لم يغب شبح الخريطة طويلاً عن عقل ريلا. عادت إليها مسرعة، تفتح خزانة غرفة التدريب بيديها المرتعشتين. كانت الخريطة القديمة، برموزها الغامضة وخطها القرمزي، تنتظرها.
"المفتاح هو العود الأخير."
العبارة كانت كالختم الذي يكسر قواعد رايين قبل أن تبدأ.
شعرت ريلا بضغوط متناقضة: رغبتها في إثبات ولائها للفريق، وحاجتها الملحة لمعرفة ما تخفيه هذه الخريطة. لم تستطع تجاهل النداء. في الصباح، حاولت استغلال وقت التدريب مع إيلاهي لمعرفة المزيد دون كشف السر.
"إيلاهي، هل سبق أن سمعتِ عن أي رموز قديمة أو مقتنيات أثرية كان كاسرو النبض يبحثون عنها؟"
سألت ريلا، محاولة أن تبدو عادية وهي تتمرن على عزل أفكار المتدربين.
التفتت إيلاهي إليها، عيناها حادتان تخترقان أفكارها تقريباً. "كاسرو النبض لا يهتمون بالآثار، بل بالطاقة. لكن... في الأساطير القديمة، يتحدثون عن "عود الذاكرة". قطعة أثرية قيل إنها قادرة على إعادة تشكيل النبض المفقود. لماذا تسألين؟"
شعرت ريلا بالحرارة تتصاعد في وجهها.
"لا شيء. مجرد محاولة لربط الأمور التي رأيتها في عالم الظلال."
تمتمت ريلا بالكذبة ونجحت في إقناع إيلاهي، لكن الخطر كان قريباً جداً.
في المدرسة، كانت ريلا تحاول أن تكون طبيعية. كانت تمشي بجوار رايين، الذي كانت خطواته ثابتة ووجهه بارداً، بينما آيدن يضحك بخبث على همسات الفتيات المعجبات. كانت همسات الطلاب تحيط بهم كضجيج مزعج، لكن ريلا كانت تتقن الآن عزلها نسبياً.
فجأة، اقترب أنس، الفتى اللطيف.
"ريلا، هل يمكن أن تساعديني في مشروع الفيزياء؟ لم أفهم المعادلات الأخيرة."
ابتسمت ريلا له بارتياح، فقد كان أنس يمثل اتصالاً بسيطاً ودافئاً بعالمها السابق.
في تلك اللحظة، تحول الجو كلياً. شعر أنس بالتوتر قبل أن يرى رايين. توقفت همسات الفتيات. كان رايين يقف ببرود بينهما، كجدار منيع.
"ريلا لديها تدريب في هذا الوقت،"
قال رايين بصوته الخفيض والخطير. لم يوجه كلامه إلى أنس، بل إلى ريلا مباشرة.
"لقد وعدتِني بالانضباط. النبض أهم من كل شيء آخر."
ثم أمسك بمعصمها بقوة أكبر من اللازم وسحبها بعيداً. عيناه كانت تنقل رسالة واضحة لا يفهمها أنس، لكن ريلا التقطتها: "ابتعدي عن هذا الرجل."
لم يكن توبيخاً على التأخير، بل كان حماية غيورة تخبئها قسوة المظهر. شعرت ريلا ببعض الغضب من سيطرته، لكن قلبها لم يستطع تجاهل النبض المتسارع الذي شعرت به من لمسة يده.
بعيداً عن الأنظار، رأى آيدن صديقته ميسا تجلس وحدها على مقعد. استغل الفرصة وابتعد عن رايين. جلس بجوار ميسا بابتسامة خفيفة، لكن داخله كان يعصف بالحنين.
"مرحباً بكِ. هل تذكرتِ أي شيء عن الغيبوبة؟"
سأل آيدن، محاولاً أن يبدو مهتماً فقط بحالتها.
"لا شيء واضح،"
أجابت ميسا، وهي تنظر إليه بفضول.
"فقط أحياناً... أحلام غريبة بضوء وصوت قوي. وأشخاص مألوفين لا أعرفهم. مثلك تماماً، أشعر أنني أعرفك من مكان ما."
شعر آيدن بالمرارة، لكنه أخفاها ببراعة.
"بعض الوجوه تعلق بالذاكرة، حتى لو كانت حلماً."
لم يستطع أن يكشف الحقيقة؛ رؤيتها تعود لواقعها دون حمل عبء القوى كان أفضل. وقف وعاد أدراجه نحو رايين وريلا، لكن النظرة الأخيرة التي ألقاها على ميسا كانت تحمل وعداً: سأحميكِ حتى لو كنتِ لا تتذكرينني.
في المقر، بدأ التدريب الأكثر تركيزاً لريلا على قدرتها الجديدة: التتبع والتركيز.
كانت إيلاهي تحاول أن تجعل ريلا تحدد نبضاً واحداً مهدداً وسط ضوضاء المدينة. فجأة، نجحت ريلا. اخترق نبض بارد كل الضوضاء، وكأنه سهم من الجليد يغرس في وعيها.
"وجدته!"
صرخت ريلا.
"نبض كاسر نبض قوي جداً... يتمركز في المنطقة الأثرية القريبة. يبدو أنه يبحث عن شيء قديم."
كان هذا هو اللغز كاسر نبض يبحث عن شيء قديم.
"العود الأخير"؟
لم ينتظر الفريق. انطلقوا فوراً نحو متحف المدينة القديم، حيث كانت المقتنيات الأثرية محطوطة.
عند الوصول، كانت الأجواء هادئة بشكل مخيف. فجأة، ظهر كاسر النبض. كان ضخماً ومتقدماً، يرتدي معطفاً داكناً يجعله يبدو كظل يتحرك. كان يحمل في يده صندوقاً زجاجياً صغيراً.
"إنه يبحث عن عود الذاكرة!"
تمتمت إيلاهي.
"علينا إيقافه قبل أن يكسر الصندوق."
اندلع القتال. رايين و آيدن هاجما معاً، في تناغم قتالي رائع. لكن كاسر النبض كان سريعاً وقوياً. استطاع أن يصد ضربة رايين، وفي خضم الفوضى، أسقط الصندوق الزجاجي.
ركضت ريلا، متجاوزة تعليمات رايين، نحو الصندوق. في اللحظة التي كانت على وشك الإمساك به، استخدمت قوة كسر الزمن لتجمد لحظة سقوط الصندوق. التقطته بسرعة فائقة، وعندما عاد الزمن، وجد كاسر النبض نفسه أمام ريلا مباشرة.
في مواجهة مباشرة، استخدمت ريلا قدرتها القوية. لمست الصندوق، وأغمضت عينيها، ورأت الرؤية: مشهد لمعبد قديم ينهار، وامرأة تضع قطعة خشبية رفيعة (عود) في الصندوق قبل أن تبتلعها الظلال. على العود كانت نفس الرموز الموجودة على الخريطة!
"العود الأخير هو نفسه عود الذاكرة!"
تمتمت ريلا.
استغل رايين لحظة تشتت العدو واستخدم "مرآة الخلاص" لحصره. آيدن أنهى المهمة بسرعة فائقة.
بعد أن تم القبض عليه ونقله إلى النبع الرمادي، اقترب رايين من ريلا ببطء.
"لقد خالفتِ تعليماتي مجدداً. عرضتِ نفسكِ للخطر. ما الذي جعلكِ تعرفين أن العود هو الهدف؟"
كان صوته يحمل عتاباً قاسياً يكسره الشك.
أدركت ريلا أن الخيار الوحيد لإنقاذ نفسها هو الكشف عن السر. سحبت الخريطة القديمة من مخبئها، ووضعتها أمام رايين.
"لقد وجدتها. المفتاح ليس النبض... المفتاح هو العود الأخير."
اتسعت عينا رايين وهو يرى الرموز المطابقة. رفع رأسه، نظر إلى ريلا، ووجهه يحمل مزيجاً من الغضب والذهول.
"لماذا لم تخبرينا؟!"
"كنت خائفة..."
في تلك اللحظة، رن هاتف إيلاهي. فتحته، واتسعت عيناها برعب.
"هذا الكاسر كان مجرد طعم. لقد تم كسر حاجز النبع الرمادي... والآن الجميع أحرار."
نظرت إيلاهي إلى الخريطة، ثم إلى رايين وريلا، ووجهها شاحب.
"كل كاسري النبض الذين قمنا بحجزهم... عادوا."
ـ ـ ـ
انتهى
larse★