صدح صوت المؤذن العذب في الأجواء يخترق سكون الليل بقوله :
ـ اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ
أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ
أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ
حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ
حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ
اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ
لا إِلَهَ إِلا اللَّه.
الصلاة خير من النوم ..
كانت ساجدة في تلك الأثناء غارقة في نومٍ عميق، لكن شيئًا ما بداخلها أيقظها للحظة... إحساس خافت، ربما شعور بالذنب، أو مجرد بقايا من أيام كانت فيها تركض للصلاة بمجرد سماع النداء. لكنها تجاهلته كما تفعل مؤخرًا، مدعية التعب، لكنها تعلم في قرارة نفسها أن السهر مع أشياء تافهة هو السبب الحقيقي.
فتحت ساجدة عينيها ذات اللون البني الغامق مجددا في الصباح الباكر، نهصت بكسل على ضوء الشمس و زقزقة العصافير المتداخل مع صوت أمها التي تصرخ لأنها تأخرت على دراستها. نهضت بسرعة ترتدي ثيابها التي تكشف أكثر مما تستر على عجل، و تسرح شعرها الأسود الطويل تاركة إياهُ يتدلى للناظرين .
بعد انتهائها من تجهيز نفسها و وضع مساحيق التجميل التي تتناسب مع بشرتها الخمرية ، رجت تجري في الشارع، لتجد بسملة بحجابها الفضفاض كأنها أميرة ، واقفة عند الزاوية باستياء، تلوّح بيدها في الهواء وهي تضيق عينيها بتهديد مصطنع .وقالت هي تصرخ: ساجدة!! أقسم أنني سأقتلكِ يومًا ما يا مُهملة، هل تعلمين كم مرة تأخرت بسببكِ؟!
ردت ساجدة عليها بلا مبالاة:
_ أوف يا بسملة لا تبالغي، الأمور تحت السيطرة، سنصل في الوقت فقط اجري كأنك في سباق مراثون .
وضعت بسملة يدها على خصرها وهي تلتقط أنفاسها بتعب، قبل أن تلتفت إلى ساجدة قائلة بانزعاج :
_أحيانًا أشك في قواي العقلية، أي عاقلة قد تتحمل هذا العذاب كل يوم؟!
ضحكت ساجدة على تذمر بسملة بتهكم، ثم أمسكت بيد صديقتها و أكملتا الجري باتجاه الثانوية .
وبعد مدة ليست بالقليلة من الركض المتواصل، وصلت الفتاتان إلى الثانوية في اللحظات الأخيرة قبل إغلاق بوابتها نهائيا، و تنفستا الصعداء مجددًا، كما تفعلان كل صباح.
ساجدة بغرور وهي تصعد الدرج باتجاه قسمها :
_نحن في الثانوية الآن ولم نتأخر ، قلت لكِ ثقي بي يا فتاة.
بسملة باستهزاء :
_شكرا جزيلا يا أستاذة ساجدة لتعبكِ معي.
ساجدة و قد تقنصت دور المنفذة :
_ لا داعي للشكر يا أخت بسملة هذا واجبي إتجاه الناس قليلي الخبرة مثلكِ.
بسملة بصدمة اخفتها بسخرية :
_اسمحي لي يا حضرة الأستاذة ساجدة، لكن لدي نقطة مهمة لتوضيحها... لقد تأخرنا بسببك إن كنتِ لا تعلمين!!
ساجدة بتذمر وهي تدلف إلى قسمها :
_آه منك، لن تصمتِ إذا إلى أن ينتهي هذا اليوم .
ألقت الفتاتان نفسيهما على الطاولة، تنهّدان بتعب، بينما راح صوت التلاميذ يتلاشى شيئًا فشيئًا في انتظار دخول أستاذة العلوم الإسلامية.
دخلت أستاذة العلوم الإسلامية إلى القسم بهدوء، و وضعت حقيبتها على الطاولة، ثم ألقت التحية على التلاميذ و بدأت في شرح الدرس قائلة :
_من منكم يتفضل يخبرنا بأركان الإسلام و أركان الإيمان؟
رفع أغلب التلاميذ أيديهم بثقة، فكلهم يعرفون أركان دينهم. وحدها ساجدة أبقت يدها في مكانها، ليس لجهلٍ بأركان دينها ، بل لا مبالاةً واستهتارًا، وكأن الأمر لا يعنيها.
عندما لاحظت أستاذة الإسلامية سكونها قررت إختيارها هي للجواب فخاطبتها:
_ساجدة، أجيبي أنتِ ، ماهي أركان الإسلام و أركان الإيمان؟
تفاجأت ساجدة ولكنها تداركت نفسها وأجابتها بثبات :
_ أركان الإسلام خمسة وهي : الشهادتين و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة و صوم رمضان و حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.
و أركان الإيمان ستة وهي : الإيمان بالله، الإيمان بالرسل، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالكتب السماوية ، الإيمان باليوم الآخر ، الإيمان بالقدر خيره وشره.
تفاجأت الأستاذة من ردها الصحيح واكتفت بهز رأسها وهي تنبس:
_ أحسنتِ.
لم تبدِ ساجدة أي رد فعل ،فكل مسلم يعرف أركان الإسلام و أركان الإيمان ،وهي مسلمة بالطبع.
وبعد ذلك تطرقت إلى موضوع آخر في درس اليوم فسألت:
_هل فكرتم يومًا لماذا شرع الله تعالى لنا هذا الدين؟ هل هو مجرد عبادات أم أسلوب حياة؟
ساد الصمت في القسم، و تبادلت بعض الطالبات النظرات، بينما كانت ساجدة مستندة على طاولتها بملل، لازالت تشعر بالتعب من سهر البارحة و الركض من منزلها إلى الثانوية .
بعدما أيقنت الأستاذة أنهم ليس لديهم إجابة عن سؤالها و وقت الحصة الثمين يمر، فأجابت عن نفسها:
_الدين ليس أحكاما مرهقة بدون هدف ، بل هو نظام متكامل يشمل كل جوانب الحياة، ولهذا تميزت الشريعة الإسلامية بعدة خصائص... فما هي هذه الخصائص؟
رفعت بسملة يدها لتجيب وهي تعُدُ على أصابعها :
_خصائص الشريعة الإسلامية هي : الربانية، الشمولية، العالمية ، الوسطية ، اليسر و رفع الحرج ، المثالية و الواقعية ، الثبات و المرونة .
فرحت الأستاذة بردها المُتقن وهي تقول:
"بوركت جهودك يا ابنتي، فهذه الخصائص تُظهر كيف أن الإسلام ليس مجرد دين روحاني، بل نظام حياة متكامل، يوازن بين المثالية والواقع. و الآن سأشرح لكم كل خاصية من خصائص الشريعة الإسلامية. "
يتبع....
____________________________________________________________________
أتمنى أن تكونوا قد وجدتم شيئًا يُلامس قلوبكم أو أعجبكم.
لا تترددوا في ترك تعليق أو رأي أو نقد بنَّاء، فكل كلمة منكم تهمني♡