رَجـفَةُ العَــرشِ|01

رَجـفَةُ العَــرشِ|01

17 0

"سيِّدي إن الحاكِم يَحتَضِر"

هَروَل إِير لِغُرفةِ أبيه، حَيثُ وُجِدَت أُختُه رِين المُحمرَّةُ مِن البُكاء تُتَمتِمُ بأدعِيةِ الرّجاء، زوجَتُهُ مارِي تُكفكِفُ دمعَها بيديها، وبِجانِبها الطَّبيبُ يَقوم باللازِم الطّارِئ، أخذ يُلازِمُ يَدَ أبيهِ ولِسانُهُ لا يكفُّ عن قَولِ كلِماتٍ خِيار، عَيناهُ تترَقَّبُ كُلَّ حَرَكة قَد تَصدُرُ مِن غالِيه، والمَشهَدُ يَحكِي رَجفاتٍ كِثار، حتّى أفصَحَ لسانُهُ عن سُؤالٍ مُوجّهٍ للحكيم:

- هَل مِن نتِيجة؟

صَاغَ كلِمتَهُ وراءَ قلبٍ خفّاقٍ ناسٍ لأي أمرٍ عَدَا والِدهِ، فجاءَهُ الردّ بَعد تنهيدة:

- جَسدُ مَولايَ لا يستَجيب، لكنّي سأُحاوِل حَتّى آخِرِ رمَق.

تزامَنَ قُولُه مَعَ فِرارِ شَهقَةِ بُكاءٍ مِن ثَغرِ الصُّغرى، الوَقتُ يستَنزِفُ أبطَأَ لَحَظاتِه، وكأن ساعَة الغُرفةِ دَبَّ فيها التّشَنُّج، وَالمَحلُولُ في يَدِ المَلِكِ دارانِ بَطيءُ التَّسَرُّب مع هَول المَوقِف، وكأنّما غُلِّقَت أَنابِيبُه، والقُلوبُ تَقرَعُ طُبولَ خَوفِ الفُقدانِ، حَتّى دوّى صوتُ جِهازِ ضَرَباتِ القَلَب، وكادَت قُلوبُ الحاضِرين تُدوّي لَحنَ صَدمتِها الصّاخِبِ أَيضًا، لا شَيءُ يُسمَعُ في الغُرفة سوى الصّفير، لكنّ عُقولَ أبناءِهِ تَقرَعُ ضَجيجًا يُغطِّي عَلَى أي شيءٍ قَد يُسمع، كلَغْوِ الطّبيب غير المفهوم الآن، لقد صرّح، لكن لِمن؟ لا أَحَدَ يَسمَعُكَ حَضرَةَ الطّبيب، عُيونُهم تتَّسعُ بذهول وفَزَع، وأقدامُ إحدا الفتاتَين خانَتها بالوُقوف حتّى كادت تَقع، السُّكوتُ كانَ تَعبيرًا لِرجَّةِ أفئِدَةٍ عظيمة اعتادَت الصَّبر طَوالَ فواجِعِ حياتِهم المَلَكِيّة، لكن هذه لَيسَت كسابِقِها، هذه المَرّة تُوُفِّيَ كَبيرُهُم، الطّبيب عادَ يُكرِّرُ كَلِماتهُ للمَرّة الثانية، وهو يرتَجِف كابِتًا لوعَةَ المأساة التي حَلَّت على بِلادِه:

- سـ.. سيِّدي لَقَد قُمتُ بِكُلِّ اللّازِم، لكنَّ المَرَضَ كُشِفَ مؤخَّرًا وَقد كانَ قد انتشر من ذِي قَبل، آسَـ.. آسَفُ لِفقيدِنا وفَقيدِكُم، وأسأَلُ لَكُمُ الصّبرَ و...

لَم يُكمِل؛ بَعدَ أن رأى أن كلامَه يذهَبُ مَعَ مَهبِّ الرِّيح، صَحى الجَميعُ على نفسِهِ مَعَ إقفال البابِ بقوة، كانت تِلك رِين، فَرَّت لِغُرفَتِها والدّموع تنهَمِرُ كَمَا السَّيل، كأنّها تفرُّ من الحَقيقَةِ لا للبُكاء، فاستَأذَنَ ذا اللِّباسِ الأَبيضِ للرحيلِ حَتى يُحضِرَ الطّاقَمَ فأوقَفَتهُ يَدُ إِير، رَفعَ عينيه لخاصَّةِ أميرِه المُحمرَّة، فقابَلَهُ الثّانِي برَفعَةِ حاجِبٍ وقول:

- لا تُخبِر أحدًا بَعد وَلا تُعمِّم، قوموا بالفُحُوصاتِ اللازِمةِ قبل تكفينِه، حتّى لا يَبقَى أيُّ شكٍّ بَكونِه قَد تُوُفِّي مُسمَّمًا، وانتظرني أنا سألحُق بِك.

- أَمرك مَولاي.

سَمَحَ لَه بالمُرور وأكمَل يُحدِّثُ وِجدانَه "آمُل آلّا يَكُونُ كذلك، وإِلَّا بأنَّني أُقسِم أنني لَن أَدَعَ الفاعِلَ دونَ قِصاص، ولَو كلّفني ذلك خَسارَة الحَرب الدائرة".

رَاحَ يُطبطِبُ على امرأتِه كمُواساةٍ سريعَة، وألقى نظرَةً على الرَّاقِد يُقبِلُ رأسَهُ حتّى التفَّ يُغادِر ويُخرِجها معه.

---------------

بَعدَ سِتِّ ساعاتٍ وأربعينَ دقيقَة

جَالِسَةٌ عَلى السَّرير تُلَملِمُ شَتاتَها، لَقَد تُوُفِّيَ بَطَلُها، أمانُها ومَلجأُ سِرِّها، من عاشَت لَديهِ كُلَّ مشاعِرِها، ها قد مَضَى، وفارَقَت رُوحُهُ جَسَدَه، هِي قويّة، لكنَّ قَلبَها رهِيفٌ فيما يَتَعَلُّقُ بِعائِلَتِهَا، فما بالُكَ بحامِي الدار ذاتِه؟

قَطَعَ أفكارُها طَرقٌ عَلى الباب، فعَرِفت فورًا من وراءُه، جَلَسَت برزانةٍ وسَمَحَت لعزيزِ رُوحها بالدّخول:

- تَفَضَّل سُموِّك.

- شُكرًا لكِ أميرتي رِين. قالَها بِابتسامَةٍ جاهَدَ لإخراجِها لكنّها أُختُه، ولا يُحبِّذُ إشعارَها بغيرِ شيءٍ يطيبُ بِهِ قَلبَها، فأكمَل:

- كَيفَ أمسَيتِ؟

- أحمَدُ الإله. سكتت قَليلًا تُحاوِلُ عَدَمَ البُكاءِ مُجدّدًا لكنّها فَشِلت في ذلك، فتابعت:

- لكنّني لَستُ بخيرٍ أبدًا يا أخي، أبدًا.

قامَ يُعانِقُها فَيُعطيها دفئًا يُغطّي على بُرودَةِ مَشاعِرِها السّيئة، فأعطاها مجالًا لتستأنِف:

- هُو قِطعَةٌ من روحي إِير، ولا أتخيَّلُ أنّي قد أُكمِلُ حياتِي بِلا نُورِ وجهه وَطِيبِ وِصالِه، سَكَت قليلًا يتأكَّدَ مِن فراغِها من الحديث حتّى يبدَأ بالمواساة التي يُقنِعُ ذاتَهُ بِها قَبلَها:

- قلبِي رِين، من كامِلِ حقِّك الشّعور بالحزن والفقدان، وأخوكِ لا يُنقِصُ من حُزنك شيئًا، فهَذا أبونا وَقد تركَ فينا آثارًا يُحالُ أن تُمحى، قد أنارَ لَنا مدارِك عميقة، ولكن إخلاصًا له وسَيرًا على خُطُواتِه يجِب علينا الصّبر والتّحمل، فبالنّهاية هو في مكانٍ يرتاحُ فيه، قَد أتمَّ مُهمتَه، وانتِ لَم تُنهيها بَعد، وما تُقاسيه الآن هو جُزءٌ من مُهمَّتِك، فأحسني التّصرّف أُختي، لا تَبرَحي الحَمدَ تَعبيرًا عن الرّضى بالقضاء، أنت قُدوة لغيرِك أيضًا، هذا وعندما يتمّ الإعلان عن وفاتِه أمامَ الملأ، سَيَرَون أميرتهم بكامِل قُوَّتِها، لأنَّها تُدرك أنّهُ القَدَر وحُكمُ الإله.

فَصَل العِناق يَمسَحُ دَمعَها، ثمَّ وَكزها وكزةً طفيفة يُخبرُها:

- هيَّا رِين، شُدِّي وِثاقَ قَلبِك، فأنا أحتاجُ عَقلِي المُدبِّر الآن.

أومأَت بابتسامةٍ مريرة، تُقدِّر موقِفَ أخاها الذي لَطالَما فَرَّجَ عنها، لِذا ولأنّها رِين، ستَمضِي على خُطى راحِلِها الذي لَم يَكُن قَدِ استسلَم لِحزنٍ قَط.

شَكرَت أخاها لِحديثِه، ثُمَّ ودَّعَها لمحطَّتِهِ التّالية، حَيثُ سَيُهوِّنُ عن امرأتِه وتُهوِّنُ هي عن نفسه أيضًا.

---------------

تَستَفسِرُ زَوجها الجالِسِ أمامَها بقلقٍ حَولَ الذي سيحصُل:

- وماذا سَتفْعَل الآنَ إير، قَد وقعَ الآن على كاهِلِكَ أمرَي الحكمِ والحَربِ معًا، والتفكير بهذا الأمر وحده مُرعب فكيفَ بوقوعِه، إير هذا ليسَ بالبسيط وأنا قلقَةٌ عليك، أنت للتوِّ فقدتَ سَندك وأغلى ما تملِك، أرجوك، هل بإمكانِك تسليمُ أمرِ الحَربِ على الأقلِّ لشخصٍ يخفِّفُ عنكَ حاليًّا؟

مَسَحَ على وجهِهِ يُفكِّر ثُمَّ نهَضَ يحسِمُ قَلقَها بشأنِه:

- لَستُ أنا من تربّى على الانتكاسِ داخِلِ أيِّ حُفرةٍ أَقَعُ فِيها عزيزتي مارِي، أنا رَجل ابن رَجُل، وَلَم أُوضَع فِي مَحلٍّ إلَّا لأنّني قادرٌ على إثباتِ نفسي فيه.

زمّت شفاهها تستسلِمُ لِلأمرِ الواقِع، فهُو إن رأى أمرًا صائٓبًا يظلُّ يَمشِي وراءَه ولا يَدَعُ شيئًا يُعرقِلُه، فأخذت تُربِّتُ على كَتِفِ زوجِها تُردِّد:

- سِر يا مَلِكِي، وأنا واثِقُة بثَباتِ خطواتِك، يَرعاكَ ربّي وأسأَلُ لَكَ السّداد.

قَبَّلَ رأسَها ووصَّاها على الحِفاظِ على جنينِها يُغادِر ممتنًّا لَها على ثباتِها بجانبه طَوالَ مِحنِه.

---------------

القَمَر على وَشك اكتمال، والليلة صافية، لكن ليس بداخِلِ راسِ إير الذي لم ينم طوال الليل، ما جَعَلَ عُيُونَه العسليَّةِ ذابِلَة، فهوَ يُدبِّرُ أُمور فقيدِه، ودَواعِي تَنصِيبِه سَريعًا حتّى يتمكّن من مُواكَبَةِ أُمورِ الحَربِ سَريعة التَّغَيُّرات، دُونَ أن يُمكِّنَ حُزنَهُ من التّأثيرِ عليه، وضَبطِ ردودِ أفعالِ شعبهِ حِينَ إخبارِهِم صَبيحةِ الغدّ، حتَّى أنَهى ما يِمكِنُ إنهاءُه واستسلَمَ لتدابيرِالمدبِّر، يُريحُ رأسَهُ للوراءِ يُرَتِّبُ خِطابَ غَداتِه، بتأهُّبٍ لتنفيذِ خُطَّتِه فَورَ وُصُولِ الخَبَرِ للعَدُوّ.

---------------

أَنستُم الفَصل الأوّل أعزّائي❤️

الانطباع الأول؟

تَسلسُل الأحداث الأولَى؟

هل عِشتُم بأجواءِ السَّرد ولا كان وَصف سَريع بالنّسبة إلكم؟؟

تَوقُّعاتكم لرد فعل الشّعب؟

يا ترى الخُطّة عن إيش؟

بتفضلوا أضيف صُوَر ولّا تتخيّلوا أفضَل؟

قراءَة هانِئـة...

ياربِّ أكرمني بالبلاغ

سَــجَـع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حَـشْـرَجَـةُ أَنــفَاسِ الْحُكـم

المؤلف سَجَع
2025/07/31 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة