مراحِب مجددًا✨
آل تكتُب بغَضب جم✨
_تنهيدة طويلة_
سأكتُب أول قصةٍ في بلد عربِي، تحمِل قضية هامة لِلغاية
المُحتوى ناضِج فِكريّا،
ومُرعِب، بالنسبةِ إلي..
أشعر بتلك الوعكةِ في معدتي أسفل صدري مباشرةً أثناء الكتابة) :
أحببتُ التنبيه أن النشر سيكون بين كُل سبتين، وقد تحدث بعض الظروف ويتأخر قليلا، لكِنّني سأبذل جهدي لأكون شخصًا ملتزما🫶
أُحِب التسعينات ٧_٧
لستُ مُلِمّة بأمور القانون وما إلى ذلِك،
ولا أعرِف الحياةَ داخِل الجامِعة، إن كنتَ خبيرا ووجدتَ خطأً في الواقِعيّة لا تبخَل بنصيحةٍ أو نقدٍ بناء.
تجاهَل العشوائية.
قراءة مُمتِعة.
⭑ ⭒ ⭑
القاهِرة
١٩٩٢
.
.
«لا يخشى الناس القوانين بقدرِ ما يخشونَ مُخترقِيه.»
__
____________________
توقّف، يضغطُ قلمَه على الورقِ فتنمو قطرة الحِبر عِند آخر حرف، أبعَد يده دون إفسادِه يُقيّم خطّه للمرةِ الثالِثة.
_«ليسَ أسوأ»
همهَم أثناءَ نهوضِه، متّجهًا صوْبَ لوحةٍ كستها العديد مِن الملاحظاتِ المتراكِمة، مرّت خضراويهِ تبحَثان عن مكانٍ فارِغ وبِخفّةٍ تزيلُ أنامِلُهُ الشريط، وفوق كومةٍ أخرى ألصَقها، حيثُ المكانِ المُناسِب.
_« ربّما عليّ إحضارُ واحدةٍ جديدة»
.
.
.

.
.
.
كما أُحب أن أفعَل سبقتُهم بخطواتِي الواسِعة، تبعثر شعري القصير فأصبحتُ أكثر شُبهةً بفتى لُكِم على وجنته، فآثار النومِ لم تذهَب عنّي بعد، ورُغم ذلِك أصرّوا على اِصطحابي لحمل المشتريات،
أمّي، أتظنّين أن حملَ المُشترياتِ يُحسّن المزاج؟ بجديّة!
مَن تذهَب للتسوق قبلَ جامِعتها؟ ألا يكفي أنني مُضطرة للحضور بعدَ رسوبي عامَين متتالِيين.. لو كانَ بيدي ما قبلتُ بتقديم التماس لإعادة القيد، لكِنّها هيَ..
أمّاه
أقدر محاولاتك لإخراجي مِن حالة المريض العقليّ لكِني لا أحب التسوّق.
وليسَ التنظيف أيضًا!
حتى حِسّ العدالةِ والرغبة في القضاء على المجرمين ليسَ هدفي، كُل ما أريده النوم، النوم حتى الموت.
ركلتُ عبوّةً فارِغة بينما أحتضِن الأكياس الورقية، لستُ آبه.. طالما لم يسمحوا لي بمتابعةِ نومي فلن أستمع لهم، سأنزِل للشارع بمنامتي، بنطالُ جدّي وقميصُ شقيقيَ الأحمق، هذِه هيَ منامتي المُفضلة.
ليسَ حُبًا فيه إنما لإزعاجِه.
ربما يراني الآخرون كالمُشردين بساقيَ البنطال هذا وقد وصل لأسفَل كعبيّ، فليكُن.. حتى أختيَ الماكِرة تخشى السير معي، لهذا أَحرِص أن أبدو أسوأ في كُل مرة.
وصَلتني تذمّراتِها لأمي، فضيّقتُ جِفناي أنعطِف لِلشارِع المُجاوِر أُسرِع من خطاي..
نعلُ الحمامِ هذا لا يُساعد.
_«اِبنتُك أوشَكت على منتصفِ العشرين، ولا زالت تتصرّف كالأطفال!»
دحرجتُ مُقلتاي، أطفال.. هِه
اعتني بابنتكِ أولًا أيتها الكونتيسة!
وفي الشارِع الفارِغ، قرّرت سيارةُ أحمق أن تتسابق مع نفسِها، ولم ينتُج عن ذلِك غير تلويث ملابسي!
_«يا بن العاء.. المرأة السيئة!»
لا يُمكنني حجبُ صوتي.. هذا صعب،
مع وجود والدتي في الخلفية اضطررتُ أن أبتلع ألفاظي التي تشبِه حالتي الآن..
بِنطال جدّي.. أنا آسفة!

_«كوني حذِرة، تأكّدي مِن سيرِك في أماكِن حَيّة.. لا تمضِي اليومَ بمُفردِك، تناولي غداءك مع فاطِمة، حسنًا؟»
صوتُها الحنون هذا يجعلني أرغب في الموت، لماذا أنتِ هكذا يا أُمي؟
أومأتُ كابنةٍ مُطيعة بينما ربّتت بدِفء يدها على ظهري، لكنّني منافقة وحسب، أنا أسوأ ابنة قد يحظى بها أحدهم.
أيّ ذنبٍ اقترفتِه يا كاثرين ليتم ابتلاؤكِ بِي؟
هززتُ رأسِيَ أغادِر، متجنّبةً النظر لوجهِها، قد تجعلني عيناها العطوفتان أبكي.. هذا مزعِج
كان على هذا العام أن يكون الأخير في مرحلتي التعليميّة، لكِنّني ماتيلدا.. أي ذيلُ التعاسة.
وبَعدَ رِحلةِ الموتِ في المواصلاتِ التي تبرّأ العالَم مِن مصر لأجلِها، كُنت أسحب أنفاسي بينما أولِج البوابة.
دون وعيٍ امتصصتُ وجنتي بين أسنانِي
أمضي وأعينهم تلحَقُ بي، لو يأتون أمام وجهي لمزّقت خاصتهم.
إنّها هِيَ
سمِعتُ ما حدَث
كيف يقبلون بِها مجددًا؟ ماذا لو تأذّى أحدهم بسببها؟
ذات الهمهماتِ الخافِتة، ميل أجسادِهم قُرب بعضِها، أفواهُهم تتحرّك بالنميمة، المزيد والمزيد مِن الشائِعات،
هذا تعريفٌ موجِز لِلحياة الجامِعية.
تِلكَ العُقدة الدافِئة مِن المَشاعِر تَنزلِق بِبُطء للأسفَل، لَيتنِي هرِبتُ فحَسب
تبًّا
كتمتُ زفيرًا أتجه نحو المُدرّج، كما توقّعتُ لن يقبَل أحدهم بالجلوس جِواري، وكأنّني موسومةٌ بالعار.. ربّما أكون بالفِعل.
تخطّيتُهم للأعلى، الصف الأخير الذي لن يأبَه لقاتنيه أحدٌ، وبمسافةٍ آمِنة للغاية جلس الآخرون حولي.
لا أدري ما الذي سيُشرَح الآن، أنا حقًا لا أدري
لقد نسيتُ جُل ما درسته في عامَيّ الأوّل، ولا أمتلِك القُدرَة أو الرغبة لفِعل ذلِك، أليسَ الموت أسهل؟
حرّرتُ زفيري العزيز بين ذراعيّ المطويين، والتقَطت أُذنايَ الحمحَمة الهادِئة مِن المنصة.
عِندما رفعتُ رأسِي، كانَ يترُك حقيبته الجِلدية فوق سطحِ المَكتَب، ويُمرّر مقلتاه علينا تمريرةً سُرعانَ ما عادَت للأوراق التي باتت في يدِه.
حركةٌ هادِئة للطلاب بينما يصوّبون اهتمامَهم إليه، فأخذَ يُعرّف عن نفسِه.
_« يُمكِنُكم دعوَتي بالأستاذ مازِن،
سأكون المسؤول عن شرحِ مادةِ القانون لنهايةِ عامِكُم هذا»
ثَرثِر يا عزيزي، ثَرثِر
لن أُكلّف نفسي همّ الاعتدال والإنصات، على أيّ حال، سأرسُب هذا العام مرةً أُخرى.
ليسَ تشاؤمًا، أنا أنويها.
.
.
.
.
_« أريد واحِدة»
_« عشر قروش»
أشرتُ للرجلِ على نوعي المُفضّل مِن حلوى العصا ويدي تعبثُ بمِحفظتي الصغيرة أُخرِج له النقود.
_«أسامة، أقرأتَ الخبر المُتداوَل؟»
جذَب انتباهي صياح الشبان على بعضِهم، لم يكُن باليَ بَأمرِهم، إذ كانت معاناتي مع غُلافِ حلواي وأظافِري المقصوصة!
لن أسمَح لأمّي بقصّها مُجددًا.
وضعتُها بفمّي فمَالت عصاها تُذكّرني بالسجائِر،
رُبّما أفضل ما صُنِعَ في هذا العالَم مصانِع الحلوى.
تتبعت عيناي تِلك الفتاتين تمران مِن جواري وقد التقطتُ المُفاجأةَ في نبرتِها.
_« جريمةُ قتل؟»
_« يقولون هذا، فلنرَ الأمر»
أملتُ رأسي ومقلتاي تتجهان نحوَ كومةٍ الأجساد المتكدّسة عِند بائِع الجرائِد، كيفَ يسمحون بدخولِه لحرمِ الجامِعة؟
رفعتُ حاجِبي أقترِب ببعضِ الفضولِ، لم يسبِق وأن رأيتُهم متحمسون هكذا.. لم يكُن يتحمّس سِوى أطفالِ الصف الأول.
انشقّت المصاصة بين أسناني بينما أُلقِي أذني علّي ألتقِط تفاصيل ما حدَث.
_« هذا مُقزّز لِلغاية»
_« ربما يستحِقّ ما حدَث له»
_« لا أظن أن لِلقَتل مُبرر»
_« لهذا وُجِدَ القِصاص»
توقّفوا عن الحماقة وقصّوا عليّ الخبَر!
_«يا إلهي، من يهتم لآرائكن؟»
غمغمتُ أشقّ طريقي بينهم نحوَ البائِع، وقفتُ جواره ورأسي عِند مِرفقِه.
_« عمّي، أريدُ واحِدة»
أريد واحدة، أريد واحدة.. ألا تجيدين غيرَ هذِه الجُملة؟
صفعتُ نفسي داخليا لكيفَ بدوتُ سخيفة بينما سَحبَها مِن بينِ رُزمةِ الورق العريضة ومدّها إليّ، لم آخذ الكثيرَ مِن الوقتِ وكنتُ في خُلوةٍ بعيدا عن تلك الضجة، أتصفّح عمودَ الحوادِث وحاجبايَ متقارِبان.
لماذا توجد الكثير من المواضيع؟
هذا مزعِج
تأفأفتُ حتى وقَعت مُقلتايَ على الخبر المنشود، فاعتدَلَت وَقفَتي وطويتُ الجريدة أتخطى المُقدمة المُنمّقة عن العدالةِ والنفسِ البشرية الكريهة وإلخ
« صباح يومِ الأحد، شهِدَت حِلوَان مصرَع شابٍّ لم يتخطّ الثلاثين، شابّ أعزَب حجَب صراخَ ألمِه قِطارٌ آثِم، ليسَ كإثمِ الفاعِل والمَجنِي عليه، فبَعد التحقيقاتِ الجِنائيّة تم الكشفُ عَن آثارٍ لمُخدّر الهيروين ومجلّات إباحِيّة مُهَرّبة دونَ عِلمِ الدولة، لكِن المُنكَر لم يكُن هنا.. بل في محتوى تلك المجلّات، إنّي ككاتِبٌ في مجلّة روزاليوسِف أشعر بخِزيّ كبير وأنا أنقُل لكُم هذا الخبر، وأُقسِم بقلمي المُرتجِف مِن وطأةِ الحدَث، أنها كارِثة، كارِثةٌ حقيقيّة ولا يُمكِن السكوت عنها»
التَصَقت المصاصةُ بسطحِ حلقي مِن الترقّب!
أنا أكره الثرثارين،
ادخُل في صلبِ الموضوع أيها الرجل،
ويلاه!
.
.
.
«... وُجِدَ المجنِيّ عليهِ مَقتولًا في شقتّهِ وقد برد دمّه، بأسلوبٍ وحشيّ غيرِ آدميّ البتة، وكأنّ المُجرم الفاعِل كانَ جزّارًا وليسَ بشرِيًّا، إذ لم يكتفِ بتمزيق أحشاء الضحية حتى برأت روحها، بل نسّل بجُثمانِه كفِعل اليهود!...»
سَرَت قشعريرةً على طولِ عمودي والكلماتُ ترتصّ داخِل ذهني كما قرأتها،
تشدّق وجهِي بثغري، أبتسم بشيء مِن الذهول والصدمة، لم يكُن يقتُله لدافِع شخصيّ، أظن؟
أنا تراوِدُني خيالاتٍ كهتِه، ولهذا أتجنّب الاقتراب مِن المَطبَخ، لكِن..
هَل لو امتلكتُ الشخصَ المناسِب مع الوقتِ المِثالِيّ وسكينٍ مسنونة، هل كنتُ لأفعَل المِثل؟
هذا مُرعِب..
لستُ مِثاليّة لأشعرَ باشمئزاز واستنكار، لكِنّ الأمرَ مختلفٌ لدي..
أنا مُعجَب ومذهول!
إنّها التاسِعة مساءً، أضع رأسي علي لوحِ الزجاج بينما تسيرُ بِنا السيّارة نحوَ القاعةِ المنشودة، يدي تعبثُ بحاشِيةِ فستانِي ذي التصميم الرديء وعينايَ شارِدتان في الطريق الراكِض لِلخلف.
هَل.. يُمكِنني فِعل شيء كهذا حقًا؟
القتل؟
أأستطيع؟
بسطتُ كفّي على النافِذة أُلصِق أنفي بِها بينما تثرثِر ميدونا مع والدتي، صوتُها حادّ للغاية، يُزعِج أُذناي.
رُبّما ستكونين أوائِل ضحاياي يا أختيَ العزيزة، ستليكِ ابنتُك.
بسيرتِها، لم تتوقّف عن تجديل ذيل فستاني مع الخاص بِها، يداها صغيرتان لِلغاية.
كيفَ ستكون ملامِحُ لولا لوْ رأَت والدتُها غارِقةً في دمّها يا تُرَى؟ الكثير والكثير مِن القُرمزِي الصاخِب، مع وجهِها الشاحِب سيصنعان لوحةً مأساوِية.. شيء مثيرٌ للشفقة.
أمسكتُ رسغيها أبعدهما عنّي وقد انتبَه عليّ مينا، فالتَقَت نظراتُنا في مِرآةِ السيّارةِ ولمحتُ ابتسامتهُ المتغطرِسة.
_«ماتي، كيفَ كان يومُكِ الجامعيّ يا فتاة؟»
مع مدّ الياء بطريقةٍ غثيثة كان يناديني كلّما راقَ مزاجه، عبستُ أحاوِل إبعاد لولا مجدّدا.
_« كوجهِك»
_« لا بد أنه كانَ فاتِنًا إذن!»
دحرجتُ مُقلتايَ لضحكتِه ولم تمل لولا مِن إزعاجي، إنهما متشابِهان، يمتلكان زُمرةَ الدماء نفسِها.. ثقلُ الدمّ والكفّ!
سأصرُخ..
صدقيني يا لولا، لستُ مِن مُحبّي الأطفال، إلهي!
إنّها الحادِيةُ عشر، قُربَ مُنتصفِ الليل، إذ شعرتُ بالمَلل فجأةً مِن كُل شيء وقرّرتُ الهرَب، لا أعرِف من تِلك العروس حتى، يقولون قريبةَ عائلةِ أمّي.. يقولون.
أزحفُ على يداي كرضيعٍ يتعلّم المَشي، نسيمُ السطحِ يعبث بشعري، يُمكِنّني إدراكه بسهولة، لقد وصلت.
زفيرٌ طويل غادرني بينما أقِف ويداي تنفِضانِ الترابَ عن فستانِي، تحوّل لونَهُ الآن لِلطين.
ارتفَع جانِب ثِغري ساخِرةً بينما أرفع رأسي، هُناك.. وجدتُّ مُلثّمًا بالأسوَد يُشهِر بندقيّهُ نحوَ وجهي.
ماذا الآن؟ عميلٌ فِيدرالِيّ أم جاسوسٌ تابِعٌ لِلموساد؟
تحرّك حلقي أبتلِعُ ما بَقِيَ من ريقي وارتجافُ مفاصِلي مِن الإرهاق جعلني أبدو كقِطّة مُبتلّة.
ماتِي.. أصبَحت عجينة غير مُخمّرة.

صمتٌ كالذي بينَ رُعاةِ البقَر قبل بِدء الحرب، أقِف مكانِي دون حِراك ولم تهتزّ ذراعه المُوَجّهةَ نحوي، أما عن الريح وهِيَ تعوي.. مشهدٌ سنيمائِيّ لِلغاية.
كِدتُ أبتسِم لكنّني قمعتُها، قد يظنني أستهزأ بِه ويقرر ضربَ النار، فِكرة!
اتّسَع ثِغري ببسمةٍ مُعَوّقة تجعلني أكثرُ سخافة، أنا أُحاوَل أن أبدو طبيعية ومرِحة قدرَ الإمكان ليكتمِل المَشهَد بشكل ينالُ رِضاي قبل الجماهِير، لكِنّ قفزاتُ قلبي المرتعِبة لا تتصالَح مع رغباتي.
_« ومن تكونُ أنتَ؟»
نبرةٌ لم تُخجِل قلبي، مرتجفة وتكاد ألا تكونَ مسموعة!
اشتدت قبضتايَ على فستانِي أنتظِر أي إشارةٍ تؤكد لي أنّه ليسَ تمثالًا حجرِيًّا، فلم يُخيّب رجائِيَ، إذ تنهّد يُخفِض سلاحه.
_« يا له مِن سؤال»
سؤالٌ أعمَق مِما تخيّلتُه، لم ألحَظ هذا سوَى الآن!
⭑
⭒
⭑
❦
ضعوا نُجمةً مِن أجلي٧_٧