تمضِي أوقـات على الطَّير، حتَّـى السَّمــاءَ بِوُسـعِها تَضيـقُ عَلَـيه...
بِداخِل الهَيكَل الحديدي، تحت مُسمّى الطائرة SR-161...
- إلى قيادة الظّلال... الغباء الهندسي بين يدي لا يستجيب...
- ...
- إلى قيادة الظّلال... أرسلوا لموقعي طائرة أخرى فورًا...
لَم يَلقَ رد أيضًا هذه المرّة... بعد نصف ساعة كاملة على هذه الحال، التّحكم الداخلي بالطَّائرة تعطّل فجأة، والنّظام الاحتياطي مفصول، يتدارَك الأمر بشتّى السُّبُل، وعلم أنّهم بذاتِهِم وراءَ ما يحصُل، بيده الحُرة أعادَ شعره المُلتصق بجبينه إثر الجُهدِ إلى الوراءِ بِعنف، يلفظ قسمه لآخر رسالة يرسلها عبر اللاسلكي:
- من الظِّل بِذاتِه... إلى حفنَةِ المُنافقين، أُقسِم أنني سأُهلِك هذه القيادة العفِنة.
وأخيرًا وَصَلَ الرّد...
من صَوتٍ ينبِضُ حِقدًا، ويعرفُه جيِّدًا...
يُقهقِهُ بسُخرية لاذِعة:
- لا تنفعل عزيزي سايدراي، فأنا لا أحبِّذ أن تكون آخر مشاعرك غَضَب، ماذا لو كانت حِقد تِجاهِي؟؟ كم هذا رائِع!! اللحظة التي انتظرتُها بفارِغِ الصَّبر، لَحظَة هلاك نقطة قوّة القاعدة، ونقطة ضعفي البائسة، فأنتَ بذاتِكَ استعجلتَ النّهاية بأخذِكَ شيئًا لا يخُصُّك...
وقفَ الصوت هُنيهَةً يُلقي أمرًا خارج المحادثةِ قبل أن يُكمل:
- في نهايتِك يا حبيبَ قلبِي، أحببتُ أن أُصارِحك أنَّكَ كُنتَ عظيمًا، واستحققتَ موتًا كهذا في سَبيلِ وطنك الوَهمي، إلى لقاءٍ في الآخِرة يا صاحِبي، إن كُتب لنا اللِّقاء.
أنهى الحديث تزامُنًا مَعَ رُؤيةِ وهجٍ يأتِي من بعيد، لَم يُتكبَّدَ عناءَ التهكّم بماهيتِه، فقد كانَ سريعًا بإصدارِ حركةٍ قويَّةٍ أدَّت لاهتزازِ الطَّائرة، وما لَبثَت أن اهتزَّت بدويَّةٍ مرَّةً أخرى، نبَّأت لِسقوطٍ عظيمٍ مهشِّمٍ للطائرة، كانَ فطينًا ليتجنَّب بالحركة التي افتعلها صاروخًا كادَ يُصيبُ المحرِّك، لكن لسوءِ حظِّه قَد أصابَ الجناح، الجناح ذاته المكتوب عليه اسم الطائرة...
استعدادًا للنّجاة فَتَحَ بابَ المركبة، وَقبلَ اصطدامها بالأرض بأربع ثوانٍ بالضّبط قَفَزَ منها، لكنَّ الحظَّ لَيسَ ما حالفه هذه المَرَّة، وقد تجلّى ذلك في أمرَين...
أوَّلُهُما وُقوعهُ الذّي أدى لجروحٍ ليست بهيِّنة، وكسرٍ في ساعِدِ يدهِ اليُسرى...
والثّاني مكانَ وقوعِه، وهذا ما أدركَهُ بعدَ حِين...
---------------
الأرضُ تلتَفُّ من حَولي، التفافَ أعاصِيرَ فصلِ خامِس، والأَلَم ينهَشُ جسدي بأكمله، نَهشَ مخالِبَ بَشرٍ لا حيوان، لا أقوى على رفعِ رأسِي حتّى، ورائِحةُ نيرانٍ تَخنُقُ أنفاسِي المُتقطِّعة، لَكنّي تحامَلتُ على نَفسي فَورَ سماعِي لِصياحِ جُنود، تأهَّبتُ للدّفاعِ عن نَفسِي فورًا، لَمحتُ حُطامَ مركبتي تَحومُ حولَها النيران، أَعَدتُ ببصرِي تجاههُم مرّة أُخرى سريعًا، رأَيتُ مُقتربينَ بزيَّهِمُ العسكريَّ، وحالما عَرفتُ أينَ ألقَت بِيَ الدُّنيا...
في حُضنِ أعدائِي، مَن أُحاربُهُم بِما أُوتيتُ مِن علمٍ وقوَّة، لكن الآن الآن صارَت جميعُ الأطرافِ أعدائِي، وليس الوطَنُ من يحتَضنُني...
اقتربوا منِّي يُشهِرُونَ أسلِحتَهُم، من دونِ إطلاقَ، أخذتِ وضعيَّةَ دفاعٍ بمسَدَّسٍ أملِكُهُ بَحوزَتي فَنَطَقَ واحِدٌ منهُم، قَد تبيَّنَ أنَّهِ قائِدٌ لَهُم هُنا:
- مَن أَنتَ، وما هذا الحُطام هُنا؟
انكمَشَت ملامِحِي أتوعَّدُ لَلِسانِهِ بذِكرِ الطّائرة بالحُطام، أَضربُ بِلِسانِي بالمساحِة المُدماةِ في فمي، اتخيَّلِ طُرُقَ تعذيبه حيًّا، حينَ قاطعَ أفكاري الإجراميَّةَ مُعيدًا:
- أَسأُلكَ فتُجيبني، أرُبِطَ لِسانُكَ الآن؟؟
استأنَفتُ سُكوتي أطبُخُ الإجابَةَ في رأسي جيّدًا، وقَبلَ إعادَةَ فتحِهِ لفمٓه، يبتغي تهديدي بإطلاق النّار، فاجأتُهُ بإحكامِ رأسي بين يدي، والضغط على جُفوني أحرِّكُ رأسِي بهستيريَّة، أدَّعي فُقدان الذّاكرةِ بَقولِي الثّاخِن مُكرِّرًا عدّة مرات:
- لا أتذكَّرُ شيئًا... لا أتذكَّرُ شيئًا.
وَكما توقَّعت، عُقدت حواجبُهُم استغرابًا من حالتي المُفتعلة، وفي داخِلي أحقِدُ على السَّبب الذي استدعى مُخاطرتي بكاريزميّتي، وانتهى بِهِمُ الأمرَ يحملوني مَعَهُم إلى قاعدة القصرِ العسكريَّة بعد اتصالاتٍ عدّة، كَونَ طائرتي أسقطتني في منطِقة امنيَّةٍ قُرب القصرِ الملكيِّ لأُزمارا...
أعجبني جدًا... أدعُو الصُّدف للاعتزال.
القَدَرُ يُحتِّمُ عليَّ التّشتّت...
طوالَ طريقي وعقلي مشوَّش، لا استطيعُ التفكيرَ بخطَّةٍ مُحكمة، فأمرُ الشّيء الذي أُخبِّئُه، وأمرُ قيادَةِ الظِّلالِ، وكلام المُجرمُ نازير قُبيل التحطيم، لأوَّلِ مرَّةٍ أشهَدُ على عجزٍ في تكملة القِصَّة، ادَّعيتُ فُقدانَ الذّاكرة مؤقّتًا، حَتَّى لا أفصِحَ عن شيءٍ قُبيلَ علمِي بالوضع، وإدراكِي لِما يَحدُث...
رَفَعتُ رأسِي لسقفِ المركبة بثبات، أعاينهم بأعين حادّة من تحت جُفوني، أتمنى من كلِّ جوارحِي أن يكون الملك مشغولًا بأي شيء، ارزقه اجتماع الآن يا خالقي وابعده عني لحينِ أفكِّر بتدابيرٍ مُحكمة...
أجزِم بأنَّ التَّدابير التي طُرحت على فِكري وَلم تُعجبني، لكانَت نِتاج أيّـام تفكير لِغيري، لكنّي صعبُ المِراس، وأتحسَّسِ من أيِّ ثغرٍ بسيطٍ في الخُطط...
ناظَرتُ الجنديَّ بجانِبي بحقدٍ بليغ، فبُندقيّته على ظهرِي...
تفضَّل تفضَّل عزيزي... فَهُناك شبرٌ في جسمي سليم...
يُخرِجُونَ الرَّجُلَ عن طَوعِه...
---------------
قُربَ القَصر، حَيثُ لا تفصِلُهُم سِوى بٓضع دقائِق، أنهى القائد الذي كانَ يجلٓسُ في الأمامِ مُكالمته، يلتَفِتُ إليهِم في الوراء، يُصرِّح:
- جلالَةَ الملك لديهِ اجتماعٌ مُستعجَلٌ الآن، لَن يستَطيعَ مقابَلَة ممسوخِ الذَّاكرة هذا حاليًّا...
شَدَّ رايَ على قبضتِه، يُحاوِلُ كَبحَ جِماحَ غَضبِه، لكن لسوءِ حظِّ الجالِسِ أمامًا هذه المَرَّة، لَقَد كانَ قَد أفاضَه، فأقبَل ذو الشَّعرِ الدَّاكِنِ عليهِ يَطحنُ حَنَكَهُ بيدِه المكسورةِ غير مُبالِي، يطحن اسنانهُ ببعضِها، وتلقائيًا انفرجت أعيُنُ المُستهدفِ جاحِظةً، مُمسِكًا بيدِه بقوّة تكاد تهشِّم كسرَ الساعد، وباليد الأخرى أشهر بمسدسه تحت ذقنه، تزامنًا مع تصادُمِ فُوّهتانِ لِبُندُقيَّتانِ على رأسِه، تراجَعَ ببُطء بعدما اكتسب غايتَه بإشعارهم يعدم تَساهُله، يَعودُ يتَّكِئُ بظهرِه بعدما استطاع تصليحِ جلسته بلا مضايقةِ البنادق، ولا تزالُ الأعينُ تهدِّد، وَهُو يُشاركُهم بذاتِها قارِحَة، وصامتة...
عاوَدَ تذكُّر أمر الاجتماع العاجِلِ للحاكم، فأَخَد يُحدِّثُ ذاتَه:
- لَم أسمع من قبل أنَّ الدُّعاءَ في جوفِ مركبةٍ عسكريَّةٍ قد يُجاب...
فأكمَلَ مُصحِّحًا كلامًا لا يسمَعُهُ أحدٌ غيرُه...
- أغيِّرُ رأيي، أعجبني أداءُ الحظِّ الآن... إلى الأمام...
---------------
على بابِ القاعة، يَقِفُ بهندامٍ يليقُ بملك، واضِعًا يدًا في جَيبٓه، والأخرى تَتَحسَّسُ لحيتَه، كتعبيرٍعن التّفكير، حتّى أعادَ بنظره للقائِدِ أمامَه، يَأمُرهُ بأخذِ الأسيرِ حاليًّا، ومداواةِ جُروحِه، ووصَّاهُ بعدم استخدامِ أساليبِ عُنف، وسجنِهِ مؤقَّتًا، استغرب الآخر من طلبه بوضعه بالسِّجن المخصَّصِ للقصر، لكنَّهُ سُرعانَ ما أقام التحيَّة مومئًا بطاعة، ثم انصَـرَف...
فالتَفَّ إير يَتَخَطَّى مُستشاره ليصِلَ لمكانٍ تحتَ مرأى ابن عمِّه، فأشارَ لَه بالتَّقَدُّم، ففَعل...
- لَبيـد، لَن تَحضُرَ الاجتماع الآن... أحتاجُكَ لمهمَّةٍ مُستعجلة...
اقتَرَبَ منهُ يَهمِسُ لَهُ بما يَفعَل... وما إِن انتهى حتَّـى أعادَ يستَقيمَ برأسِه، وهُو يَرى ابتـسامـة لَبيـدَ المُتّسعة، يَفرُكُ يديهِ بحماس أطفال، يُعرِب عن فرحته بقوله:
- ياااه، كم كانت المدّة التي فقدت فيها شخصيّات جديدة أدُبُّ فيها فُكاهتي؟
راح إير يدعَك ما بين حاجبيه يمنعُ صَبره من النفاد:
- البارحة إن لم يَخِب ظَنِّي... عندما تركتَنا في أوجِ انشغالنا وذَهَبتَ تَتَناوَش مع بُستانِيِّ الحديقة الخلفيَّة حَولَ نبتة اليام مثلًا؟؟
ردَّ عليه لَبيد بانفعالِ صوتٍ مُنخفض مُحترمًا مكانَة من أمامه وهو يشرح باستخدام يديه:
- أخبرتُهُ أنَّها شجرة، كانَ طُولها يُقارب الثلاثة أمتار، وهُو يصرُّ على أنها ليست شجرة، كانَت حُجتّه الوحيدة أنه دَرَسَ علم النباتات لستّ سنواتٍ مُتتالية، أهذا عُذر برأيِك؟؟ أهذا يعني بأنني مُخطِئ؟؟ اخبرني أخبرني...
أَوقَفَتُه يَدُ الملك التّي حُطَّت على فمه يرَجو مِنهُ السُّكوت:
- اصمُت لَبيد، ارجوكَ اصمُت... أنت من ستُخبرني الآن، أستذهَب للتّحقيقِ مَع الطَّيار أم ستجعلهُ ينتَحِر؟؟
أعادَ وقفتَهُ باعتدال وكأنَّ شيئًا لَم يحدُث:
- في الحقيقة هذا يعتمد على تَفاعُله، سأسحَرُه بمفعولي الفتَّاك، وأجعله يتمنّى ألا أسكُت...
رَجَعَ إير يُسكته ويَضَعُ يَدهُ حائلًا من استمرارِ حديثِه يَقول:
- نعم نعم... حتى أنا الآن لا أتمنى سُكوتَك، فقط أرني عَرضَ أكتافك كي لا أنجرَّ وراءَ السِّحر أيضًا وأحقِّقَ أُمنيتي بتمزيقِ وجهِك...
نَظَرَ لَهُ بِحُزنٍ مُصطنَع، يَمسَحُ دموعًا وهميّة، حتّى أنهى المُحاورة قائِلًا قبل رحيله لتنفيذ المهمّة:
- مَلِكٌ ظالم، كُنت أعرف أنَّك لم تُحبني منذ البداية...
---------------
" لَقَد مَرَّت ثلاثة أسابيع ونصف يا أبي، ولازالَ طيفُك ماضٍ مَعي، وكأنَّكَ ندى وردة من نوعٍ آخر، يأبى رحيقُكَ من الخُرُوجِ مِن ذاكرتي، كُنتُ فراشَةً يا والدِي مَعَك، ورحيلُك قيَّدَنِي بسلاسِلَ مُرَّة، الآن الآن يا والدِي، اكتشفتُ أنَّ وجهَكَ كانَ ما يُلوِّنُ يومِي، وددتُّ لو أعودَ في الزَّمن لحظةً، أودِّعَكَ بِها بطريقَةٍ لائقة، واعتَذِرُ عن أي ساعةٍ أغضبتُك بِها، أَوِ افتعلتُ بِها مُشكلة، وإن كُنتَ تَحُلُّها ورائِي بابتسامَة...
أن أعُدُّ لَكَ الشَّايَ مرَّةً أُخرى، فَتَشرَبُهُ رَغمَ حلاوته الزَّائدة، أن أَعُودَ أُخبرُك بمواقفي، فتنصَحَني بعينِ الحكيم، وتربِّتُ عليَّ بيدِ أب، وتُواسيني بِوقفَةِ سَنَد...
وددتُّ لو فعلنا أشياءَ كثيرة، لكنَّ المنيَّةَ أسرَعَ منّي...
لكنَّ عزائي أنَّ كُلَّ ما خلفتَهُ وراءَكَ خير، وجمعًا يُحبُّك، ويدعوا لك...
للجنَّة يا أبي، عند خالقي يا أبي..."
أغلَقَتِ الدَّفتَرَ تَضَعَهُ على الطَّاولة، حتَّى يتسنَّى لَها مَسحَ دموعها بكلتا اليدين...
اتكأت بظهرها على كَنَبة الشُّرفة، زامَنَ ذلك دُخول مَن تشتكي من زوجها:
- يا لَهِ من مقصِّر، يا لَهُ مُتهاون، لا أعلَم كيفَ سيُربِّي ابنته هذا...
حالما أدركَت رِين من المقصود بقول ماري، وضعت كلتا يديها على ثغرها، وقوَّسَت ظهرها تستضحِكُ بصوتٍ منخفض تُراعي وجودها في مَكانٍ مسموع، فأكملت الحامِل تُبالِغُ في الصَّدمة:
- أوأنتِ أيضًا، هل هذه جينات بين الاخوة؟؟ أأنتُم متفقونَ عليّ؟
خَفَّفَت من ضحكتها تدريجيًا، حتَّى تستطيعَ كبح غضب امرأة أخيها، تربِّتُ على المقعد المجاور كإشارة دعوة للجلوس:
- وماذا فعل بِكِ أَخي المُستهتِر، أخبريني كي نُجازيه؟
لَبَّت ذاتِ البطنِ الكبيرِ دعوتها، تستعدُّ للشّرح بدراميّة:
- هَل تُصدِّقينَ رين، هل تُصدِّقينَ أنَّ أخاكِ خَرَجَ صباحًا مُستعجلًا للاجتماع، بدونِ أن يَدعوا لِي؟؟ واكتفى بتقبيلِ جبيني؟؟ أتقبلينَ منهُ هذا التَّصرفِ بحقِّي؟
أفرَغَت الصّغرى فاهها تُجارِي موقِفَها، وهرموناتِ حملِها:
- اسلُبوا من أخي الحُكم حالًا، إنَّهُ لا يستحقُّه، أيشغَلُهُ اجتماعٌ يحدِّدُ مصيرَ الدَّولةِ بأكملها عن زوجتِه؟؟
- وفوقَ هذا يدَّعي أنَّهُ يحبّني، ما هذا الحُب؟؟ قُولي لي أهكذا الحُب؟
- هو من كانَ يُرهقنا منذ طفولته ليتزوجك في كبره، وهذه معاملته الآن؟؟ أخي بحاجة للتأديب حقًا!!
اعتدلت ماري في جلستها، تغيَّرَ حالُها كالمُنفصمة مَرَّة واحدة، تُمسكُ بيد رِين تحثُّها على الإكمال:
- أحقًّا؟؟ ماذا ماذا كانَ يقولُ أيضًا...
- أجادَّة ماري؟؟ أخبرتك بهذا ستَّة مراتٍ مُنذ زواجِك...
راحتِ الكُبرى تُهندِمُ فُستانَ رِين تتودَّدُ لَها:
- هيَّا رِيني... لا بأسَ بمرَّةٍ أخيرة...
قامت تُقهقِهُ على فِعلِها، تتذَكَّرُ موقِفًا لَم تُخبِرهُ عنها:
- صحيح، أَلم أُخبركِ أنا بقصَّتِه مَعَ خَيطِ فُستانِكِ الأزرَق؟
- قوليها قوليها الآن...
- أتَتذَكَّرينَ حينَما أتيتِ مَعَ والِدَيكِ حِينَما كُسر اصبعه من التّدريب؟
راحَت الحامِل تثبِّتُ بَصَرَها على زاويةٍ في الشُّرفة تُحاولُ التَّذَكُّر:
- على ما اعتقِد كانَ ذلك قبلَ عشرين سنة، كانَ يبلُغُ هو تسعَ سنوات، وأنا خمس، أصحيحٌ رين؟؟
غَمَزتها ذاتِ الأعيُنِ العَسَليَّة المائلة للصَّفار، تُؤكِّدُ لَها:
- لا تستطيعين الخطأ في تواريخِه.
راحت الأُخرى تحمرُّ خجلًا وتُغطِّي على ذلك بحثِّها على الإكمال:
- أكملِي أكملِي رِيني، ماذا حدث وقتَها...
حمحَمَت تبتَدِئ:
- أذكُرُ وقتها أنَّهُ حينَ مُغادرتِكُم أَتَى يَركُضُ لِـي حامِلًا خيطًا أزرَقًا، وحينَ سألتُهُ عن مصدَرِه نَفَخَ صدرَهُ قائلًا "رُحتُ أجلِسُ بجانِبِ مارِي، الذكيَّة ظنّت أنَّني أبتَغي اللَّعِبَ مَعها، أيَّ لُعبَةٍ هذه التّي تجمَعُ وَلَدًا كبيرًا بِفتاة، أعطيتُها حَلوى بطعمِ الفِستُق، وحينَ انشَغَلَت بِها قصَصتُ خيطًا كانَ مُدلَّى من فستانِها"
قاطعتها ماري بصدمة:
- استغلَّني إذًا!!
- بل استغلّني أنا، أتُصدّقين بأنَّ الحلوى التّي أطعمَكِ إيَّاها كانَ قد سَرَقها منّي؟؟
ضَحِكَت على فِعلِ زوجِها فتَسائَلَت:
- وماذا فَعَلَ بالخيط؟
- طَلَبَ منِّي حينَهَا أَن أصنَعَ منهُ خاتِمًا.
- وفعَلتِ؟
أَرجَعت رين شعرَها للوراءِ تدّعي الغُرور:
- فَعَلت، لَكن بعدَ أَن جعلتهُ يُلِحُّ عليّ.
كانَت هذه الجُملة بداية سلسلة ضحكٍ أصابَت الفتيات، رافَقَتها ذِكرَياتٌ كُثُر، وعلى حينِ غُرةٍ وَقَفَت ماري من على الأريكَة تستذكِر، ما جَعَلَ الصَّغيرَةِ تَرفَعُ بَصَرَهَا للتي شكَّلت شيئًا بإصبَعَيها:
- رين، أكانَ الخاتَم بهذا السُّمك؟
وحينَ لاقَت إمائتها استأذنت للذهاب قليلًا، قائلةً أنَّها ستعُود...
وما لبثت قليلًا إلَّا عادَت وبيدها عُلبَةً صغيرة:
- أهذا هو الخاتِم؟؟
تفاجأت رين برؤيتِه، فوسَّعت حدقتيها تُفصح:
- إنَّهُ هُو ماري، أين وجدتِّه؟؟
- كانَ إير يحتفظُ بِهِ في دُرجِه الصّغير، وعندما أسأله عنه يبتسم ولا يُخبرني... آه، لقد آنَ وقتُ كَشفِكَ يا لَعوب...
كلَامها كانَ لطيفًا، وتجلّى أثرُه على رين التي ابتسمت بوسع، وترقرقت عيناها بدموعِ حنيّة:
- أنتِ تتحوّلين لطفلَةٍ صغيرة حينَما يتعلَّق الامر بزوجِك، لوهلة نسيت أنكِ ملكة هذه البِلاد مارِي...
---------------
فُتح بابُ السِّجنِ الكبير مِن قِبَلِ حُرَّاسٍ ضِخام، يُعلِنُ عن دُخولِ متطفِّل على هيئَةِ رجلٍ متوسِّطِ البُنية، قوِيِّها، ببذلَةٍ مَلكيَّةٍ فخمَة، وكأسُ شايٍ بِينَ اصابِعِ يدهِ اليُمنى، وعن طريق الخطأ، كانَ قد وَضَعَ جهاز تنصُّتٍ في جيبِه، بإرادَتِه طبعًا، كي يُلخِّصَ الحديثِ القادِمِ في تقريرٍ عندَ سماعِهِ بعد اللِّقاء...
يمشِي ببُطئ يُخالِفُ حماسَهُ المُتفاقِم، ويعدِّلُ ياقَةَ القميصِ تزامُنًا مع همهماتٍ مستمتعة، يُناظِرُ أرجاءَ السِّجنِ، يَبحَثُ عن المنشود...
وعلى بُعدِ أمتارٍ معدودة، التقطَت أسماعُ ذا الشَّعر الدّاكِنِ خُطوات، لَم يكُن باستطاعته أن يَرى مصدرها خَلفَ البابِ الذهبيّ، لكنَّهُ أدرَكَ ضَرورَةَ إخفاءِ القِطعَة الصَّغيرة بين يديه، فَخبَّأها تحتَ الجبيرةِ المُلتفَّة، وراحَ يُريحُ ظهرهُ على الحائِطِ، جالسًا برصانة...
حتَّى سُمع طرقٌ على بابِه...
تلاهُ فتحٌ بسيطٌ للباب، وظُهورِ رأسٍ مُبتسِمٍ منه، فجعَّدَ الجالِسُ حاجبيهِ من رِيبَة الفِعل، بادَرَ الرأسُ سريعًا:
- مجهول16؟
قابَلَهُ صمتُ الآخر، فازدادَت ابتسامَةُ المتكلِّمِ اتساعًا لسببٍ يجهله، وَلَجَ الغُرفَةَ يرتَشِفُ من الكُوبِ بيدٍ والأُخرى يجرُّ بِها كُرسيًّا، فَجلَسَ قبالتَهُ يَضَعُ قدمًا على الأُخرى مُميلًا رأسَهُ كَمَن ينتَظِرُ شيئًا، وحينما طالَ الصّمتُ بينهما، انتفَضَ غريبُ الفِعل:
- صحيح، كانَ عليَّ أن أعرِّفَ عن نفسِي، أُعذرني قد سهوتُ بوجهك الوسيم.
الأمر متشابِك بالنّسبة للسجين، لكنّهُ يُخفي شَغَفًا للقادم، ويُجاري الموقف.
- رَأسُ القَومِ... لُبَيد، جذَّاب في أواخر العشرينيات، أُحبّ أُمِّي وأعشق الطّعام، وأَسعى لشيءٍ واحِدٍ حاليًا... وهُو معرفتك.
أنهى كَلامه بغمزة واثقة، ولا زال الذي أمامه يفضِّل الصّمت، ويكتفي بذاتِ النَظَراتِ يُضيفُ عليها رفعة حاجِب.
وحينَما لَم يُلاقِ لُبيد أي رَدّ بادَرَ مُستمتعًا:
- وأنتَ؟ ما اسمك؟
- لا أتذكَّر.
عَبَسَ الذي سأل غير راضٍ بالإجابة، فعادَ يسأل وفي داخله نيرانُ الحماسِ تستعِر:
- ما رأيك بلقب المجهول 16؟ أهذا ما يُناسبك؟ انظُر لهذه البُنية تحتاجُ اسمًا أصليًّا يليقُ بِها لا لقبًا باهتًا تُسجَنَ فيه؟
ويعودُ الصَّمتُ يُقابلُه، لكنّه مَصحوبٌ بحركةِ نفيٍ أصدرها مُتظاهِرُ النّسيان.
- دَعنا من هذا إذًا، سَمعتُ أنَّكَ سَقطتَ من طائرةٍ حربيَّة غريبة، ياااه... أتدري أنني أحلُمُ بالطَّيرَان الحربيّ؟ أخبرني أخبرني كيف قُدتَها؟
وأخيرًا قرَّر السَّجينُ إصدارَ صوتٍ يُشكُّلُ بِهِ كلمات:
- ألم تقل أنَّ حُلمَكَ الوحيد هو معرفتي؟ كيفَ أصبحَ الآنَ طَيَران؟
زادَت ابتسامةُ لُبيد اتّساعًا، يَبدوا أنَّ مَن أمامه حَذِر، فراحَ يُلوِّحُ بإصبعِهِ على الجانبين كعلامه نفي، وأعيُنُه ارتَخَت تنغَلِقُ يُمثِّلُ عدم الرِّضا:
- تؤ تؤ، قُلتُ أنَّ معرفتك هُو ما أسعى إليهِ حاليًّا، وَلَيسَ ما أحلُمُ بِه، ما بِكَ يا عزيزي نُريدُ أن نُركِّز.
ارتَفَعَت إحدى زاويتيّ شِفاهِ السَّامِع، وكُلُّ حركةٍ من مَن أمامه تُؤكِّدُ نظريَّتَه.
فَعادَ ذا البِذلَةِ الملكيَّةِ الكُحليَّة الحديث، يَبدو أنَّه سَيُكثِرُ الحديث في هذا اللِّقاء:
- ألا تمتلك هوايات مثلًا؟؟ هذه ليست بصعبة التَّذكُّر.
- اسمع، إن حَلُمتَ أنني ساستَفيضُ بالحديث مع شَخص دَخَلَ للتحقيق وَهُو يَضحك، فأكمِل نومَك.
- لكن على الأقل، إن لَم تَكُن تنوي التذكُّر، تصنَّع الاهتمام.
- أهكذا هي غُرف التحقيقِ لديكُم؟؟ أم أنني وَقعتُ بين يدي الهاوي الوحيد في وِحدَتِكُم؟؟
- أَتَعلَم، هَيئَتُكَ تبدو كشخصيَّةٍ لَهَا مقامُها، خُسرانُك للذاكرة لأمر مُحزن.
- وأنا أشعُرُ بذلك أيضًا.
- حقًّا يا للصُدف!! بماذا تَشعُر حاليًّا؟؟ أخبرني لعلَّنا نتشارَكُ المشاعِر.
دَنا من يُريدُ الإجابة قليلًا للأمام، يُعطي شُعورًا بقوَّةِ ما سَيُقال، لكنَّهُ أجابَ بسُخرية:
- أشعُر بأن مُحاولاتك بلا فائدة لُبيد.
- أوَلُبَيد هكذا؟ أضف لَها شيئًا يا هذا، أنا رجلٌ لِي مكانتي واحترامي.
- لُبيد النَّابِه؟؟
أنزل المعنيُّ راسهُ يُحرِّكهُ بلا حيلة، فَمدَّ المجهول يَدَهُ يُطبطبُ عليه...
الاثنانِ يُمثِّلان، والاثنان يتجاملانِ على مَضض.
لكن ذلك لم يُعجب لُبيد، فسارع بإزالة يده يُذكِّره:
- لا تنسَ من أنت عزيزي لا تنس، ما فارق العمر بيني وبينك، ألا يوجد احترام للعُمُر حتّى؟
- قُلت لَك، لا أتذكر، ولا حتّى عُمري.
اقترب لُبيد بالكُرسي للجالس أمامه، يَهمسُ في أُذُنِهِ تحديدًا:
- كُلُّنا نُصدِّقُكَ يا راي، كُلُّنا نُصدِّقُك..
سَجَع