كانت ساجدة تشعر وكأنها تسبح في الفراغ وهي تتمشى التقت ببسملة ،وبقيت الفتاتان تمشين بتوهان إلى أن سمعوا صوتا يأتي من بعيد ، صوت مألوف.. كان يرافقهما منذ الطفولة....
_ساجدة، بسملة ،أنا هنا.
صوت بعيد يقترب تدريجيا ويتكرر إلى أن ظهرت صاحبة الصوت أمامهن بوجه بشوش..
نادتهما ياسمين مرة أخرى بصوت مبتهج :
_ساجدة ، بسملة انا هنا لم أذهب، لم أتخلى عنكن يا أختاي
ساجدة بصدمة و دموع تملأ عينيها و تنساب على وجهها:
_أنت ياسمين صح؟ قلت لهم أنكِ لن تتركيني.
تكلمت بسملة هي الأخرى بكلمات متلعثمة على إثر الصدمة :
_ياسمين أنتِ أمامي الآن، أنا أيضا لم أصدق أنكِ ستتخلين عنا.
تقدمت ياسمين منهم وهي تمسح دموعها وتقول بحزن :
"_سبب إهمالي لديني و وزينتي التي فارقت الحياة بها قبل أن أتمكن من التغيير من نفسي كما كنت أريد ، ولكن برحمة من ربي غفر لي ذنوبي لمجرد التفكير بالتوبة.
لا أريد أن يحدث لكِ يا ساجدة ما حدث معي ،أما أنت يا بسملة كنتِ دائما نِعمَ الأخت الصالحة المُصلحة. أريد أن نكون في الجنة معَا ،وآخر نصيحة لي لكن هي تشبثوا بديننا...نلتقي في الجنة يا أجمل و أنقى صديقات تعرفتُ عليهن.
فتحت بسملة عينيها بفزع تزامنا مع صراخ ساجدة التي استيقظت الآن هي الأخرى في غرفة المستشفى بعد نقلهما بسيارة الإسعاف من موقع الفاجعة ، ولكن برغم كل ما حدث لازالت الفتاتان في حالة إنكار..
نهضت بسملة من مكانها وذهبت لساجدة التي تصرخ :
ساجدة، هل رأيت ياسمين؟ أنا أيضا رأيتها
ردت ساجدة عليها و الغرفة لا تسع فرحتها :
_ إذا ياسمين لازالت معنا وهي تلعب معنا فقط كعادتها .
جاءت الممرضة و الطبية إلى غرفتهما بسرعة و بمجرد ما دخلا سألت ساجدة بلهفة :
_أين ياسمين؟ لقد كانت هنا.
بسملة هي الأخرى بتوتر:
_أنا أيضا رأيتها، هي معنا أكيد .
تنظر الطبيبة إليهما بحزن، ثم تنهدت قبل أن تقول بأسى:
البقاء لله ، ياسمين رحلت لكنها ستبقى دائما في قلب كل واحدة منكن، و يجب عليكن الآن التماسك لحضور جنازتها بعد صلاة الظهر.
بكت كل من ساجدة و بسملة هذه المرة معا وهما تحتضنان بعضهما.
و بعدها قاومت الاثنتان حزنهما و ساعدت الممرضات كل منها على ارتداء حجاب ذا لونٍ أسود ، وكانت تلك أول مرة ترتدي فيها ساجدة لباسًا شرعيًا ولم تلاحظ أن اللباس الذي كانت ترفضه بشدة هي الآن تلبسه بلا وعي منها، وأيضا توضأت و صلت بعد مدة طويلة من الفراق..
وصلت الفتاتان بصحبة والدتها إلى منزل عائلة ياسمين فوجدتا حشدًا كبيرًا أمام منزلها فستُنقل ياسمين اليوم من منزلها إلى مرقدها الأخير .
كانت أم ياسمين تحتضنها و تطبع قبلاتٍ متفرقة على كل أنحاء وجهها و دموعها تنساب بغزارة على وجنتيها وهي تخاطبها و كأنها لازالت أمام عينيها:
_ افتحي عينيكِ يا فلذة كبدي، أتقلبين أن تبقى أمكِ وحدها بلا بنات ؟ بلا وردة تؤنسها و تنشر طاقتها الإيجابية في البيت؟
تذكري وعدكِ لي بأنك لن تتركيني مهما حدث ..ياسمين ابنتي،أجيبي!
لم يستطع والد ياسمين تحمل المشهد فسارع هو و أولاده لإبعاد الخالة "زهرة" عن جثة ابنتها و أخذ ياسمين إلى قبرها.
________________________________
في مقبرة عائلة ياسمين حمل نعشها والدها و إخوتها الثلاث على أكتافهم بوجهٍيظهر على قسماته حزنٌ دفين على علاج له ، إلى أن وصلوا لقبرها فأنزلوا جثمانها فيه فلم يستطع والدها تحمل منظر رؤية ابنته الوحيدة و التراب يغطيها تدريجيا إلى أن اختفت عن أنظار الجميع..
ذهبت الآن ياسمين إلى خالقها، إلى من هو أرحم بها من أمها وأبيها و إخوتها و أصحابها .
شرع الإمام بعدها في إلقاء خطبة الجنازة قائلًا بصوتٍ يتزعزع منه تراب الأرض:
_الحمد لله الذي كتب الموت على جميع خلقه،
فقال في كتابه الكريم: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ" [آل عمران: 185]
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
أيها الأحبة في الله،
اليوم نقف جميعًا في وداع شخص عزيز، لكن الموت حق، والموت قريب، وما بعد الموت هو ما يهم. هل فكرنا في أعمالنا؟ هل سألنا أنفسنا إذا كانت أعمالنا ستكون سببا في رفع درجاتنا في الآخرة؟
الحياة الدنيا فانية يا عباد الله ، وما نملك فيها من مال أو جاه هو زائل، أما الأعمال الصالحة فتبقى و بها ندخل الجنة و ترتفع درجاتنا فيها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
لذلك، فلنحرص جميعًا على العمل لما فيه خير لنا في الآخرة، وأن نعمل أعمالًا تذكرنا بالرحمة والمغفرة، وأن نتذكر دائمًا أن الله أرحم بنا من أنفسنا.
فيا عباد الله، تأمّلوا حالنا في هذه الأيام، جنازةٌ تلو الأخرى، وكأن الموت أصبح زائرًا لا يفارقنا، وكأن القبور تفتح أبوابها يوميًا لاستقبال أحبابٍ وأقارب، جيران وأصدقاء.
أين الذين ضحكنا معهم؟ أين من عايشناهم؟ حملناهم على الأكتاف، وسوّينا التراب فوقهم، ومضينا وكأن شيئًا لم يكن.
ألا يوقظ في قلوبنا هذا المشهد معنى الآخرة؟ ألا يذكّرنا أن الدور دورنا قادم لا محالة؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا من ذكر هادم اللذات" [رواه الترمذي].
عباد الله، ما نراه من كثرة الجنائز ليس أمرًا اعتياديًا، بل هو نذير وموعظة، دعوةٌ للرجوع إلى الله، لتوبة صادقة، لعملٍ صالح قبل أن نُحمل كما حُملوا، ونُدفن كما دُفنوا.
يا إخوتي في الله، والله نظرة واحدة بعين البصيرة في هذا القبر سوف تعطينا حقيقة هذه الدنيا، فبعد العزة وبعد الأموال وبعد الأوامر والنواهي وبعد الخدم والحشم وبعد القصور والدور، أهذه هي نهاية ابن آدم في هذه الحفرة الضيقة المظلمة؟
و كما قال ابن عبد البر:
تاللهِ لو عاشَ الفتى في أهلهِ
ألفاً من الأعوامِ مالكَ أمرهِ
متلذذاً معهمْ بكل لذيذةٍ
متنعماً بالعيشِ مدةَ عُمرهِ
لا يعتريه النقصُ في أحواله
كُلاًّ ولا تَجري الهموم بفكرهِ
ما كان ذلك كلُّه مما يفي
بنزولِ أَوَّلِ ليلةِ في قبرهِ
كَيْفَ التخلصُ يا أخِي مِما تَرى؟
صبراً على حُلو القضاءِ ومرهِ !
فلنُبادر بالتوبة، ولنُصلح ما بيننا وبين الله، ولنُكثر من الأعمال الصالحة، لعل الله يرحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.
فلنكن من الذين يذكرون الله في السراء والضراء، وأن نسعى دومًا للأعمال الصالحة التي تقربنا إلى الله. نسأل الله أن يغفر لنا ولأمواتنا، وأن يرزقنا الجنة بغير حساب.
نسأل الله أن يحسن خاتمتنا، وأن يرزقنا التوبة قبل الممات، والرحمة بعد الممات.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بعدما أكمل الإمام خطبته كانت الدموع تسري بغزارة من أعين ساجدة و كأن الآن قد أزيل الغشاء من على قلبها و عادت إليها بصيرتها .
_________________________________
وبعد مرور أسبوعين من جنازة ياسمين عادت الحياة شبه طبيعية في الثانوية و في منزل ياسمين بالرغم من أن الجرح لم يلتئم بعد ، ولكن بعد هذه الحادثة تغير كل شيء.
لم تعد ساجدة تلك الفتاة الضائعة بلا هدف في الحياة، بدأت تجد الطريق الصحيح تدريجيا. و بجانبها بسملة، تدعمها وتساندها كما كانت دائما؛ صارت الصلاة بالنسبة لساجدة عبادة تُحيي روحها وليست مجرد عادة ، و لم تعد تُهمل دينها كما كانت تفعل سابقا، بل بدأت تبحث في العلوم الإسلامية وتسعى للتقرب من الله عز وجل.
أما ذكرى ياسمين فلم تمت، وبقيت حية في قلوبهما، وفي دعواتهما لها كل ليلة وبعد كل صلاة ، وفي خطواتهما نحو الطريق الذي تمنت أن يسلكاه معًا.
في إحدى ليالي رمضان ،في المسجد كانت كل من ساجدة و بسملة تدعو كل واحدة منهما بخشوع مع كل ركعة وكل سجدة في الصلاة .
بعد انتهاء الصلاة ابتسمت ساجدة بسلام وهمست:
ياسمين... سنلتقي هناك يا أختي، بإذن الله
༺﴿النهاية﴾༻
____________________________________________________________________
انتهت قصة "يقظة الروح" التي استيقظت فيها ساجدة من غفلتها ،و أيقظتني معها و ربما استفاق شخصٌ آخر بسبب هذه القصة المأخوذة من واقعٍ نتعايش معه كل يومٍ باستمرار بدون أن نأخذ منه عبرة.
ستبقى هذه القصة هنا صدقة جارية، شاركوها مع أصدقائكم أو مع الناس ربما تكون سببًا في هداية أحدهم، و الدال على الخير كفاعله♡♡
أتمنى أن تكون هذه القصة حرَّكت شيئًا في داخلكم ، وأن تكونوا قد وجدتم شيئًا يُلامس قلوبكم أو أعجبكم.
لا تترددوا في ترك تعليق أو رأي أو نقد بنَّاء، فكل كلمة منكم تهمني♡