البارت

البارت

11 0

ذهبتُ إلى متجر العطور في صباحٍ غائم،

وما إن فتحت الباب حتى تجمّد الدم في عروقي.

كانت الأرض مغطّاة بزجاجٍ مكسور،

ورائحة العطور المنسكبة تملأ المكان كأنها أنين خافت يختنق في الهواء.

اقتربت ببطء، ووقفت أمام الرفوف المنهارة،

كل القوارير التي اشتريتها في الأسبوع الماضي تحطّمت،

لم تبقَ واحدةٌ سليمة.

جلست على الأرض متحيّرًا، لا أعلم ماذا عليّ أن أفعل...

لقد أنفقتُ كل ما أملك على هذه البضاعة،

ولا أملك ما أشتري به غيرها.

بقيتُ صامتًا طويلًا، أستمع فقط إلى صوت قطراتٍ صغيرة

تتساقط من زجاجٍ مكسور كأنها تبكي معي.

نظّفت المكان قدر ما استطعت،

ثم عدتُ إلى البيت بخطواتٍ ثقيلة،

يحملني الحزن أكثر مما تحملني قدماي.

جلست أمام الصندوق الخشبي الذي أضع فيه المال،

فتحته بيدي المرتجفتين...

لم أجد فيه سوى القليل،

بقايا أيامٍ كنت أظنها بداية المجد.

جمعت شتات نفسي وذهبت إلى تاجر العطور،

اشتريت منه القليل مما طُلب مني سابقًا،

سلّمت الطلبات إلى أصحابها،

ثم عدتُ ومعي بضع دنانير لا تكفي حتى لأحلامي الصغيرة.

في تلك الليلة، جلست في غرفتي أتأمل المصباح الخافت،

وكل ما في قلبي هو أملٌ ضئيل بأن سعيد سيعود،

ويشتري مني من جديد،

وأن الباب الذي فُتح أمامي لن يُغلق بهذه السرعة.

كنت أقول لنفسي:

"غدًا سيأتي غيره... سيشترون مني، وسأدفع الإيجار، وسأبدأ من جديد."

مرّ أسبوعٌ آخر،

وفي إحدى الليالي فتحت هاتفي لأرى كيف كان حفل سعيد.

كنتُ أبتسم وأنا أرى الجمهور يصفّق،

وصوته يملأ المسرح بالأغنية التي كتبتها بنفسي.

لكن شيئًا في قلبي بدأ يضيق...

تابعت الفيديو حتى النهاية،

وفجأة...

تجمّدت ملامحي.

لقد قال سعيد أمام الجميع:

> "هذه الأغنية من كلماتي وألحاني."

كانت تلك اللحظة صاعقةً على قلبي.

لم أشعر إلا والدمعة تسقط من عيني،

أغلقت الهاتف، وجلست صامتًا،

بين يديّ أوراقي التي لم تعد تعني شيئًا...

وسألت نفسي بصوتٍ خافت:

> "أكان هذا هو المجد الذي سعيتُ إليه؟"

كنت سعيدًا لأن الأغنية التي كتبتها

نالت إعجاب الكثير من الناس.

لكن الصدمة كانت أن سعيد كذب عليّ.

---

تجمّد قلبي، وامتلأت عيني بالدهشة والحزن.

شعرت باليأس، بالعجز، وبمرارة الخذلان،

وفي الوقت نفسه، شعرت بشيءٍ غريب من السعادة —

فالأغنية التي كتبتها نالت إعجاب الكثير من الناس،

لكن اسمها لم يكن اسمي.

كانت الأغنية قد انتشرت في أسبوع واحد،

وفي داخلي تضاربت المشاعر:

فرح لأن كلماتي وصلت إلى القلوب،

وحزن لأن جهدي كله ذُهِل باسم شخص آخر.

ذلك المحتال...

تلاشت الأحلام التي رسمتها في مخيلتي،

وشعرت بندمٍ شديد.

ليتني ركّزت على عملي منذ البداية،

فالآن أصبحت مفلسًا، والمال قليل، والوقت ضائع.

لكن الندم لا ينفع الآن،

وعليه أن أتحرك لأجد حلاً.

توجهت إلى بيت حسن، وقلبي يثق بأنه لن يخذلني.

طرقت الباب، وفتح لي بابتسامة باهتة،

دخلت وجلست معه، وبدأت أحكي له كل ما حدث:

كيف احتال سعيد علي، وكيف نسب جهدي وتعب أسبوعٍ كامل لنفسه.

رضا (بصوتٍ هادئ لكن يملؤه الحزن): هل يمكنك أن تساعدني؟

حسن: لماذا لا تذهب إلى منزل سعيد؟

رضا: ذهبت... لم أجد أحدًا.

لقد استأجر المنزل مؤقتًا، وبعد انتهاء الحفل سافر بعيدًا.

حسن بدأ يُقدّم الأعذار،

حجج عن أمه المريضة، مشاغله، وضعه،

كل شيء كان يبدو وكأنه يحاول أن يخفف عن نفسه الذنب.

رضا (بتنهيدة عميقة): لا داعي للاعتذار، أراك بخير. عليّ أن أذهب.

خرجت من عنده، وحيدًا، محطمًا.

لم أكن أتوقع أن يُخيّب صديقٌ بهذه الطريقة،

كنت دائمًا أول من يقف بجانبه حين وقع في مشكلة،

حتى وإن كان هو المخطئ، كنت أساعده بلا تردد.

ذهبت إلى جامع قريب،

دخلت ببطء، وجلست في زاوية هادئة من زواياه،

مهمومًا، وغارقًا في صمتٍ ثقيل.

أصوات المصلّين تدور حولي،

لكن قلبي مثقل، يختزن الحزن، والخذلان، والخيبة،

وكأنني أبحث في صمت المسجد عن نورٍ يهديني إلى الطريق الصحيح.

نهاية البارت ♥️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الايمان لا يزول

المؤلف فدك الزهراء علي
2025/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة