لم تجد ريلا وقتاً للاعتراض. كانت كلمات رايين الأخيرة تتردد في أذنيها..
اندفعوا عبر بوابة حديدية ضخمة تقود إلى ممر طويل يشبه نفقاً، جدرانه مغطاة بأنابيب نحاسية وأضواء متقطعة. الريح الباردة التي هبّت من الأعماق جعلتها ترتجف، لكن فضولها كان أقوى من خوفها.
خارج الفيلا، كانت تقف مركبة سوداء منخفضة، تصميمها حاد وغريب، وكأنها سُرقت من زمن مستقبلي. جلس آيدن في المقعد الأمامي بجوار السائق الآلي، بينما جلست ريلا في الخلف بين رايين وإيلاهي.
طوال الطريق، لم تتوقف عينا ريلا عن مراقبة الوجوه. آيدن كان يعبث بآلة صغيرة بين يديه، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة، وكأنه على موعد مع لعبة ممتعة. إيلاهي كانت تتابع شاشة زرقاء شفافة تظهر عليها بيانات غريبة تتغير باستمرار، وعيناها حادتان لا ترمشان. أما رايين، فكان يحدق بهدوء في النافذة، وكأن كل خطوة قادمة تُحسب في رأسه قبل أن تحدث.
شعرت ريلا بضرورة كسر حاجز الصمت الذي يسبق العاصفة
. "أين نحن ذاهبون؟"
همست.
التفت رايين إليها ببطء، وفي عينيه لمعة لم تستطع تفسيرها
. "إلى حيث تبدأ الكوابيس. الحي الصناعي القديم. هناك كاسر نبض يبحث عن ضحيته."
وصلوا إلى المكان مدينة أشباح، المصانع المهجورة ترتفع كالهياكل العظمية، والنوافذ المكسورة تعكس ضوء القمر الحزين. توقفت المركبة بهدوء مخيف.
إيلاهي أعطت الأوامر بصوت خفيض وقاطع:
"رايين، من الجهة الشرقية. آيدن، غطِّ الجهة الخلفية. سأراقب النبض من هنا. وتذكري يا ريلا، لا تتحركي من مكانك مهما حدث."
لم تكد ريلا تستوعب الكلمات حتى سمعت صوتاً غريباً، أشبه بخفق قلب معدني يتسارع. فجأة، انطلقت صرخة حادة من داخل أحد المستودعات، صرخة جعلت كل شعرة في جسدها تنتصب رعباً.
رايين كان أول من تحرك، جسده يتلاشى في الظلال بسرعة فائقة، وكأنه ذاب في الظلام. آيدن تبعه بخطوات صامتة، لكن قبل أن يختفي ألقى نظرة جانبية على ريلا وقال بابتسامة غامضة:
"إذا أردتِ أن تفهمي، لا تغمضي عينيك."
الوصية الأخيرة لم تستطع الصمود أمام قوة فضولها. اندفعت ريلا نحو أصوات الصراع. بين الممرات المظلمة، رأت ما يشبه دوامة من الزجاج العاكس المضيء تلتف حول رجلين. كان رايين يستخدم قدرته، مرآة الخلاص، لحصر كاسر النبض في سجن زجاجي لا يمكن اختراقه.
الرجل المحاصر كانت عيناه تتوهجان بلون قرمزي مشوّه، وحركاته سريعة ومجنونة، كأنه لا يخضع لقوانين الفيزياء. بينما كان آيدن يقاتل الآخر، لاحظت ريلا أن كل لكمة يتلقاها العدو كان يتلوّى من الألم، لكن ملامح آيدن ظلت جامدة وثابتة، حتى أدركت: إنه ينقل الألم إليه.
شعر ريلا بشيء يتغير في داخلها. قلبها بدأ يخفق بقوة، وهذه المرة لم يكن خوفاً، بل إحساس مألوف بالقوة الكامنة.
وبلا وعي منها، تحركت نحو رايين الذي كان يضغط بقوته لإغلاق الدوامة الزجاجية.
"تراجعي!"
صرخ عليها، لكن الأوان كان قد فات.
كاسر النبض الذي كان آيدن يقاتله لاحظ وجودها. في لحظة خاطفة، انطلق نحوها ليزرع الخوف في قلبها.
في تلك اللحظة، حدث ما لم تتوقعه. موجة من الصور اجتاحت عقلها، صورة خاطفة من ذاكرة العدو: طفل صغير يبكي في زقاق، يده ملطخة بالدماء، وصوت صرخة مكبوتة. ثم عادت للواقع وهي تتنفس بصعوبة، جسدها يرتعش من الذكرى التي لم تكن ملكها.
إيلاهي أمسكت بها وسحبتها للخلف بقوة، وفي صوتها نبرة حازمة:
"قلت لكِ لا تتحركي! لكن... يبدو أن النبض بدأ يعمل."
بعد دقائق، انتهى كل شيء. كاسرا النبض كانا على الأرض، مكبلين بقيود تصدر ضوءاً نابضاً. إيلاهي التفتت نحو ريلا وقالت:
"هكذا نحتجزهم. ومن هنا، يتم نقلهم إلى النبع الرمادي... حيث لا يستطيعون العودة أبداً."
رايين اقترب منها، عيناه تلمعان بشيء لم تفهمه تماماً، خليط من العتاب والفخر.
"إذن... ما رأيكِ الآن؟"
لم تستطع الإجابة فوراً، لكنها عرفت شيئاً واحداً؛ هذا العالم الغامض هو مصيرها، ورؤية تلك الذاكرة المؤلمة كانت دليلاً.
قادها رايين بعد ذلك إلى شارع جانبي هادئ.
وقفا أمام مبنى قديم لا يبدو أكثر من محل نودلز صغير، لافتته القديمة كتب عليها:
"نودلز نبضية – طعامك بنكهة الحياة!"
ابتسم رايين بابتسامة جانبية وهو يفتح باباً خشبياً خفياً في الخلف.
"مرحباً بكِ في المقر... أو ما يبدو كذلك."
بمجرد أن عبرت الباب، تغير كل شيء؛ الممر الضيق قادهم إلى قاعة ضخمة تحت الأرض، مزينة بشاشات وخطط متطورة. كان المكان مزيجاً بين مختبر سري وغرفة عمليات.
اقتربت إيلاهي بخطوات واثقة وهي تحمل صندوقاً صغيراً:
"هذا هو زيكِ الجديد."
فتحت ريلا الصندوق لتجد بدلة داكنة مصنوعة من خامة غريبة ذات خطوط مضيئة باهتة.
"هذه ليست مجرد ملابس... إنها متصلة بطاقة نبضك. ستحميك وتساعدك على التحكم في قدراتك."
قبل أن تستوعب ريلا كل هذا التحول، انطلق إنذار حاد مفاجئ في المقر. هرعت إيلاهي نحو الشاشات:
"إنذار! نداء استغاثة! الإشارة ضعيفة جداً... إنه نبّاض"
تجمدت ريلا في مكانها. لقد أصبحت جزءاً من هذا العالم الآن، وربما كان مصير شخص آخر يعتمد على النبضة التي تحملها.انطلق إنذار نداء الاستغاثة كصرخة مفاجئة اخترقت هدوء المقر السري. لم يكن هناك وقت لارتداء الزي الجديد أو استيعاب ما حدث للتو. تحرك فريق النبّاض بغريزة مقاتلين قدامى.
إيلاهي هرعت نحو الشاشات وهي تقول بحدة:
"نداء استغاثة! الإشارة ضعيفة جدًا، لكنها قادمة من نبّاض! إذا تأخرنا، سنفقدها!"
اندفعت ريلا معهم نحو المركبة السوداء. كانت تشعر بأن قلبها يخفق بعنف، إحساس غريب يجمع بين الرغبة في المساعدة والخوف من المجهول. هذه لم تكن مهمة مراقبة، بل كانت سباقاً مع الموت.
وصلوا إلى المكان مصنع قديم مهجور في أطراف المدينة. النوافذ المكسورة عكست أضواء مركبتهم، ودخان خفيف يتصاعد من الداخل. دخل الفريق بحذر، أسلحتهم النبضية (التي لم تفهم ريلا كيفية عملها بعد) كانت جاهزة في أيدي رايين وآيدن.
توقف الجميع عند مشهد أوقف الأنفاس.
على الأرض، كانت فتاة شابة ممددة، نباضة مثلهم، لكن جسدها مغطى بالكدمات والجروح. نبضها كان بالكاد مسموعاً، وكأن الحياة تنسحب منها في كل ثانية.
ركضت ريلا نحوها، ركعت بجانبها، وكلمات رايين تحذرها من الخلف:
"ريلا، لا تلمسيها! النبض المنكسر خطر!"
لكنها لم تستمع. أمسكت بيد الفتاة الباردة، وصرخت بضعف:
"تمسكي... أرجوكِ، سنساعدكِ!"
فتحت الفتاة عينيها بصعوبة بالغة. نظرت إلى ريلا نظرة طويلة وعميقة، وكأنها لم ترَ ريلا فحسب، بل رأت شيئاً في جوهرها. ابتسامة خفيفة، أشبه بوميض وداع، ارتسمت على شفتيها، ثم سكنت ملامحها للأبد.
"لا...!"
صرخت ريلا، عيناها تشتعلان، غير مصدقة أن الحياة يمكن أن تنتهي بهذه السرعة القاسية.
حاولت إيلاهي التحقق من نبضها، لكنها هزت رأسها بحزن
. "لقد رحلت... النبض انكسر."
في تلك اللحظة، لم يعد الأمر يتعلق بالحزن؛ غضب هائل اجتاح ريلا. شعرت بحرارة لا توصف في صدرها، وكأن قلبها ينفجر بطاقة مجهولة. فجأة، بدأت ترى العالم يتباطأ حولها. أصوات أنفاس الفريق، حفيف الرياح... كل شيء صار أبطأ من الإيقاع الطبيعي.
شعرت بقوة غير طبيعية تتدفق في عروقها، وداخل رأسها أصوات لم تسمعها من قبل، لكنها كانت مألوفة... أفكار رايين وآيدن وإيلاهي تتداخل للحظة.
صرخت ريلا وهي تمسك رأسها:
"ما الذي يحدث؟!"
شهقت إيلاهي، وعيناها تتسعان بذهول:
"إرث النبض! قوتها لم تمت... لقد انتقلت إليكِ!"
لم يكن هناك وقت لاستيعاب التحول. من الظلال الكثيفة، ظهر كاسر نبض مختلف، طويل القامة، عيناه حمراوان تتوهجان، وفي يده قطعة مضيئة سرقها من النباضة الراحلة. نظر إليهم بابتسامة سخرية قبل أن يحاول الهرب.
صرخت ريلا بقوة لم تعرفها في صوتها:
"لن أتركك!"
وباندفاع غير محسوب، انطلقت نحوه. استخدمت القوة الجديدة؛ الزمن توقف لثوانٍ معدودة. تحركت بخطوتين أمام العدو، ثم استأنف الزمن ليجد نفسه مصدوماً من وجودها أمامه. وجهت له ركلة قوية بقوة جسدية خارقة، دفعته بعيدًا ليصطدم بالحائط.
"كيف... فعلتِ هذا؟!"
تمتم آيدن بدهشة.
رايين لم يضيع الوقت:
"ريلا! لن نستطيع اللحاق به إلا لو زدنا قوتنا! هل أنتِ مستعدة؟ سأفتح صدى النبض!"
أومأت ريلا بعزم لم تشعر به من قبل. ضغط رايين على جهاز صغير، وفجأة اهتز المكان بضوء أزرق نابض، وامتزج الهواء بطاقة كهربائية. "صدى النبض" فتح، وتضاعفت قوة الجميع.
انطلقوا خلف كاسر النبض. استخدمت ريلا كسر الزمن مرة ثانية لقطع طريقه، بينما واصل آيدن القتال بشراسة، وإيلاهي صنعت حاجزاً نبضياً لمنعه من التسلل.
كان القتال ضارياً، لكن النبض الذي ورثته ريلا كان يقودها. إلا أن العدو كان قوياً. سدد ضربة قوية نحو رايين.
في لحظة لا إرادية، تقدم آيدن بخطوة متهورة. رفع يديه، وبدأ بامتصاص آلام الجميع دفعة واحدة، ثم نقلها إلى كاسر النبض. صرخ المخلوق صرخة مدوية قبل أن يسقط أرضاً، متفككاً في دوامة من الظلام.
عاد الهدوء، لكن المشهد كان مؤلماً. آيدن سقط على ركبتيه، وجهه شاحب من الألم الممتص. ركضت ريلا نحوه، والدموع تكاد تسقط.
"آيدن! لماذا فعلت هذا بنفسك؟"
ابتسم بتعب وهو يمسح عرقه:
"أفضل أن أتألم أنا... على أن أرى نبضكم يعاني."
في تلك اللحظة، جلست ريلا على الأرض، مرهقة، لكنها شعرت بقوة جديدة تتأصل في أعماقها. نظرت لجسد النباضة الراحلة وهمست:
"وعد مني... نبضك لن يضيع. سأقاتل وأحمي."
إيلاهي وضعت يدها على كتفها بجدية:
"من اليوم، أنتِ لستِ مجرد مبتدئة يا ريلا. النبض اختاركِ."
رايين نظر لها نظرة مختلفة تماماً عن السابق، أما آيدن فابتسم بابتسامة جانبية عميقة.
لقد تحولت ريلا، لكنها كانت تدرك أن هذه مجرد بداية... والأخطار القادمة أعظم...
ـ ـ ـ
انتهى
larse★