الخامِسة فجرًا
تجلِسُ النّبيلَةُ بِثوبِها المُحتَشم على مَكتبِها تُخبِرُ دَفتَرَها بِكُل ما تَشعُر، وتَصُبُّ فيهِ
أحاسِيسَ عِدَّة، لَطالَما كانَت أوراقُ الصّحائِفِ مركَزَ بعثَرَةِ أفكارِها، بئرِ سرِّها،
حقائقُ لم تَقُلها، ومهبِّ ريحٍ تأخُذ شظايا مأساتِها.
في الواقِع هَذا يُعدُّ إحدى الخَبايا وراءَ قوَّتِها، وعزيمتها الراسية.
الأميرة رِين، صاحِبَةُ القلبِ الثّابِت، والنّبرةِ الواثِقة.
وعلى الجانِب المُلازِمِ ببُعد، يجلِسُ ذا وقارٍ يليقُ بمَن خَلَف أباه،
لَم يستطِع النوم ليلة البارحة، فها هُو ذا يترَبَّعُ وراءَ بابِ شُرفتِه، وبيَدِهِ تقاريرُ فُحُوصاتِ أبيه، بعدَ تدقيقِها لسبعَ مرَّاتٍ مُتتالية،
بالُهُ مَشغُولٌ بآخِرِ كلماتِ والدِه، تُكرَّرُ في ذهنِه، ومعَ كُلِّ تكرارٍ يفهمُها بطريقَةٍ شائكَة، يَنتَظِرُ الوقتَ الذي يتَّضِحُ فيهِ المعنى غَيرِ المُكتمِل.
قاطَعَ شُرودَه طَرق الباب، فَسَمَحَ لمُستشارِهِ بالدُّخول:
-صَباحُك سعيد مولاي، أقدِّمُ لَكَ خالِصَ التَّعازِي برحيلِ ملِكِنا، أعلمُ أن الكلمات لا تُجدي، لكنِّي أسألُ لك الثّبات في هذا المُصابِ الجَلل، كانَ والدُك عظيمًا، وأنا واثِقٌ أنك كذلك أيضًا.
-شكرًا لمواساتك سِفار، إن رحيل والدي خسارة لا تُعوّض، لكن عزائي أنه ترك لنا إرثًا من الشرف والعدل، وسأبذل قُصارى نفسي لأكون على قدر ذاك الإرث.
ابتسَمَ الأكبَرُ بعَطف وأَخَذ يقومُ بالتَّحيّةِ لوَريثِ التَّاجِ يُحاكِيه بصوتٍ واثِق:
-هذا الشِّبل من ذاكَ الأَسد.
رَدَّ إير لَهُ تحيَّتَه وأجلَسَهُ وراءَ مكتبِهِ يبدأ اجتماعهُ بشأنِ تَدابيرِ الحربِ المُشتَعلة، ومَعَ كُلِّ إشارَةٍ يَقومُ بِها، يُبهِرُ الذي أمامَهُ بِمَا استطاعَ دارانَ أن يَصنَعَ وراءَه وَيُدرِّب.
---------------
دَوَّى صَوتٌ في البَلدَةِ يُصرِّحُ بِخِطابٍ عاجِلٍ للمَلِك، ما أثارَ استِغرابَ أهالِيها، دَعكَ مِن كُلِّ هذهِ الجُموع، واذهَب بِجوارِ السيَّدة تشايلي وابنها دون
اقتَرِب أكثَر وجاريهِم بَسيرِهم نَحوَ الباحة الرئيسيّة لمدينة لِفاين، حَيثُ تتَّضِحُ الرُّؤية للجُدرانِ الزُّجاجيَّةِ الضّخمة، وأبراجِ المُراقَبَة المُتطوِّرة.
-برأيِكِ أُمِّي، لماذا لَم يُصرِّح المَلِك على الإذاعاتِ التلفِزيونية كَما دومًا؟
-فالحقيقَة يا دون أنَّ هذا غريبٌ بحقِّ، لكن يَبدو أنَّ الأمرَ اليَومَ مُتعلُّقٌ بقرارٍ يستدعِي تفاعُلًا.
-أرجو أن يكونَ لخير.
وما إن وَصلا، حتّى واشَكَ الجمعُ أن يكتمِل، فاتّخذا لهما مقعدَين، وما لبثا حتى تبادَلا النّظرات المَصدومة بصمت فَورَ ظُهُورِ وليِّ العهدِ إير عَلى المَنَصَّة يليهِ المُستشارُ فقط، فتبادَلت الهَمساتُ تتسائَلُ عن سبب عدمِ وجودِ المَلك داران.
وحالما قُطع الهمسُ عندما رَفَع الأميرُ يَدَه، أخَذَ نَفسًا عَميقًا يَشُدُّ بِهِ ظَهرهُ القَويَّ رَفعًا، بادِئًا حديثه بِصوتٍ جهوريّ بادٍ على مكبِّر الصوت:
-شَعبَ أُزمارا العظيم، شَعبِي وشَعبَ عائلتي أَجمع، فِي ظِلِّ الحربِ الجويّة الجارِية، وتَحتَ نِيرانها المُشتعلة...
أعادَ التقاطَ نفسِه يَكبَحُ رجفاتٍ تُخفيها صلابَتِه:
-أزُفُّ إليكُم، بقُلوبٍ تنزِفُ المآسي وتعيشُ أصعَبَ أنواعِ الفِراق، خَبَرَ وفاةِ أساسَ هذه المملكة، وعامودها الثّابت ملكنا آستِر داران جَرَّاءَ داءِ الجُرثومةِ الكتيم...
تريَّثَ قليلًا يَشهَد شَهقاتٍ طِوال، وأصواتَ نحيبٍ تتعالى،
حال الشَّعبِ في ثوانٍ تغيَّرَ حالُه، ملكهم العظيم توفِّي، قائدهم وزعيمهم ورحيمهم لم يعُد موجودًا،
أغمَضَ عينيهِ لوهلةٍ يُعيدَ فتحهَا يُكمِل خِطابه بنبرَةِ جهرٍ تُجعلهم يَخفِضونَ أصواتَ بُكائهم بِغيَةَ سماعِه:
-أفنى كَبيرُنا حياتَهُ فِداءَ كُلِّ حفنَةِ تُرابٍ في أرضنا،
وغَرَسَ في كُلِّ واحِدٍ مِنّا قِيمًا جرّاءَ أعمالِهِ المُتوالية،
مَلِكُنا كانَ جِدَّ مَلِك، وأحقُّ قائِد،
فها أنا هِنا، لَستُ أخلُفُه، بَل امتدادَ يَدِه القويَّة بعونِ خالِقي...
فَيا شَعبنا القَويم، كونوا مُخلصينَ لِمواثيقِ حاكِمِنا،
وتحلُّوا بالصَّبرِ وبالسِّلوان،
وكونوا كَما عهِدَكم دومًا أشُدَّاءَ أقوياء عُظماء...
فالسلام على من رحل واقفًا، والسلام على من سيكمل المسير… ولو زحفًا.
أنَهى خطابَه يُلقي التحيّة الخاصَّةَ بأبيهِ، تارِكًا المنصَّة ووراءه شعبٌ قد تهشّمت دواخله من خبرِ وفاةِ حبيبهم، تاركًا الباكينَ والمصدومين ومن خانتهُ قدماه، كانَت كلماتُهُ تدبُّ فيهم الوفاءَ والرأفة، تشُدُّ زِمامَهُم وتُثيرُ لوعَ القلب في آنٍ واحِد.
---------------
غُرفة القِيادة الجويَّة الخاصَّة
الساعة العاشرة صباحًا
دَولة سُورايكس – غربيّ العاصمة ناكس
ثلاثة وجوه مُترصِّدة، رُؤيتها تَغرِز فالجَسد رعشة طفيفة، تُغطِّي أجسادهم طاولة شبه مستطيلة الشّكل،
مرشومة بأوراق عناوينها تتعلق بالمواقع الأمنية المحظورة لأُزمارا،
قواعد عسكرية، وقلاع حصينة، جميعها أهداف موزّعة على مواقيت محددة تُقصف فيها فتصبح رمادًا...
لكن... هل اقتربتَ قليلًا فتسمَع حَديثهم المُغاير؟
-والنّقطة الأهم، إن علم سايدراي بخيطٍ واحِدٍ من هذه الخُطّة، فلا تترددوا في تفجيره فورًا، حوِّلوهُ لأشلاء، فلا تُمهلوهُ لحظَةً يتذكَّرُ فيها شريط حياتِه.
-أنت تهذي بالطّبع، يا رجل أتُخاطِر بالدّماغِ المدبِّر لهذه القاعدة بأكملها؟!!
-مستعد لأخسر هذه الحرب سَبعَ مرَّات إن كان هذا هو عاقبة موته وبديل قضاءه علينا إن علم بأمر ما ندبِّرُ بِه.
تَدَخَّلَ الطَّرف الثالث يُعقِّب:
-وهل ما تدعونَه بسايدراي هذا مُرعب لهذا الحد؟؟ نازير أأنت مُتأكِّد أنَّك تعرف من أنت؟؟
ردَّ عليه المدعُوّ بنازير مُبتسمًا بُسخرية لاذعة:
-أمامَ عقلِهِ لا أنا ولا أنت قَد نُقارن يا داركس، حتّى أنني أشكّ في إمكانيّة قتله بطريقة عجيبة.
-ويكأنّك تُبالِغ في وصفه؟ على كُلٍّ لن تُرعبني أمثاله، فأنا جئتُ لأمرٍ أشـدَّ خُطورة...
---------------
كُنتُ أقفُ على نافِذةٍ قريبة، أسمَعُ خِطابَ أخِي، لا يَزالُ كلامه الليلة الماضية يتردد في أُذُني، أنا بالكاد كبتُّ دموعي لساعتين، وها هو إير يُديرُ الأُمورَ مُنذُ البارِحة،
صلبٌ ليسَ وكأنَّ من توفّي كان أقرب النّاس إليه،
يُجيدُ التّحكُّمَ في المواقِفِ مُنذُ صغره، في كُلُّ خطوةٍ يخطوها أرى فيها والِدي، ومَعَ كُلّ أمرٍ يُلقي بِهِ أرى الرّزانَة نفسها، وكأن أَبَي أحسَنَ التنشئة،
في الواقِع أنا من أشدِّ مؤيِّدين ما قاله توًّا "فها أنا هِنا، لَستُ أخلُفُه، بَل امتدادَ يَدِه القويَّة بعونِ خالِقي"
إير بارِعٌ باستخدام الكلمات، أغبط امرأته لذلك،
وعلى ذاتِ سيرتها فها هِي ماري تقفُ بجانِبي، بيدٍ تُكفكِفُ دمعَها، والأخرى تحطُّ بِها على بطنِها المُنتفخ،
أرجو أن لا يؤثِّرَ الحُزنُ على جنينِها، رقيقٌ هوَ قَلبُ مارِي، لَيسَ وكأنَّها تُوِّجت ملكة، يملؤها التَّواضُع أينما حلّت، تستحقُّ مكانَتَها وبشدَّة، عانقتُها أخفِّفُ عن كِلَتانا، لكن لأفكارِ ماري رأيٌ آخر...
"تُرى كيف سيحملُ على كاهله كُلَّ هذه المسؤوليّات؟؟، كُن بعونِه يا إلهي"
أنزلت رأسها تُناظِرُ موضِع اليد التي تحُطُّ على بطنها، تَستأنِف قلقها على حبيبها وزوجها إير...
"سِيا... قريبًا ستطُلِّينَ علينا يا عزيزتي، كانَ اسمُكِ اختيار جدَّكِ الرَّاحِل، لعلَّكِ تهوِّنينَ عليه ما تحملهُ الأيامُ من مُر"
وأخيرًا رفَعَت رأسَها للسَّقفِ تُبادِر:
-طِبتَ يا حَمايَ حيًّا وميِّتًا...
حتَّى قاطَعنا ضَجيجٌ بجانِبِنَا، التفتنا بأعيُنَ مُستَغرِبَة فسألتُ أوَّلَ عامِلةٍ رأيتُها:
-هل مِن خَطب هُنا يا سيِّدة لِيا؟؟
-لَقَد جاءَ الأمير لَبيد يا آنستي.
---------------
في ظلِّ طريقِ العودة حيثُ السيّدة تشايلي تسيرُ بمهل وتتكِئ على ولدها، الذي لا يتجرأُ على قطعِ الصَّمت، فحالُ البلَدِ مألوم، حتى أفصَحَت:
-أتعلَمُ يا دُوني؟
ابتسم بمرارة على تجميل اسمِه، فأجابَها بلا تردّد:
-نَعَم يا جنَّة الدُّنيا.
-قَد أصابَ قلبي شرخٌ من وراءِ هذا الخَبر.
-قلوبنا كلُّنا يا أمّي.
-لكن...
سكتت هُنيهة فحثَّها:
-تفضَّلي يا أمّي.
فأضافت الكُبرى بابتسامَةٍ مريرة، تُفصِحُ عن حقيقَةٍ واضِحة:
-يَبدُو أن الملك داران، قد خلَّفَ وراءَهُ جَبَل.
-هَل كانَ يُظهِرُهُ في صِغرِه؟
-كُنَّا نَراهُ أحيانًا بَينَ أكوامِ المِساعداتِ، وعندَ مُسابقاتِ الفروسيّة، كانَ دومًا ما يظهر مع والده في الاجتماعات منذ صِغره، وحادثِة وفاة والدته اخفته عن الأعين لفترة...
-ماذا حدث وقتها أُمِّي؟؟
---------------
فُتحـت لَهُ ابواب قصر عائلته الّذي لم يلجهُ لفترة ليست بالقصيرة، كَانَ يمشِي برزانة تليقُ بِأمير في أُزمارا،
لَكن وجهه يفتقٓد ابتسامتَه المُتسعة دومًا، يُعزِّي من رأى من أفرادِ القَصرِ مُتوجِّها للملكِ الجديد،
أو بالأحرى ابن عمِّه وصديقِه العزيز، فَدار بين الفتاتينِ حِوارًا فَورَ رُؤيتِه، ابتدأتهُ رِين:
-لَبيد، أَوَفَقَدَ حِسَّهُ الفُكاهِي لِحُسنِ الحَظّ؟؟
وَكَزَتها مارِي وَكزةً غَيرَ مُؤلِمَة تُخاطِبها بٓرصانَة:
-مَتى سُتطيقينَهُ رِين؟؟ أولَا تُدركِين بأن عمَّهُ هو المُتوفِّي، من الطّبيعي أَلَّا يأتِي ضاحِكًا.
دَعَكَت الصّغرى مَكانَ الوَكزة تدّعي الألم وتُجعِّد أنفَها كعلامة عدم رِضى:
-لَم أتوقَّع ذلك من شَخص يُلقي النُّكات حتّى في القاعدة العسكريّة.
-هذِهِ شخصيَّتُه، وبالأخير فهو عاقِل.
لَكنّ ما حَدَثَ خِفيَةً بينَ لَبيـد وابن عمِّه، يَستطيعُ أن يُبطِلَ مُعتقداتِهما بشأنِهِ اليوم،
فَما إن طَرَق باب القاعَةِ الكُبرى وَسمِحَ لَه، تَقدَّمَ من جلالَةِ ملكِهِ، ألقى عليه التحيّة العسكرية،
وَراحَ يُعانِقُهُ ويُطبطِبُ على خليلِه، يُتمتِمُ بكلماتِ عزاء، فجاءَهُ ردّ إير بقولِه:
-جِئتَ في وقتِكَ يا لَبيد.
هَزَّ الأخرُ رأسَهُ مومِئًا، فَراحَ يضرِبُ بهدوءِ جُنونِهِ عرضَ الحائِطِ، غَير قادر على إخفاء نُكاتِه، يؤشِّـى على جهة مُنعزلَة في القاعة:
-أَنَا هُنا يا ابن العمَّ، وإن أردتَ البُكاء، فَخُذ زاوية لَك، لا أَحد يرى لا تقلق...
---------------
تَمَّ بحمدِ اللَّه الفصل الثاني
سُبحان الله وبحمدِه، سُبحانَ الله العظيم
الفصل بشكل عام؟
الشخصيات؟
ولي العهد إير؟
الأميرة رين؟
زوجة إير، ماري؟
ركزتوا بجنس جنين ماري؟
لَبيد؟
البَطل الرئيسي لَم يظهَر بعد...
آخر كلمات الملك داران، الكلمات التي شغلت بال إير؟
ما مغزى إير من عدم بثّ خبر الوفاة في القنوات التلفزيونية مباشرة بتوقعكم؟
أخرى؟
إن استعصى عليكم تذكّر الشخصيات بإمكانكم الرجوع للمقدّمة، مكتوبٌ بِها بعضَ شخصيّاتنا....
ياربِّ أكرمني بالبلاغ....
سَـجَـع...
سَجَع