية."
كزّ على أسنانه، وقال بصرامة متحسّبة:
ـ "بعد كده كامل… متضمنيش أي ظرف."
أطرقت برأسها، وأجابت بطاعة هادئة:
ـ "حاضر."
وضع مكة بين ذراعيها برفق، ثم مال وقبّل طفلته الصغيرة بحنوّ، قبل أن يلتفت إلى مالك قائلاً:
ـ "تعالى اقعد على رجلي إنت."
قفز مالك بمرح وجلس على فخذ أبيه، فيما عاد سالم إلى مقعد السائق، وأدار السيارة.
وفي الخلف، تبادلت بنات خالته النظرات قبل أن يوجهن حديثهن إلى زمزم بعفوية مشوبة بالإعجاب:
ـ "ما شاء الله… بنتكم حلوة أوي زي المارشيملو. وانتي جميلة أوي، وفستانك جميل."
ابتسمت زمزم برقة غير متكلّفة، وردّت بصوتها الناعم العذب:
ـ "شكرًا لذوقك… انتي الأجمل."
اندَهشت إحدى البنات من حلاوة نبرتها، وقالت باندفاع صادق:
ـ "لأ… واضح إن مش ملامح بس اللي جميلة، صوتك كمان ناعم أوي ورقيق."
خجلت زمزم من إطرائهم، فخفضت رأسها وقد تلونت وجنتاها بحمرة خفيفة، بينما انشغلن البنات بملاعبة مكة، يأخذنها بين أذرعهن ويضحكن معها ويلتقطن الصور فرحات بجمالها الطفولي.
وما هي إلا لحظات حتى وصلت السيارة إلى القاعة. نزلت البنات أولًا، ثم تبعهم سالم، فأصلح بشتَه بخطوات واثقة، وأمسك بيد مالك الصغير. مضى ليفتح الباب لزمزم، ثم حمل مكة من بين يديها وأمسك بيدها بملكية واضحة، كأنّه يُعلن على الملأ أنّها له وحده.
دخلوا القاعة، فالتفتت الأنظار كلها إليهم؛ صورة عائلية باهرة تتكامل في مشهد واحد: سالم بكاريزمته وهيبته الطاغية ورجولته الصريحة، وزمزم بجواره في قمة الرقة والنعومة، تحمل أنوثة هادئة آسرة، وحولهما ولدان هما نسخة مصغّرة منهما.
أجلس سالم زوجته على طاولة العائلة، ثم انحنى نحوها هامسًا:
ـ "متتحركيش من مكانك… أنا مش هعرف أقعد كتير علشان بستقبل المعازيم."
ابتسمت بثقة مطمئنة، وقالت برفق:
ـ "حاضر… متقلقش."
مضى بعدها ليستقبل الضيوف بابتسامته الرسمية ووقاره، غير أنّ عينيه ظلّتا لا تفارقان الطاولة حيث جلست زمزم وأطفاله. وكلّما لاحظ الأنظار مسلطة عليهم ازداد صدره ثقلًا، فزفر بضيق وغيرة مكتومة.
ووسط الضجيج، تعالت صرخة بكاء مكة الصغيرة، وظلّت تبكي رغم محاولات زمزم لتهدئتها. اقترب سالم بوجه عابس قلق، وقال بسرعة:
ـ "مالها؟"
رفعت زمزم كتفيها بحيرة، وأجابت:
ـ "معرفش… أعتقد الصوت عالي وهي مزعوجة منه."
قال بحزم:
ـ "هاتيها… أتمشى بيها بره بعيد عن الصوت."
ناولته الصغيرة، فأخذها بين ذراعيه بحنو بالغ، ثم سأل:
ـ "فين البطانية؟"
أشارت إلى حقيبة المستلزمات، وقالت بهدوء:
ـ "أهي."
أخرجها وغَطّى بها ابنته بحرص شديد، ثم خرج بها إلى ممر هادئ بعيد عن صخب القاعة، يمشي بها في حنان أبويّ يختلط فيه حبه وحرصه، كأنه يخلق لها عالَمًا آمنًا بعيدًا عن الضجيج كله.
خرج سالم من القاعة بخطوات واثقة، تحمل في طياتها قلق أبويّ وغيرة دفينة. كان الضجيج يتضاءل كلما ابتعد، حتى لم يبقَ سوى خفوت أصوات مكتومة، وصوت أنفاس مكة الصغيرة بين ذراعيه.
تأمل وجهها البريء وقد احمرّ من البكاء، فمال عليها يقبّل جبينها بحنوّ، ثم أخذ يربّت على ظهرها بخفة. لم تمر لحظات حتى هدأت، وراحت تتشبّث بملابسه كأنها وجدت الأمان في صدره.
ابتسم سالم ابتسامة خفيفة، وهمس لها وهو يهدهدها:
ـ "إيه يا قمر… كنتي زعلانة من دوشة الناس؟ خلاص… بابا معاكي، متخافيش."
جلس على مقعد جانبي في ردهة هادئة خارج القاعة، أسند ظهره وأسند الصغيرة إلى صدره، ثم غطاها بالبطانية بإحكام. كانت أصابعه تتحرك بحذر فوق خصلات شعرها الناعمة، وعيناه تتأملان ملامحها في سكينة، كأنه يقرأ في وجهها الصغير قصة حب أكبر من أن تُروى.
ظل جالسًا على هذا الحال، طفلته نائمة بين ذراعيه، وملامحه تجمع بين القوة والحنان، بين الغيرة والطمأنينة، كأنه صار الحصن المنيع الذي لا يقترب منه ضجيج ولا عيون حاسدة.
عاد سالم إلى القاعة، فأعطى مكة لزمزم برفق، ثم مضى يستقبل الضيوف بوجهه المشرق وهيبته التي تفرض الاحترام. غير أنّ أصوات الأغاني العالية وضجيج الحفل لم يتركا الصغيرة في هدوئها طويلًا؛ فما إن غفت قليلًا حتى انتبهت ثانية، وأخذت تبكي.
زمزم هدهدتها بحنان، وهي ترفع بصرها تبحث عن سالم بين الحشود. وحين التقت عيناها بعينيه، أومأت له إشارة خفية، ففهم على الفور، واقترب منها بخطوات ثابتة. قالت له بابتسامة خفيفة:
ـ "عايزين نتصور سوا."
ابتسم بدفء، وردّ:
ـ "قومي يلا."
حمل مكة من بين يديها، فيما أمسكت هي بيد مالك، واتجهوا معًا نحو ركن التزيين المخصص للصور. نادى سالم على أخته الصغيرة لتلتقط لهم صورة عائلية. اجتمعوا جميعًا: سالم، وزمزم، والولدان، فكانت صورة تنطق بالبهاء والدفء الأسري.
التفتت زمزم إليه بعد اللقطات، وقالت بخجل رقيق:
ـ "طب اقف أصورك لوحدك."
وقفت تعدّل هاتفها والتقطت له صورًا فردية، ثم أضافت بابتسامة حانية:
ـ "ومع مكة مرة… ومع مالك مرة."
أخذ صورته مع ابنته ثم مع ابنه، قبل أن يعود إليها بجدية مازحة، قائلًا:
ـ "تعالي بقى… انتي صورتيني مع الكل ونسيتي أهم حد."
عقدت حاجبيها بدهشة:
ـ "مين أهم حد؟"
شدّها نحوه، واقترب من أذنها بصوت منخفض حادّ بالصدق:
ـ "انتي… انتي أهم حد في حياتي."
ارتبكت زمزم، واحمرّت وجنتاها خجلًا، وابتسمت ابتسامة أشرقت بها عيناها. وقف بجانبها، فالتقطوا صورة ثنائية تنطق بالعشق الصامت.
بعدها عاد بهم إلى الطاولة، وقبل أن يجلس، جذب مالك ثوبه وقال ببراءة:
ـ "بابا… عايز أروح الحمام."
ردّ سالم بحنو:
ـ "تعالى يا حبيبي."
أخذه معه إلى حمام الرجال، وقف سالم ينتظر بينما مالك يغسل يديه بمرح. وفي تلك اللحظة، اخترق مسامعه حديث مجموعة من الرجال يقفون على مقربة من شباك الحمام خارجاً، حديث انسكب في أذنه كالجمر المشتعل.
قال أحدهم مبهورًا:
ـ "يا ابوي على الجمال… إيه ده يا جدع؟ ده احنا معانا غفر، أقسم بالله!"
ردّ الآخر بعيون وقحة:
ـ "عليها جوز عيون وشفايف إيه…"
جاء صوت ثالث أكثر جرأة، يصف جسدها بوصف فجّ، يقطّع قلب سالم نارًا.
ثم أطلق الرابع كلماته كمن يصب الزيت على النار:
ـ "حظه ابن البراموني… ده أنا أسلم أبويا نفسه يقتلوه وأطالب بملبن زي دي أتمتّع بيها!"
كانت الكلمات كالسياط تضرب صدر سالم، فاشتعلت عيناه بنار لم يعرفها من قبل، وكأنّ بركانًا أُوقِد داخله لا يهدأ. قبضت يده تلقائيًا حتى ابيضّت أنامله، وعروقه تنتفض غضبًا، والغيرة تنهشه كوحش جائع.