~آل تكتُب بغضبٍ جم~
.
.
_« لماذا ركضتِ؟»
.
.

ما قصدُ سؤالِه؟
أكانَ يرانِي؟
نقلتُ بصري خلفه، أرى أضواء الزينةِ على خارِجِ المبنى،
القاعة..
هدفُه
أحدٌ مِن حاضِري الحفل؟
اتّسعت مُقلتاي وتخشّبتُ بموضِعي،
أمّي هُناك، وأخي.. أنتَ
_« من تكون؟»
كرّرتُ سؤالي أتجنّب إجابةَ خاصته كما فَعل معي
_« ليسَ الملل، صحيح؟»
أردَف كأنّما يُحادِث شخصًا آخر، فلم أُفرق شفتاي ولم أُبعد عيناي المتربّصتان بِه، أشعُر بضعفٍ في ركبتاي، أرغبُ في الجلوس بشدة..
كتمتُ أنفاسِيَ عِند تحريكِ يده، لكِن ما لم أتوقّعه أن يُعيدَ سِلاحه لجِرابِه،
بل واتجه نحو حقيبتِه يُخرِج آخرًا أكبر حجمًا وأكثر كثافة،
ما الذي يفعله؟ هل سيقتلني؟
_«اذهبي»
أردَف بِها دون إعطائي وجهًا، إذ وَقَف هناك يُزيل ويركب أجزاءً خاصة بسلاحه لم أدرِك ماهيّتها
أذهَب؟
بِبساطة؟
ألا تخشى أن أُبلّغ الشرطة؟ أستطيعُ فَضحَك بسهولة!
_«أذهب؟»
بلا أدنى اهتمام اِكتفى بهمهَمة قصيرة، وكأنّه يفعل أمرًا عادِيًّا، وكأنّني لم أُشاهِد شيئًا، هل يتوقّع مِنّي الصمتَ جُبنًا؟
كتِلك الابتسامة السخيفة والأعين متّسعة الحواف، غادَرت ضحكتِي وجسدي يرتجِف بخِفية.
_« لَن تقتُلَني؟»
نبست، أُحدّق بظهرِه بينما ينزِلُ على رُكبةٍ واحِدة ويُجهز سِلاحه الأجنبِيّ هذَا لِلقضاء على أحدِهم.
انزعجتُ مِن تَجاهُلِه لي، ألا يُمكِنني ركلُه مِن الخلف؟
_« أجِبني!»
قلتُ بغيظٍ وأنا أدفَع نفسي بالقُرب،
عن أيّ حماقةٍ تِلك.. وقوفي هنا ومحاولتي لصُنع مشاجرةٍ مع قاتِل؟ لا أدري.. لكِنّي لا أرغبُ في الركضِ، لا أريد العودة للحفلِ الكئيب، رُبّما أشيرُ له صوب ميدونا فيكون ذا فائِدة لديّ..
رُبّما لم يكُن شعور خالتي مُخطِئًا في النهاية.
خطوتُ نحوه بِبُطء، وجاورني بعضُ الحذر عديم الفائدَةِ أيضًا، أعني لو رغِب قتلي بضغطةِ زر فحَسب لن يوقِف رصاصتَه نسيمُ الهواء.
إن رأتني أُمي الآن لتجلّط الدم في رأسِها، إذ نزلتُ على رُكبتاي أجلِس جواره مُباشرةً وأحاوِلُ رصد ما يُصوّب نحوه.
لم يستعجِب ردّ فِعلي، وكان هذا أكثُر إثارة، لا أقابِل قتلةً مُحترفين كُل يوم،
لن تجلِس جوار مجرمٍ كُل يوم، ولن تتهوّر كُل يوم!
وإن كانَ هذا ثمنُ حياتي البائِسة، فأدفعُها مُقابِل المُتعة.
_« مَن الهدف؟»
همستُ وعيناي ترفرِفان بينَ المبانِي ونوافِذ القاعة الضخمة، أمال رأسهُ يُغمِض عينًا وإصبعه يلتفّ حول الزنّاد.
_« خنزيرٌ بَشريّ»
تَمتَم فتشدّق وجهي بابتسامتي أكثر، هناك شيء في قلبي يُرغِمني سنّي أن أكتمه، شعور بالرغبةِ في القفزِ.. وضرب قدماي معًا.
أنا.. أشعر بالحماسة
_«الخنازِيرُ كثيرة، فعلى أي أساسٍ تصطادُ خاصتك؟»
همستُ أجاري جنونه ونالَ هذا رِضاي،
بل قمّته.
لم يُجِب ففِي لحظتِه تِلك كانَت الرصاصة تشُقّ طريقَها نحوَ مُنتصَفِ رأسِ العريس مُباشرةً، وعن أيّ دقةٍ أتحدّث، الدقة التي تجعلها تتخطّى العديدَ مِن الأجساد قبل أن تستقِرّ في المنشود.. أنا مِنشدِهة!
فغرتُ فاهِي أحدّق في الضجّةِ والصراخ الذي انتَشر بينَ الناسِ، وقد لمحتُ والدتي تتلفّت حولها باحثَةً عنّا،
أُمّي..
لا تقلقي،
أنا مَع القاتِل.
لم أنتبِه له ينسحِب بينما يجمع أشيائه بخِفة، فالضوضاء المُحدَثة، هروبُ الجميعُ لِلخارِج والصراخ الهيستيريّ لوالدتِه كانَ ما علِق في ذِهني.. لوحةٌ رائِعة.
خَطر ذلِك الخبرُ عليّ مُجدّدًا،
وسؤالِيَ عن نفسي كونِها،
هل يُمكِنُني فِعل الأمرِ عينِه؟
لا يبدو المَشهد مُروّعًا.. بل فظيعًا،
وهذا ما يجذِبُني
_« هَل.. أستطيعُ التجرُبة؟»
علِقَت تمتمتي في الهواءِ وعِندما استدرتُ بعُنقي أدركتُ أنّي عُدتُّ بمُفرَدي،
لا أحد.
وكأنّه انساب كالترابِ وحملتهُ الرياح!
.
.
.
_« ماتيلدا!»
جذَبني مينا مِن ذراعِي بمجرّد لمحه إيايّ أمام القاعة، تِلك الفارِغة إلا مِن آثار الدماء وبعض العامِلين، فالعروسُ المنتحِبة ذَهبت مع آل زوجِها ليصحبوه نحوَ المَشفى، والبقِيّة يُبلِغون الشرطة.
هزّني مينا بعُنف يُخرِجني مِن شرودي في بُقعة الدماء هناك.
_«أينَ كُنتِ؟ أُمّكِ قلِقَت للغاية»
وجّهتُ بصري إليه، لا أدري كيفَ بدوتُ له فجعله يُطيل النظر لحالي لكِني لست أهتم، فمصدر اهتمامِي غادَر داخِل حقيبةِ مُلَثّم.. بعينين زيتونيّتين.
_« أينَ هِي؟»
سألتُه بينما يصطحبني نحوَ السيارة بِالفعل، وهُناك أمكنَني سماع أنينها.. إنّهُن يُبالِغنَ في الخوف بشِدة.
_« ماتيلدا!»
صرَخت تركُض لجمعِي بينَ ذراعيها، ولو أمكنَها الاحتفاظُ بي داخِلها لَفعلَت، ربّتُ على ظهرِها أُحاوِل تهدِئةَ روعِها.
_« أمّي.. أنا بخَير»
قلتُ بنبرةٍ ملول بينما تُمسك كتفاي وعيناها الذابلتان تجوبانِ تفاصيلي.
أمسَكت فستانِي تَفردُه
_« أينَ كُنتِ؟ ما الذي حدث لكِ؟»
_« شعرتُ بالاختناق فخرجتُ أتمشّى قليلًا، لكنّني تعثّرتُ وسقطت على رُكبتاي، هذا جُلّ الأمر»
إنّها كذِبة مُقَدّسة.
عادَت تُكَفكِف دموعها بمنديلها القماشِيّ أثناء سَحبِي للسيارة.
_« ظننتُ مكروهًا قد أصابَك، لكِن حمدًا للرب»
همَست بنبرةٍ مهتزّة بينما تُجلِسُني جِوارَها، نظرتُ إليهَا بصمت ولم أدرِ ما عليّ قولُه، هِيَ جيّاشةُ المَشاعِر، لديها فائِض حنان ودِفء لا أظنّني قد أمتلكها تجاه ابنتي يومًا ما.
تدخّلَت تِلكَ الثعلبان تمسَحُ ظهرَ طِفلتها وأجزِم أنّ يداها بادتان كقلبِها الجاف المُتشقّق.
_« أمي، لا تُدلّليها، ما كانَ عليكِ المُغادرةُ دون إذن! من تظنّين نفسكِ لتُرهقي قلبَها هكذا؟»
هل تُريدين سماعَ فائِضي مِن السبابِ، ميدونا؟
رفعتُ حاجِبي أرمُقها بطرفِ عيناي ففَعَلت المِثل.
_« لستُ صغيرة كي أستأذِن، وبدَلًا مِن التعقيب عليّ ضعي عينَيكِ على ابنتكِ»
أردفتُ بحِدّة فتوسّعت حواف فتحات أنفِها.
_« اِبنتي بخيرٍ تمامًا، لستُ أحتاج لملاحظاتِك، أبقيها لنفسِك»
ضحِكتُ ساخِرة بينما أنفي برأسي وأسندها على النافِذة،
هَشهَش لنا مينا مُقطّبًا حاجِبيه أثناء إدارتِه لعجَلةِ القيادة.
_«اصمُتنَ أيتها الذبابات، أُمكن مُرهَقة»
رميتُ نظرةً على أمّي بيننا ولم تُعجِبُني عروق التوتر التي تظهَر على جانِب صدغِها، لا تزال تحتفِظ بيدي بين كفّيها وتقرّبها مِنها.
عضضتُ وِجنتي مِن الداخِل أُعيد مَشهد الطريقِ أمامَ عيناي.
_«لولا ليسَت بخير»
همستُ علّ الزجاج يُنصِت،
لطالما أخبرتُ ميدونا بذلِك، لكِنّ كِبرياء الأنثى لديها يُعميها، يُخبِرها أنّها أفضلُ أُم على الإطلاق وابنتها لا تُعانِي مِن أيةِ مشاكِل،
مجنونة،
أكثر جُنونًا مِنّي.
.
.

.
.
كيف؟
كيفَ أحصُل عليهِ؟
أريد واحِدًا مِثله..
رفعتُ ذراعاي فوق الوِسادة المُتموضِعة على رأسي، كُل هذا لا يُجدي نفعًا
الجُدران، الباب، الستائِر، الوسادة والدّثار.. ليسوا كافِيين لإبعاد هذا الضجيجِ عن أُذناي.
_«مِينا!»
بصوتٍ جهورٍ صرختُ أُنافِس مُوسيقاه الصاخِبة بحَنجرتِي، ثلاثُ ساعاتٍ مِن سماع تِلك الطرقات والصراخات المُلَقّبة بالفن، ثلاثُ ساعاتٍ مُتتالِية مِن التعذيب السمعيّ!
ألقيتُ حِصوني عنّي أركُض نحو حُجرتِه، سأقتلِع رأسَه وأزرع فيها نبات اللبلاب السام.
داهمتُ مقرّه بعُنف أدفع الباب المِسكين فيُقبّل الحائِط، انتَفض المَعنِيّ يرفع الغطاء على صدرِه المكشوف.
_«أنتِ، كيفَ تقطعين خُلوتي هكذا؟ ماذا لو كنتُ عاريًا!»
صَرَخ عليّ أثناء إيقافِي للتسجيل،
فالتفتّ أرمقُه بأعينِ الليزر.
_« ولماذا قد تجلِس في حجرتكَ هكذا؟ مريضُ جَرب؟»
_« لا تتذاكَي في الردود، هذا الحيز الخاص بي في النهاية!»
والحيّز الخاص بي تعرّض لِلاغتصاب!
_« أيها الوغد»
تمتمتُ أُسدّد ركلةً في الهواء كتهديدٍ لتحطيمِ أنفِه.
_« حُجرتك افعل بها ما تشاء، لكن لا يتخطى الصوتُ جُدرانَ المنازِل كُلّها وُصولًا لِلشارِع العمومِيّ! لا تصنع جَلبة، أفهِمت؟»
زجرتُ أُأَكّد حديثي عليه فأجاب بصوتٍ مُرتفِع بِه لمحةُ قَهر.
_«فهمت!»
لا يأتِي الرجالُ إلّا بالرّكل!
ألقيته بتحذير أخير قبل أن أنسحِب والبابُ معي.
في النهاية، لديّ صلاحيةُ ضربِه.. أنا الأكبرُ هنا.
تنهّدتُ أرتمي فوق الأريكةِ، ذلِكَ الأحمَق أنسانِي فيما كُنت أفكر..
صحيح، أريد سلاحًا كالخاص بِه، ذلِك الغريب.
عقدتُ ذراعاي أميل رأسي فوق المِسند،
مِن أينَ يمكنني؟
حلّقت عيناي نحوَ بابِه المُغلَق مُجددًا،
مِينا.. كانَ يتعاطى الماريجوانا منذُ عامَين، بالتأكيد يعرِف أشخاصًا مِن تلكَ الطينة.
نهضتُ أدفع بابه مُجددًا فصرَخ بينما يرفع بنطاله، أسرعت بالخُروج أصفِقه خلفي وقد اتسع محجراي.
لم أرَ شيئًا، لم أرَ شيئًا، لم أفعل.
عُدتُ نحو ونيستي أجلِس بفم مُطبَق، وصرخته لا تغادِر أذناي، يا إلهي، لديهِ جانبٌ أُنثَويّ.
لم أمنَع ضحكتي الصامِتة إذ خرج يُحدّجني بسَخط.
_«أُقسِم، لم أرَ أي شيء»
أجزِم أن أذنيه تورّدتان أسفَل شعرِه الكثيف هذا.
دارَ حول الأريكةِ بِبطء، يرفع يداه نحوَ رأسي
_« لِماذا صُنِعَت الأبواب؟»
أهتز ضحِكًا وأكاد أُقهقِه، لكِنّه أمسَك برأسي ودفَعها للأسفل يدفنني في الوسادةِ فتنكتم ضحكتي.
لا يمكنني التوقف!
رفعت رأسي المحمر وشعري قد تبعثر بينما اتّجَه للمَطبخ، قمتُ ألحَق بِه وزقزقاتِي تسبِقُني.
_« سيكفي الآن أم أتصرّف بتَخلُّف؟»
أطلَق وعيدَه بينما يملأ الغلّاية بِالمياه،
كانَت آثارُ المَشهدِ ابتسامةً واسِعة فوقَ ثغري، استندتُ على إطارِ مدخَل المطبخ وتابعتهُ مُقلتاي.
_«أحتاجُ مِنكَ مَعروفًا»
تَجاهلني يَحُكّ العود في الكبريت، فاقتربتُ أكثر اتّكئ على طاوِلة المطبَخ.
_«أخي الصغير»
ألقى العود الذي انكَسر يَسحب آخر، راقبتُه أحكّ ظهري.
بالطبع لن يفعَل!
فهممتُ أُحضِر الكوب أصبّ له السكر وملعقةَ شاي.
_«صديقي المُفضل والوحيد»
أشعَل الحلقة ثم ترك فوقها الغلاية
_«ما الأمر؟»
غَمغم وكأنّني لن أسمعه، فنظّفت حلقي أترُك المِلعقة جانِبًا.
نظرتُ إليه بصمت لثوانٍ حتّى التفت إليّ بحاجِب مرفوع، فقبضتُ يداي أُطلِقها في وجهِه.
_«أحتاج سِلاحًا»
.
.
_« تحتاجِين ماذا؟»
_« سِلاح، مُسدّس، بُندقِيّة.. إلخ»
قلتُ أُحاكِي انخفاضَ نبرتِه، فنظر إليّ بوجهٍ ثابِت لِلحَظات ثُم التفت بجسدِه نحوي.
_« ولماذا تحتاجين لشيء كهذا؟»
أ.. سؤالٌ وَجيه!
أطبقتُ شَفتايَ أنسِج كذبة مُقدّسة أُخرى قبل أن أنطِق بتمهّل.
_« أنتَ تعرِف، أنا طالِبةُ قانون، سأُحارِب المجرمين في المُستَقبل، لهذا، عليّ أن أكون مُحَصّنة؟»
سيء لِلغاية، سيء لحَد السخافة.
رغِبتُ صفع وجهي بينما يُحدّجني باستهزاء ويعاوِد نَصب اهتمامِه على المِياه التي بدأت تُصدر فقاقيعها.
_«عِندما تُنهين أعوامكِ الدراسِيّة وتحاربين المجرمين حقّا يا عزيزتي»
كانَ ينقُصني هذا، بالتأكيد.. وأنا مَن نويتُ الرسوب مُجددًا.
دحرجتُ عيناي في الأنحاء بينما يُضيف
_« على أي حال، مَن سيترُك طِفلةً تتجوّل بشيء أكبر مِن حجمها؟»
هاهاها
ياللدُعابة.. تُدَغدِغُني!
امتعَض وجهِي أشيحُه عنه، ذلِك الصبِيّ يُغضبني، لن أُحضِر له حلوى العصا مُجددًا
خَسِئ مَن جعلني أتذلّل إليك، زِنديق.
لو لم يُحدد ذلِك الوقت الذي هرِبت فيه كساعةِ الصفر لما أصبحتُ مهووسة بِه،
فلم يترُك منامي حتّى!
عقلي.. فكّر، كيف أستغِل مينا؟ هُوَ أحمَق كبير لِلغاية، لكِنّه ولد غير مُهَذّب.. مُؤخرًا بدأ يُصبَح أقل إزعاجًا.
ما الذي قد يجعله يشتعِل حتى يرغب بِالقتل لأجلي؟
أنا فتاة، وهو شقيقي..
ارتفَع جانِب ثِغري وتِلك الفكرة الجُهنّميّة تخلّصت مِن مُستودِع أفكاري.
هُنا.. إنه الشرف
تلبّستُ مزيجَ التردّد والخوف، أضع قبضتي عِندَ صدري.
_« بِصراحة.. هَذا ليسَ السبب الحقيقيّ»
همستُ، أتصنّع تجنّب النظر إليه، فهَمهم يأخُذ كوب الشاي الساخِن ويجلِس بالقُرب مِني.
_« أجَل أعرِف»
سحبتُ زفيرًا ثم أطلقته بتروٍّ.
_«مينا، أنا خائِفة»
رَفع بندقيّتاه نحوي ولمحةُ السخريةِ باتَت اِهتمامًا، فسحبتُ المِقعَد أجلِس أمامه.
_« هناك مَن يُهدّدني»
.
.

.
.
منحني نظارةً سوداء تُخفي نِصف وجهي، نافستها طاقيّةُ الصوفِ فوق رأسِي اللون، مَع ملابِس طويلة حرِصَ أن يرتدي مِثلها، حاولتُ إخباره أننا هكذا نُثير الانتباه بالفِعل، لكِن في عجلات عقله عطبٌ مَا.. حتما
على كُلّ ليست مُشكلةً عويصة،
فأنا أُحِب أطراف شعري عندما تصطدم بوجنتي هكذا..
لولا إصرارِي ما أخذني معه، فبيئة كهتِه أتوق لرؤيةِ كيفَ يعيشُ سُكّانَها، أحقّا يجلِب الفقرَ الجريمة؟ ليسَ وَحده، وليسَ الجميع.
كان يقبِض على يدي حتى امتزج عرَقي بالخاص بِه، لا يُزحزِج بصره عن طريقِه بينَ الحوارِي الضيّقة، ولم يتركنا أحد إلا واتبعتنا عيناه بِفضول، بِنوايا سيّئة، بلا اهتمام.. كُلّهم ينظُرون هنا.
ثنَى ذراعه يحافِظ عليّ بالقُرب مِنه وضغطته على يدي تُخبِرني بالغضب الذي اِشتَعل في صدرِه، يكون العِناد جالِبًا لِلمتاعِب في أغلبِ الأحيان، أتفق معه.. هذِه الخِصلةُ آفة.
لكِنّني لن أستطيع البقاء ساكِنةً وقد عاد هُنا مجددًا بسببي، غيرَ هذا.. راودتني مخاوف عن عودتِه للتعاطي، سأكون السبّب بعد كل تلك المعاناة، وأخشى أن أكُون الصخرةَ السوداء في حياتِهم مُجددًا.
شعرتُ بالحر يتزايَد وقد كَسى الزيتُ وِجنتاي، وَقفنا في زاوِية مُظلمة بينما تمرّ عيناه فوق المباني، وبعدَ لحظات قِصار جاء رجل مرّ جواره ودفع بكيس أسود في صدرِه ثم أكمَل سيره يتخطانا.
حينها لم يتمهّل مينا وهو يخفي الكيس داخِل سُترتِه بأخذي والإسراع للمغادرة مِن هنا.
.
.
_«سأُعمّرهُ بطلقةٍ واحِدة»
نظرتُ إليهِ بفضول، يفعل حركات مُشابِهة للتي قامَ بِها ذلك المُلثّم، كُنت أقِف فوق رأسه أحدّق في سلاستِه.
_« ما الذي تفعله؟»
_«أضع كاتِمًا لِلصوت»
أخي يُجيد فعلَ هذا؟
_«لماذا؟»
رماني بطرف عينيه وهُو يُغلقه
_«حتى لا يُفزِعك، ستبدين حمقاء إن حدَث»
ابتسمتُ له باصفرار أبسط يدي وأقبضها على حافة ظهر المِقعد، حيثُ يجلِس.
_«وأين تعلمتَ هذا؟»
لم يُجِبني وهو يرفع المسدس نحو انعكاسِي على المرآة ويغلق عينًا.
نَظرتُ للصورةِ على سطحِها وأنفاسي كُتِمَت داخل حلقي،
تبًّا، إنه يُشبِهه.. للغاية،
حتى عَسليّتاه تَميلان للأخضر أحيانًا!
أعدتُ بصري إلى عينيهِ أحدّق بهما،
لو كانَ هو لأدركتُ فورًا، أنا أعرِف صوته جيدًا، كما أنه لم يبتعِد عن أمي طوال الحفل، أم كنتُ غافِلة؟
ابتسمَ إليّ ثم نهَض
_« سأبحَث عن مكانٍ ما لتدريبِك عليه، لا تخافي»
قال يربّت على كتفي،
أيظنّني أخشى مُطارِدي المهووس الوَهمِيّ؟
نُقطة تُحسَب إليه، يستحيل أن يكون هذا الفتى قاتِلًا.. إنه يخشى مشاهدة أمّي وهِي تُزيلُ المُقشّر عن جلدِها، قال أنّها تبدو كمَن يُقطّع وجهه!
_«وإن فَعل ولحِقَ بكِ مجددًا، ارفعي السلاحَ في وجهِه، وهدّديه أولا، ثانِيًا..»
لامَست الفوهة الباردة جبيني بينما يُكمِل ببطء
_«في الثالِثة.. أطلِقي، واترُكي أمرَ الشرطة لي»
هَل
عليّ
أن أطمئِن الآن؟

_
للقراء الصامتين،
أنا أراكُم.