{ واراها الثرى}

{ واراها الثرى}

17 0

بدأت أستاذة الشريعة بالشرح بجدية و بين اصبعيها قلمٌ تكتب به على السبورة وهي تقول:

_ الربانية... المُراد منها يا أولادي أمران : ربانية المصدر و ربانية الغاية . من اسم كل منهما يُمكننا استخراج معناهم، فربانية المصدر تعني أن مصدر شريعتنا هو الوحي اي أنها معصومة من الخطأ.

أما ربانية الغاية فتعني أن غاية الشريعة الإسلامية هي الحصول على مرضاة الله تعالى مما يحقق الكمال و سهولة الإنقياد...

أكملت الأستاذة شرح الدرس، بينما كانت كل كلمة تخرج منها تؤثر على ساجدة ، تشعر كأن كلماتها تخترق صدرها و تُحاول إيقاظ شيء في داخلها، ظنت أنه مات منذ زمنٍ بعيد.

بعد انتهاء الدرس، بقيت ساجدة شاردة للحظات، تحدق في السبورة دون أن ترى ما عليها حقًا. كلمات الأستاذة ترددت في عقلها وكأنها تحاول هدم جدار اللامبالاة الذي بنته حول نفسها وهي تحاورها:

_"الحصول على مرضاة الله تعالى"… هل كنت أسعى لذلك حقًا؟ أم أنني أتهرب منه دون أن أشعر؟ هل إذا عدت للطريق الصحيح سيقبل الله عز وجل توبتي؟

شعرت بكفّ بسملة تربت على كتفها برفق ، لتقطع أفكارها بهمسٍ خفيف تُصاحبه ابتسامة:

_سرحتِ بعيدًا، مالذي شغل عقلكِ يا سويجدة؟

التفتت ساجدة لها بسرعة وهي تهز رأسها بنفي مُجيبة لسؤالها:

_لا شيء، كنت فقط أفكر في… لا يهم.

بسملة بفضول:

_ لا يهم إذا؟ حسنًا، سأترككِ الآن، لكنني أعرف أن هناك شيئًا يدور في ذهنك عاجلًا أم آجلًا.

ساجدة لم ترد، لكنها شعرت أن هذا اليوم كان مختلفًا… وكأن شيئًا ما بدأ يتغير بداخلها، ولو قليلاً.

أكملت كل من ساجدة و بسملة الحصص بملل إلى أن دق الجرس، فخرجت الفتاتين عائدتين إلى منزلها، ولكن شيء مروع قد حدث فجأة، جعل الأنظار تتسع…

كانت الفتاتان تعبران الطريق وهما تتحدثان كعادتهما. لكن فجأة، قُطع حديثهما بصوت فرامل سيارة مسرعة... و في أقل من ثانية، تحوّل كل شيء إلى فوضى… صوت فرامل حاد، صرخة من صوت يعرفونه حق المعرفة ،ثم جسد يُقذف في الهواء قبل أن يرتطم بقوة على الإسفلت .

أتعلمون ما حدث؟ أتتخيلون هول المنظر؟

سيارة سريعة دهست زميلةً لهم ، وبقي و جهها الجميل بلا ملامحٍ ظاهرة، أما جسدها بات مكشوفا أكثر مما كان لكل العابربن يسبح في بِركة من الدم تشبه لون حُمرة شفتيها ...

صرخت ساجدة و بسملة هلعًا من بشاعة الحادث ،و تعالى صراخ الطلاب ؛ بعضهم تجمد في مكانه وبعضهم ركض نحو الضحية، والأستاذة حاولوا تهدئة الفوضى، لكن المشهد كان أقوى من أن يمُر مرور الكِرام .

أتى أحدهم ليحاول جس نبضها...ولكن لا شيء أبدًا. أما الإسعاف فقد وصل بعد فوات الأوان ...

حدقت ساجدة في جسد صديقتها القديمة ياسمين ، وهي تسترجع ذكريات طفولتها مع بسملة و ياسمين، وقلبها ينبض بجنون مع دموعها التي تنزل بغزارة... الموت قد أخذ صديقتها! 

ركعت على ركبتيها بجانب الجسد المغطى بالدماء ، كأن عقلها يرفض تصديق فكرة الفقد مرة أخرى، لا يُمكن أن تفقد أبيها ثم صديقتها؟! مدّت يدها المرتعشة بضعف، وهي تمررها على وجهها الجميل الملوء مستحضرات التجميل التي مُسِحت من على وجهها وحَلَّ مكانها دمها الأحمر.

حاولت فتح عينيها لتظهر أمامها بؤبؤ عين ياسمين ذو اللون الأخضر؛ كانت تريد بحركتها هذه إيقاظها، لكنها لم تجد إستجابة ولم تشعر سوى ببرودة مرعبة...رفعت جثتها إليها وهي تحتظنها بقوة و تمسح بيدها على شعرها البني و تخاطبها بشهقات تصاحب كل كلمة تخرج من فمها:

_لا ..مستحيل! ياسمين مازالتِ حية صحيح؟ لن تبتعدي عني أليس كذلك؟ أنا ساجدة ،افتحي عينيكِ أرجوكِ .

 يويو، حبيبتي ردي علي و أثبتِ لهم أنهم يتوهمون وفاتك ،ولكن أنا متأكدة من أن هذا مقلب ، أنتِ تُحبين تجربة المقالب لتعرفي قيمتكِ عندنا أليس كذلك؟  صدقيني أنتِ أختِ التي لم تلدها أمي ، هيا افتحي عينيك ، تكلمي معي!

هيا ، هيا...

انهارت ساجدة و سقطت على الأرض بجانب جثة صديقتها ياسمين ، فلم تتحمل رؤية صديقة عمرها في هذه الحالة .

أما تلك المسكينة بسملة لم تصرخ، لم تنزل من عينها دمعة ،و لم تتحرك حتى… فقط تُحدِّق في ذاك الجسد الغارق في الدماء، وكأن عقلها رفض تصديق ما تراه عيناها.

كانت تأخذ نفسها بصعوبة بالغة، تحاول التنفس لكن الهواء لم يستطع الوصل لرئتيها..

إلى أن غابت هي الأخرى عن الواقع في ظلامٍ دامس.

يتبع.....

____________________________________________________________________

أتمنى أن تكونوا قد وجدتم شيئًا يُلامس قلوبكم أو أعجبكم.

لا تترددوا في ترك تعليق أو رأي أو نقد بنَّاء، فكل كلمة منكم تهمني♡

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

يقظة الروح

المؤلف _karila__
2025/10/17 مكتملة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة