إعتراف يسكن العاصفة

إعتراف يسكن العاصفة

20 0

سحب سالم مالك من يده، وعاد به إلى الطاولة. كانت ملامح وجهه قاسية، صارمة، لا تبشّر بخير. رمقته زمزم بنظرة قلقة، ففهمت على الفور أنّه في أشدّ لحظات غضبه. حاولت أن تكلمه بصوت مرتجف:

ـ "ساِلِم…"

لكنّه مضى بخطوات سريعة دون أن يلتفت، كأنّ أذنه صُمّت عن كل كلمة. خرج من القاعة إلى الممر المؤدي إلى الجراچ قُرب الحمامات، حيث كان أولئك الرجال ما زالوا واقفين، يضحكون ويتهامسون بما سمعه منذ لحظات.

وما إن وقعت أبصارهم عليه حتى تجمّدوا في أماكنهم. كان واقفًا أمامهم بغضب يشبه العاصفة، عيناه تقدحان شررًا، ونَفَسه يعلو ويهبط كوحش مُستثار. ارتعدت قلوبهم من منظره، وكأنهم لم يواجهوا رجلًا من قبل.

خلع البشت عن كتفيه بهدوء مرعب، وألقاه جانبًا، ثم قال بصوت غليظ تقشعرّ له الأبدان:

ـ "لو راجل… منك له… سمعوني بتقولوا إيه على مراتي. ولو إنّي أشك إنكم رجالة أصلًا!"

ساد الصمت، العرق يتصبّب من جباههم، وألسنتهم انعقدت. اقترب سالم بخطواته الثقيلة، صوته صار صاعقًا وهو يزمجر:

ـ "يا وسخ… كنت بتقول إيه؟ عايز تتمتّع؟ ما تقلقش… أنا همتّعك دلوقتي."

لم يُمهلهم فرصة؛ انقضّ عليهم كالصاعقة، وانهالت قبضاته عليهم بعنف لا يُقاوم. كانت قوته الجسدية مُخيفة، لكن غيرته جعلته أقوى بأضعاف، كأنّ كل غضبه تجمّع في لحظة وانفجر.

توالت الضربات حتى تساقطوا واحدًا تلو الآخر، يصرخون طلبًا للنجدة، لكن أصوات الأغاني العالية في القاعة طمست استغاثاتهم. لم يسمعهم أحد.

وقف سالم فوقهم، أنفاسه متقطعة من شدّة المعركة. رماهم بنظرات ازدراء، ثم تفل عليهم باحتقار، والتقط بشتَه عن الأرض، ومضى بخطوات ثقيلة، تاركًا إياهم مرميّين متكسّرين، كأنّهم جثث بلا حول ولا قوة.

عاد سالم إلى القاعة بعد دقائق، والاحتفال كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، فالخطوبة قاربت على الانتهاء. بدا على وجهه أثر العاصفة التي مرّت، صمت غاضب، وملامح متحجرة تنذر بالنار التي لا تزال مشتعلة داخله.

تقدّم بخطوات ثابتة حتى وصل إلى زمزم، فأمسك بيدها بقوة، وحمل مكة بين ذراعيه من غير أن ينبس بكلمة. نظراته كانت كالسكاكين، وحركات جسده متوترة، كأنّه يجرّ خلفه غيمة سوداء من الغضب.

لم يتبادل مع أحدٍ تحيةً ولا كلمة، فقط مضى صامتًا. زمزم شعرت بالرهبة من شدّة ما تراه في ملامحه، فآثرت الصمت، مكتفية بأن تضم مالكًا إلى جانبها.

خرج بهم سالم إلى السيارة، فتح الباب لزمزم وأجلسها برفق متحكم، ووضع مكة في حجرها. ثم دار حول السيارة بخطوات مشحونة، وجلس خلف المقود، وانطلق بهم صامتًا نحو البيت.

كان الطريق ممدودًا أمامهم في سكون الليل، غير أنّ الصمت في السيارة كان أثقل من أي كلام، وصوت أنفاس سالم الغاضبة وحده يكشف عن بركان ما زال يشتعل داخله.

دخل سالم البيت وهو عابس الوجه، صوته ساكت لكن خطواته تطرق الأرض بعصبية.

فتح الباب بقوة، ثم دخل أولًا تاركًا زمزم خلفه تحمل مكة على صدرها، بينما مالك يتشبث بثوبها.

وضع مفاتيح السيارة على الطاولة بحركة جافة، وخلع بشتَه وألقاه على الكنبة كأنّه يتخلّص من ثقل العالم. جلس للحظة على حافة المقعد، مسندًا مرفقيه إلى ركبتيه، ورأسه بين كفيه، أنفاسه لا تزال متسارعة.

زمزم وقفت مترددة، لا تعرف أتنطق بكلمة أم تلوذ بالصمت. وضعت مكة النائمة في حجرتها الصغيرة برفق، وأرسلت مالك إلى غرفته، ثم عادت بخطوات متوجسة.

كان سالم قد نهض، واتجه نحو البلكونة. أشعل سيجارة بسرعة، وأخذ منها نفسًا عميقًا حتى احمرّت أطرافها، ثم أطلق الدخان في الهواء وكأنّه ينفث غليله مع كل زفرة.

وقفت زمزم على مسافة، نظراتها قلقة، يديها متشابكتان أمامها. أرادت أن تكسر الصمت لكنها شعرت أنّ أي كلمة قد تُشعل غضبه من جديد.

لم يكن في المكان سوى صوت أنفاسه المتقطعة، وصفير الريح عبر الشباك. الجو ملبّد، كأن البيت كله يعيش تحت سقف من الغضب المكتوم.

بدّلت زمزم ثيابها على عجل، علّها تُزيح شيئًا من توترها، ثم خرجت لتجده كما تركته؛ واقفًا في البلكونة، سيجارته تتوهّج بين أصابعه، وعيناه شاردتان في العتمة. بدا كأن الليل كله انعكس في وجهه.

اقتربت قليلًا، ونادت بصوت حنون مرتجف:

ـ "ساِلِم…"

التفت إليها بوجه عابس، عيناه تلمعان ببقايا الغضب. تقدمت خطوة أخرى وقالت برجاء:

ـ "ممكن تدخل؟ كفاية سجاير… تعالى اقعد معايا، واحكيلي إيه مضايقك. زي كل مرّة… نسمع بعض ونلاقي حل."

أدار رأسه عنها، ونفث دخانًا كثيفًا، ثم أجاب بصوت متقطّع بالغضب:

ـ "المرة دي… مفيش فيها كلام. متقلقيش… ادخلي نامي انتي."

تعلّقت نظراتها به، لم تستسلم، قالت بعتاب رقيق اخترق صلابته:

ـ "من إمتى بنام وإنت مش جنبي؟ طب لو مش عايز تتكلم… تعالى اقعد جنبي بس، بلاش تعزل نفسك كده وتحرّق في سجاير."

كان صمت سالم أثقل من الحديد، لكنه هذه المرة لم يملك أن يتجاهل دفء كلماتها. التفت إليها ببطء، عيناه لا تزالان قاسيتين، لكن في عمقهما بريق خوف وحيرة.

أطفأ سالم سيجارته في الطفاية بقوة، كأن النار المشتعلة فيها امتدادٌ لغضبه. ظلّ واقفًا لحظة صامتًا، كتفاه مشدودتان وصدره يعلو ويهبط كبحرٍ هائج. وحين التقت عيناه بعينيها، شعر وكأن دفء نظرتها يذيب شيئًا من الجليد الملتف حول قلبه.

تنفّس بعمق، ثم أغلق باب البلكونة خلفه بخطوات مثقلة، واتجه نحوها. جلس إلى جوارها على الأريكة، لكن ملامحه بقيت واجمة، كأن الكلمات تأبى أن تخرج.

مدّت زمزم يدها بخفة، وضعتها فوق يده الكبيرة المرتجفة قليلًا، وهمست برفق:

ــ "أنا جنبك… قول أو حتى اسكت، بس بلاش تسيبني برا دايرة همّك."

اقتربت منه أكثر، شدّت رأسه نحوها بحنان حتى استقر على فخذها، فاستجاب بلا مقاومة، كطفلٍ أرهقته الحياة. أخذت تمسّد على شعره ببطء، كأنها تحاول أن تُخرجه من بحر الغضب إلى شاطئ الطمأنينة.. ، تحاول أن تنتشله من بين أنياب الغضب، فبدأت تسرد ذكرياتها بصوتٍ دافئ:

ــ "عارف أول ما حكموا إن اتجوزك كنت مرعوبة قد إيه؟ "

رفع بصره إليها باستغراب، إذ كانت تلك المرة الأولى التي تبوح له فيها بمشاعرها تجاهه منذ البداية.

ـ "كنت متأكدة إن حياتي معاك مش هتكون غير قسوة، وإنك هتوجعني بنار حرقتك من التار… لكن كل مرة كنت أصلي استخارة، كنت ألاقي قلبي مرتاح ليك بطريقة غريبة. وكنت بسأل نفسي إزاي أرتاح لحد أكيد مش بيطيقني؟"

رفعت عينيها إليه، وابتسامة صغيرة كسرت ملامحها، وما زالت أصابعها تنسج الطمأنينة في شعره:

ــ "من أول يوم دخلت البيت، شُوفت معاملة أهلك ليا، وقولت لنفسي دي بداية جحيم. لكن أول ما شُوفتك… تحت طرحة الفستان… حسّيت براحة غريبة، مع إن حضورك كان مرعب. المفروض أكون أكتر واحدة مرعوبة منك، لكن كان جوايا شعور إني لو قومت جريت على حضنك، هلاقي أمان من نظرات الكره وكلامهم الجارح."

سالم كان يستمع وقلبه يخفق بقوة، غير قادر أن يصدق أنه كان أمانًا لها من اللحظة الأولى.

تابعت هي بنبرة يكسوها الحنين:

ــ "أول ما قعدت جنبي بعد ما مشوا، كنت خايفة، بس مطمّنة. ولما اتكلمت وقولتلي إنك عارف إني مليش ذنب، وإنك هتعاملني بما يرضي الله، وإنك مش عايز مني غير إني أكون زوجة صالحة… كلامك ده يا سالم، لسه محفور جوايا بنفس نبرتك: (الخير فيما يختاره الله). مسكت إيدي اللي كانت بتتجمد من الخوف، ودفّيتها بدفاك، وقولتلي الآية:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ… وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾."

وأنك مؤمن جداً بمقولة

الخير فيما يختاره الله، وما يختاره الله لنا

هو خيرٌ لنا حتى لو كان عكس رغبتنا

وكل اختيارات الله صالحة حتى وإن كنا

لا نفهم الأسباب

تنهدت بعُمق ثم أضافت، والدمعة تلمع في عينيها:

ــ "من يومها وأنا كل يوم بتأكد إن الخير كله كان أنت. وإن فعلاً اختيارات ربنا دايمًا صالحة حتى لو مش فاهمين. أنت يا سالم الخير اللي ربنا بعتهولي. كل مرة وقفت قصاد أهلك علشاني، كل مرة تعبت فيها ولقيتك أول واحد يسندني، كل نظرة حب من عينيك… كنت أقع في حبك كل فعل كنت بتعمله ليا علشان ارتاح وكل مره كنت بتوقف فيها قصاد أهلك وتمنعهم يضايقوني كل مره كنت بحبك أكتر."

لم يتحمّل سالم وقع كلماتها، فرفع رأسه من فخذها فجأة، جلس أمامها، قبض على وجهها بين يديه، وصوته يرتجف ببحّة العاطفة:

ــ "قولي تاني… إنتي إيه؟"

ابتسمت زمزم بارتباكٍ رقيق، واقتربت حتى التصقت وجنتها بوجهه، ثم لفظتها ببطء، كأنها تعلن عهداً:

ــ "بحبّك…"

توقفت لحظة، ثم كررتها بعمقٍ أكبر، بصوت أصدق وأدفأ، كأنها تُدخل الكلمة إلى دمه وعروقه

ــ "بحبّك."

فأغمض عينيه على الكلمة كأنها دواءٌ يُسكّن كل وجعه.

اقترب سالم أكثر، وعيونه تلمع بدموعٍ حبستها سنون الصلابة. كانت هذه المرة الثانية التي ترى فيها زمزم دموعه؛ أول مرة كانت يوم ولادة مالك، حين رأى عمرها مهددًا بين يديه، واليوم… دموعه تهطل من باب الحب.

همس بصوتٍ متهدّج:

ــ "إنتي عارفة إنتي عملتي فيا إيه؟… عارفة إن الأربع سنين اللي فاتوا ما كانش يمر يوم غير وأنا في صلاتي بدعي ربنا يرزقك حُبي زي ما أنا حبيتك؟… كنت بدعي قلبك ينفتح ليا مش بعِشرة ولا مودة، لا… بحب أكبر، حب حقيقي من جوّه."

يده تحاصر وجهها وكأنه يخشى أن تضيع منه، اقترب أكثر حتى تلامست أنفاسهما، فأغمضت زمزم عينيها، وانسابت الدموع على خدها في صمتٍ مطمئن.

في تلك الليلة… لم تكن مجرد جلسة اعترافات، بل ميلاد حبٍ جديد، حبٌ لم يعرفاه من قبل. تلاشت الجدران التي كانت تفصل بينهما، وانفرجت الأقفال القديمة في قلب زمزم، فدخل سالم إليه كأنه بيته الذي ضاع عنه طويلًا.

جلسا متعانقَين، يتهامسان باعترافات لم تخرج يومًا للعلن. سالم كان مختلفًا؛ لم يعد الرجل الجامد الذي يخبئ شعوره وراء صمته، بل عاشق جارف، يحملها بين ذراعيه بقوة، عنيفًا في اندفاعه، لكنه في كل لمسة يسكب من قلبه حبًا لا حدود له.

أما زمزم، فلم تواجه حدته بالخوف، بل بالحب. فتحت ذراعيها له أكثر، استقبلت شدّته بحنان، قابلت عاصفته بسكونها، وكأنها تخبره:

"ازرع غضبك في حضني، سأعيده لك حبًا."

وبين كلماته المتهدجة ولمساتها الرقيقة، قضيا ليلتهما كأنها ليلة ميلاد جديدة، لا لزواجهما فقط، بل لقلبيهما معًا.

أشرقت أنوار الصباح بعد نومهما عقب صلاة الفجر، فتسلّلت خيوط النهار من وراء الستائر برفق، تُلقي بضياء خفيف على ملامحهما. كان سالم ما يزال نائمًا، وزمزم غافية في حضنه، رأسها على صدره، وذراعه ملتفّة حولها كما كان طوال الليل، كأنّه يخشى أن تبتعد حتى في الحلم.

فتح عينيه أولًا، شعر بطمأنينة لم يعرفها من قبل، ثم انحنى قليلًا يقبّل جبينها. تحرّكت زمزم بخفة، فتحت عينيها بكسل، وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها حين لمحت عينيه.

زمزم رفعت وجهها بخفة، نظرت إليه بنعومة، وهمست بصوتٍ يقطر دلالًا:

ــ "صباح الخير يا حبيبي."

ابتسم سالم من وقع الكلمة، كانت أول مرة تُقال له منها، شدها إلى صدره بقوة أكبر. انحنى بوجهه على خدها، وطبع قبلة طويلة دافئة، ثم قال وهو يتهامس قرب أذنها:

ــ "ده طلع فيه اسم تنادي عليّا بيه أحلى من ساِلِم."

نطق الاسم بطريقتها المميزة، فأثارت ضحكة رقيقة من بين شفتيها، ضحكة جعلته يتيه وكأنه سُحر بها من جديد.

قالت له وهي تحرّك خدها الملامس لخده، تمرّره ببطء على ذقنه:

ــ "والله غصب عني… مش قصدي فعلًا. زي ما بيقولوا، بتسهوك أو كُهن… هو بيطلع مني كده."

أطبق سالم على يدها بأصابعه، وحدّق فيها بعينين يملؤهما العشق والغيرة، وقال بلهجة مفعمة بالشوق:

ــ "عارف يا حبيبي… وده من أكبر نِعَم ربنا عليكِ. واللي بتجنّنني… وتولّع غيرتي عليكي زياده."

كانت زمزم ما تزال تحتفظ بابتسامتها الحالمة، أنحنت قليلًا على أذن سالم وهمست بحبٍّ غامر:

ـ أنا ليك… وملكك إنت وبس.

أحاطها بذراعه في حنوّ، ومرّت لحظة قصيرة شعرت فيها وكأن قلبها لا ينبض إلا من أجله. ثم نهضا معًا ليتجهزا، كان في حركاتهما إشراق لم يألفه أحد من قبل، كأنّ النور يسكن ملامحهما. وحين نزلا، بدت عيونهما لامعة، مشعة بمحبة صافية، حتى أنّ كل من يراهم يلتفت مدهوشًا بوضوح السعادة على وجهيهما.

ومع نهاية اليوم، جلس الجميع في أمسية عائلية. كان الجوّ هادئًا، والضحكات متناثرة بين أفراد العائلة، بينما زمزم تجلس إلى جوار سالم، وعلى ركبته الصغيرة مكة التي رفضت بإصرار أن تلعب مع أطفال العائلة، مفضّلة حضن أبيها الآمن.

قطع أصيل الصمت وقال بصوت يملؤه الغموض:

ـ سمعت إنهم لاقوا أربع شباب مرميين برّه القاعة، مضروبين ومعدومين العافية.

شهقت النساء في دهشة، وتعالت التساؤلات، أمّا حمزة فظل ثابتًا، ملامحه كالحجر، لكن داخله يغلي بنار حارقة كلما تذكّر ما قاله أولئك الشباب في حق زمزم.

تدخّل عثمان، والد أصيل، بنبرة ثقيلة:

ـ طب ولما فاقوا، ما قالوش مين عمل فيهم كده؟ وكانوا كام واحد عليهم؟

ردّ أصيل بتوضيح:

ـ بيقولوا… إنهم اتشاكلوا مع نفسهم.

ساد الصمت فجأة، ثم ارتسمت على محيّا سالم ابتسامة ساخرة، مشوبة بالاحتقار، كأنّه يسخر من جُبنهم وخوفهم الذي كمم أفواههم عن الحقيقة.

في تلك اللحظة، رنّ هاتف زمزم. التقطته سريعًا، نظرت إلى الشاشة، ثم مالت على سالم وهمست بصوت خافت:

ـ دي هميس… أختي الصغيرة. هطلع أرد عليها.

أومأ سالم بهدوء، عينيه لا تفارق ملامحها، يتابع خطواتها حتى غادرت القاعة. بقي شاخصًا نحو الباب بعد خروجها، وفي قلبه خليط من شوق وغيرة وحرص، كأنّ غيابها لدقائق يثقل صدره.

عادت زمزم، ودموع القلق لم تزل عالقة في عينيها، اقتربت من سالم بخطوات مضطربة، فالتفت إليها بسرعة وقد غمره الخوف. همست بصوت متهدّج:

ـ ماما تعبانة… وعايزة أروح أشوفها.

شدّ على يدها، وهزّ رأسه قائلًا بحزم مطمئن:

ـ حاضر… اطلعي إجهّزي يلا ونروح. وجهزي معاكي مكة ومالك.

أومأت زمزم دون أن تنطق، قامت مسرعة تُجهّز صغيريها، ثم نزلوا معًا. حمل سالم مكة على ذراعه، فيما أمسكت زمزم بيد مالك، ونزلوا الدرج بخطوات يغمرها التوجس، حتى وصلوا إلى بيت والدة زمزم.

كان في استقبالهم أهل البيت بالترحاب، ثم دخلت زمزم غرفة أمها. كانت الأم ممدّدة على السرير، شاحبة الوجه، لكن ملامحها مكسوّة بصبر مؤمن. اندفعت زمزم نحوها، وجلست بجانبها، تمسك يدها بارتعاش وتقول بلهفة:

ـ ماما… حبيبتي، إنتي كويسة؟

ابتسمت الأم رغم التعب، وردّت بصوت واهن:

ـ الحمد لله يا بنتي… بخير. اهدي… ده بس شوية تعب، السكر عِلى شوية.

اقترب سالم بخطوات مفعمة بالاحترام، وقال بصدق:

ـ ألف سلامة على حضرتك يا أمي.

رفعت الأم نظرها إليه بمحبة وهي حاضنه مالك، وردّت:

ـ الله يسلمك يا حبيبي من كل سوء. هات زمزم الصغيرة دي، وحشتني .

جلست زمزم قربها، وضعت الصغيرة في حضنها بجوار مالك، وراحت الأم تملس على طرحتها بحنوّ، بينما زمزم ما تزال ممسكة بيدها، تتفقد ملامحها وتسألها عن حالها.

ثم التفتت الأم نحو سالم، وقالت بصوت متردّد يحمل رجاءً:

ـ ممكن أطلب منك يا ابني طلب؟ وغلاوتي عندك… وافق.

ابتسم سالم في هدوء، وقال باحترام:

ـ اطلبي يا أمي… طلباتك أوامر.

تنهدت الأم بارتياح:

ـ تسلم يا حبيبي… نفسي بس زمزم وعيالها يباتوا معايا الليلة دي. إنت عارف يا ابني إني مش بعرف أجي وأزوركم… بسبب الظروف.

تغيّرت ملامح سالم للحظة، ثم أجاب بثبات وصدق:

ـ أنا كلمتك كتير يا أمي في النقطة دي. قولتلك تعالي أي وقت… بيت بنتك مفتوح ليكي تعالي ومفيش نظرة واحده هتمسك. وأي وقت بتحتاجي فيه بنتك، بجيبها ليكي.

أطرقت الأم رأسها بحزن، وقالت بلطف:

ـ عارفة يا ابني… ربنا يسلمك. بس معلش، علشان النفوس… يُفضل مجيش. وأنت ربنا يحفظك، بتيجوا كل أسبوع. مفيش غير الشهر ده وعذراكم بسبب الخطوبة. فـ معلش يا ابني… لو تسمح، يباتوا معايا الليلة، وتعالى بكرا خدهم.

نظر سالم إلى زمزم، ثم عاد ببصره نحو الأم، وأجاب بهدوء:

ـ حاضر يا أمي.

خرج سالم من الغرفة بعد أن اطمأن عليهم وقبَّل جبين مكة النائمة ومالك. كان قلبه يرفّ بالحنين وهو يتهيّأ للرحيل. لحقت به زمزم إلى عتبة الباب، وقفت بجواره بخطوات متردّدة، وعيناها تلاحقهما غلالة من الشوق.

التفت إليها سالم، وصوته يفيض بالحنان ممزوجًا بالوجع:

ـ "على عيني أسيبك تباتي ليلة بعيده عن حضني، بس مقدرتش أرفض لمامتك أول طلب ليها."

ابتسمت زمزم ابتسامة رقيقة، وقالت بنبرة تحمل مكر الممزوجه بالودّ:

ـ "بس ده مش أول طلب ليها، طلبت قبل كده وأنت رفضت."

قطّب سالم حاجبيه بدهشة، وصوته يعلوه التساؤل:

ـ "امتى ده؟"

أجابت، وعينيها تلمعان بذكريات قديمة:

ـ "وقت ما ولدت… طلبت أروح أقعد معاها علشان تساعدني وتراعيني في فترة النفاس، وأنت رفضت. قولتلها محدش هيراعيها غيري وفي بيتي."

ساد صمت قصير، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة، واستسلم لذكرى أثقلته:

ـ "صدقيني مش فاكر إني رفضت… أنا مش فاكر يومها غير إنك كنتِ بتموتي بين إيديا، وما صدقت فوقتي. مكنتش شايف حاجة غيرك."

ابتسمت زمزم بعينين دامعتين، واقتربت منه تُقبّله بخفة، وهمست:

ـ "ربنا يديمك ليا سند طول العمر."

ضمّها سالم إلى صدره بقوة، وكأنّه يحاول أن يحفظ ملامحها داخله قبل أن يغادر، وقال بصوت مبحوح:

ـ "هتوحشيني أوي."

مدّت يدها إلى شعره، شدّت عليه بحنانٍ مرتجف، وقالت:

ـ "وأنت كمان."

تركها بعد أن ودّعها، وخرج بخطوات مثقلة، يحمل في صدره ثِقَلًا لا يُرى، لكنه كان يوشك أن يُمزّق قلبه من شدّة ما يخبئه من حب وحنين.

تمدّدت زمزم بجوار صغيريها، قلبها يضجّ بالحنين كأن النوم قد جافاها عمدًا. تتقلّب بين لحظة وأخرى، حتى أخرجت تنهيدة متعبة وهمست لنفسها بصوت مبحوح:

ـ "يعني عمري ٢٧ سنة… منهم ٢٣ سنة بنام في نفس الأوضة وعلى نفس السرير، وأربع سنين بس في حضن سالم… ومش قادرة أرجع أنام طبيعي في أوضتي."

أغمضت عينيها، فإذا بالذكريات تنهال: كل ليلة منذ زواجها وهي تلوذ بصدره، تستظلّ بذراعيه، تلتقط الدفء والأمان من أنفاسه. لم يكن حضنه مجرّد عادة، بل صار حياتها، كأنها وُلدت لتسكن بين ضلوعه. والآن وقد غاب عنها ليلة واحدة فقط، تشعر بالسرير باردًا مهما التصق بجسدَي ولديها.

وفي الجهة الأخرى، عند سالم، كان البيت غريبًا من غير زمزم وصغيريه. جلس في الصالة، فبادره أهله بالدهشة:

ـ "فين مراتك والعيال يا سالم؟"

ابتسم بهدوء وأجاب:

ـ "هيباتوا عند مامتها… تعبانة شوية وعايزين يطمنوا عليها."

لم تكن الإجابة إلا قناعًا لإخفاء الغصّة التي سكنت صدره. لكن في زاوية أخرى، كانت ابتسامة ماكرة ترتسم على وجهٍ أنثويّ، فرح بترتيب خُطّة خبيثة. تسلّلت بخطوات محسوبة، واقتربت من سالم متعلّلة:

ـ "سالم، في حاجة في المطبخ بايظة… محتاجة تتصلح."

نهض سالم دون تردّد، مضى ليعاين الأمر. وما إن غاب حتى أسرعت هي إلى هاتفه في الخباء، قبضت عليه كمن وجد كنزًا، وبدأت تنفّذ خطتها بملامح يكسوها المكر والشماتة.

عاد سالم بعد دقائق وقد أنهى ما طُلب منه، وصعد إلى شقته. وقف عند الباب لحظة، زفر تنهيدة مثقلة وهو يهمس لنفسه:

ـ "هو البيت من غيرهم… فاضي ووحش كده ليه."

دخل غرفته، خلع ثيابه ببطء، واتجه إلى الحمام ليأخذ شاورًا يخفّف ثقل قلبه. خرج بعدها وتمدد على السرير، جسده مرهق لكن النوم أبى أن يزوره. تقلب كما تفعل زمزم في بيت أمها، وبين كل قلبة وأخرى كان يمدّ يده لجواره كأنه يبحث عنها… فلا يجد إلا الفراغ والبرد.

سمع صوت الجرس في منتصف الليل فتح سالم الباب بملامح متعجّبة، لم يتخيّل أن يجد في هذا الوقت من الليل فرح واقفة أمامه. كانت متبرّجة، بشعرها المنسدل وزينتها الصارخة، وملابس فاضحة لا تليق إلا بمكيدة. رسمت ابتسامة ماكرة على وجهها، وكأنها جاءت وفي ذهنها خُطّة مدبّرة.

قال سالم بعينين يقدح منهما الغضب:

ـ "إيه اللي مهبباه في نفسك ده؟! وجاية ليه؟"

لم تُجبه، بل دفعت الباب بجرأة لتدخل، ثم أغلقته خلفها وهي تقترب بخطوات محسوبة. توقّف سالم مصدومًا من وقاحتها، فعاجلته بكلماتها:

ـ "خلاص… مراتك مش موجودة، وأنا أهو بين إيديك."

اقتربت منه كذئبة تترصّد فريستها، لكن سالم دفعها بقوة وهو يصيح:

ـ "إنتي مقرفة كده إزاي! امشي… اطلعي برّه فورًا!"

حاولت أن تتماسك أمام رفضه الصارم، فهدّدها بعينين يتطاير منهما الشرر:

ـ "وأقسم بالله لو ما طلعتي دلوقتي… لأكون فاضحك، واللي يحصل يحصل."

لكنها لم ترتدع، بل ارتسمت على وجهها ابتسامة شيطانية وقالت متحدّية:

ـ "عنّك دي."

وفي لحظة خاطفة، أمسكت بطرف العباءة فمزّقتها بيديها، وشعثت شعرها، ومسحت الروج بطريقة عشوائية على وجهها. ثم أطلقت صرخة مدوّية هزّت البيت:

ـ "الحقوووني… الحقوووني!"

لم يكد سالم يستوعب ما حدث حتى سمع أصوات الأقدام تتراكض، والطرق العنيف على الباب يتعالى. في ثوانٍ معدودة كانت العائلة كلها تقف خلفه، فيما فرح تندفع نحو الباب وهي تمثّل البكاء بحرارة، تفتح لهم وتلقي بنفسها في حضن المشهد المزيّف.

انصدم الجميع من هيئتها ملابس ممزّقة، شعر مبعثر، وجه مشوّه بأثر أحمر الشفاه. التفتت العيون نحو سالم، الذي ظل واقفًا كالصخرة، عيناه متسعتان من شدّة الدهشة، ولسانه عاجز عن النطق من هول قذارتها وجرأتها.

ارتفعت الأصوات في البيت بعد أن فتحت فرح الباب وهي ممزّقة الثياب، تذرف دموعًا مصطنعة. تجمّع الجميع بصدمة، والأسئلة تتزاحم:

ـ "إيه اللي حصل يا فرح؟!"

ـ "مالك كده ليه؟!"

-"وانتي هنا بتعملي ايه؟"

رفعت رأسها، ودموع التمثيل تلمع على وجنتيها، وقالت بصوت متقطع:

ـ "هو… هو بيحبني من زمان… وبعتلي رسالة يطلب مني أجيله النهارده عشان مراته مش موجودة ولما طلعت لقيته بيقرب مني وبيحاول غصب عني كنت فاكره هنتكلم عادي زي كل مرة بنقعد فيها بعيد عنكم ويشكيلي إن هو مش حابب عيشته مع زمزم ونفسه يطلقها علشان يتجوزني ."

شهقت النساء بدهشة، وتجمّد الرجال في أماكنهم. مدت يدها إلى هاتفها، وفتحته أمام أعينهم، فإذا بالرسالة واضحة على شاشة "واتساب":

"حبيبتي… زمزم والعيال هيباتوا عند أهلها… والبيت فاضي… تعالي نِقعد شوية بعيد عن العيون."

ساد الصمت المطبق، ووجوه العائلة كلها تنقلب في لحظة. التفّت الأنظار نحو سالم، مزيج من صدمة وغضب واتهام.

رفع سالم يده، يحاول التماسك:

ـ "استنوا! الكلام ده كذب… أنا عمري ما كلمتها في حاجة زي كده. دي كذابه وهي اللي بتحاول تقرب اقسم بالله واكبر دليل أهو استنوا"

أسرع بإخراج هاتفه ليفتح المحادثة، وحين وقعت عيناه على الرسالة ذاتها، تجمّد في مكانه، كأن الأرض سُحبت من تحته. همس بذهول:

ـ "إزاي؟! الرسالة دي… ؟!"

اشتعلت الهمهمات بين أفراد العائلة، وتقدّم الجد بخطوات ثابتة، صوته يقطر صرامة وحسمًا:

ـ "خلاص… الموضوع منتهي. فرح مكتوبة لسالم من زمان… من يوم ما اتولدت. التار هو اللي رَمَّد الموضوع… لكن في الأول والآخر دي بنت عمه، سالم هيتجوز فرحه، ومفيش حد ليا عندنا حاجه."

هتف سالم، وجهه محتقن من شدّة الانفعال:

ـ "إيه؟! مستحيل! أنا مش هتجوز حد غير مراتي زمزم… ولا في قلبي حب لحد غيرها! اقسم بالله دي كذابه"

في تلك اللحظة، ارتسمت على وجه فرح ابتسامة مكرٍ وخبث، بينما سالم كان واقفًا وسطهم كمن وقع في شركٍ مدبّر بإحكام.

جلست زمزم في الصالة، تحاول أن تتصالح مع فكرة النوم بعيدًا عن حضن سالم، لكن قلبها كان مضطربًا. لم يمض وقت حتى خرج والدها من الحمام، لمحها جالسة بعينين ساهرتين.

ابتسم بحنان وقال:

ـ "لسه منمتيش ليه يا بنتي؟"

أجابت بخجل، وهي تعبث بأطراف شعرها:

ـ "مش عارفة أنام يا بابا… الصراحة."

اقترب منها، ووضع يده على كتفها برفق، وقال بصوت مطمئن:

ـ "طيب… لو عايزة تروحي بيتك، قومي البسي وأنا أروحك بنفسي. سيبي مالك نايم، خدي مكة بس علشان لو صحت وعايزة ترضع. وبكرة الصبح تعالي بدري مع جوزك وقضّوا اليوم سوا."

أشرق وجهها بابتسامة امتنان، وارتمت في حضنه، تقبّل يده شاكرة. ثم أسرعت إلى غرفتها، غيرت ملابسها بخفة، وحملت مكة بحرص وهي نائمة، وخرجت مع والدها.

وصلت إلى باب البيت، فتح لها والدها البوابة بنفسه، وانتظرها حتى دخلت وتأكد أنها صعدت. لوّحت له بيدها شاكرة، فأومأ مطمئنًا ورحل.

لكن ما إن وضعت قدمها على عتبة شقتها، حتى باغتها صوت زعيق حادّ يخترق جدران الليل. ارتجف قلبها، وتسارعت أنفاسها، فاندفعت تصعد بسرعة. كلما اقتربت من الباب، كان الصوت أوضح، مزيج من صرخات واتهامات وهرج شديد.

تجمّدت ثوانٍ، ثم التصقت بالجدار بجوار الباب، تسمع ما يدور بالداخل. عيناها اتسعتا بذهول، وقلبها كاد ينفجر من هول ما سمعت: كلمات فرح الكاذبة، صدمة العائلة، وصوت الجد الحاسم، ثم صوت سالم المتحشرج وهو يقسم بحبه لها وحدها.

شعرت زمزم أن الأرض تدور بها، وأن قدميها على وشك الانهيار، فيما ذراعاها تحتضنان مكة كمن يحاول أن يحميها من عالم انقلب فجأة رأسًا على عقب.

سالم حين لمحها، اتسعت عيناه واندفع خطوتين نحوها كالغريق الذي وجد طوق النجاة، صوته يلهث بالرجاء:

ـ "زمزم… والله العظيم ما عملت حاجة! كله فخ، كله كذب."

لكن كلمات الجد القاسية قطعت الموقف:

ـ "الموضوع منتهي قولت… سالم هيتجوز فرح. دي بنت عمه، واللي مكتوب من زمان لازم يتم."

ارتعشت يدا زمزم حتى كادت أن تُفلت مكة من بين ذراعيها، ضمّتها بقوة إلى صدرها، وعيناها تفيض بالدموع. نظرت إلى سالم، عيناها تقول ما لم تستطع شفتاها النطق به؛ خليط من الألم، والخوف، وعدم التصديق.

فرح من جانبها، مسحت دموعها المصطنعة، وابتسمت ابتسامة مكرٍ لم يلحظها سوى سالم. حينها أيقن أن الفخ قد نُصب بإحكام، وأن قلبه وقلب زمزم هو أول ضحية.

سالم اقترب منها يائسًا، مدّ يده نحوها:

ـ "زمزم… صدقيني، إنتي مراتي وحبيبتي… والله العظيم ما بحب غيرك ولا كلمتها ولا قربت منها"

زمزم بعينيها الممتلئتين بالدموع، مدت صوتها المرتجف أخيرًا وقالت:

ـ "أنا مصدقاك… وقلبي مصدقك، ومعاك… لحد ما تثبت براءتك قدامهم وإن ده فخ ."

تنهد سالم براحة، ابتسم لأول مرة بعد عذاب اللحظات الأخيرة، لكن سرعان ما تجمدت ابتسامته حين رأى ملامحها تتغير، ورأى أنفاسها تتثاقل قبل أن تنطق بجملة كسرت قلبه:

ـ "لكن… في اللحظة اللي هتتجوز فيها غيري وتستسلم لقرارهم، تكون مطلقني."

وقع الكلام على أذنه كالصاعقة، شحب وجهه، اتسعت عيناه بدهشة ووجع، وكأنها سحبت الأرض من تحت قدميه.

ظل صامتًا للحظة، قلبه يضج بالهلع والخوف من مجرد الفكرة، وهو يحدق فيها غير مصدّق أنها قادرة على قولها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسرى الثأر والهوى

المؤلف Mai Mustafa
2025/11/05 مكتملة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة