نهاية مأساوية

نهاية مأساوية

32 0

الحقائق لا تدفن..

بل تنتظر صامتة تحت ركام الأكاذيب

حتى يحين وقت إنتقامها

🩶ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ🩶

البداية

🩶ــــــــــــــــــــــــــــــ🩶

جلست ثيودورا خلف مكتب زجاجي أنيق في الطابق السادس من شركة "كارا للهندسة المعمارية"

وعلى الرغم من أنها لم تعرف بعد سبب إختيار نيكار لهذه الشركة بالذات ولا عن علاقته بها لأنها واثقة أنه يملك شركاته الخاصة...إلا أنها لم تسأل وبدأت عملها بهدوء...

كانت لوحة التصميم أمامها كانت مكتملة تصور بناية ضخمة بواجهة أنيقة ونظام أنفاق خفي تحت الأرض...

أصابعها كانت تحرك قلم التصميم بحرفية لكن عقلها كان غارقًا في مكان آخر...في ذاكرة لا ترغب بزيارتها لكنها لم تملك خيارًا...

قبل ستة أشهر كانت معمارية حرّة تعمل على مشروعها الخاص وتحلم بأن تُخلد اسمها ببنايات تزيّن المدينة..قبل أن تُجرّ إلى قلب كابوس شاهدته...

رأته يطلق النار بدمٍ بارد على رجل وسط بناية قامت هي بتصميمها... ثم يلتفت نحوها وكأن حضورها كان متوقَّعًا...

لم يقتلها كما توقعت وكما كان من المفترض أن يفعل....لم يُطلق تهديدًا صريحًا... كل ما فعله هو إجبارها على الاختيار... إما أن تصمت وتعمل معه... أو تختفي للأبد... أي أن يقتلها..

حسنا..الآن لم تعد سجينة أربعة جدران متعفنة...بل تسكن شقة واسعة ذات إطلالة على البحر على بُعد دقائق من منزله...لكن الحُرّاس عند الباب.. الكاميرات.. والعيون التي لا تغمض...كانت تذكيرًا دائمًا لها بأنها ليست حرّة...

نيكار لم يعد يضع السلاح على رأسها.. بل صار يستغل قدراتها بطريقة أنيقة..تصميم منشآت تحت الأرض..أنفاق معقّدة..و غرف مغلقة لا تفتح إلا ببصمة محددة.

كل ذلك لأجل "أعماله القذرة" التي لا تسأل عنها..ولا يريدها أن تسأل..وللحقيقة هي تخاف أن تعرفها بالخطأ فتعود إلى نقطة الصفر معه...محتجزة داخل أربعة جدران.. على الأقل الآن ترى العالم الخارجي وأضواء المدينة...

رفعت عينيها عن التصميم تمسح على عنقها بحركة لا واعية كأنها تبحث عن هواء وعن هامش حرية...ولو بسيط وهي تفكر في وضعها...

قطع شرودها دقّ خفيف على الباب لكن لم ينتظر ردّها...بل فُتح الباب ودخل نيكار بخطوات هادئة ووجه خالٍ من التعبير يرتدي بدلته الرمادية الداكنة.. بدون ربطة عنق يفتح ازراره العلوية بإهمال و في عينيه تلك النظرة المعتادة...نظرة من يعرف أنه يملك كل الأوراق...

رفع نظره إلى التصميم على طاولتها يحدق فيه بتمعن ثم قال بهدوء يشوبه بعض البرود:

"المخطط جاهز آنسة كارسيس؟؟"

رفعت نظرها إليه بخفة تعدل نظاراتها الطبية ثم أجابته بثبات:

"جاهز منذ يومين بالفعل..كنت فقط أراجع التفاصيل.."

همهم بتفهم ثم تقدّم نحو الطاولة و انحنى قليلًا ليطالع الرسم عن قرب...

"أعجبني شكل النفق الفرعي هنا..."

أشار بإصبعه إليه ثم أكمل بهدوء:

"ذكي جدًا أنك أخفيته ضمن نظام التهوية..."

لم ترد... كانت تعرف أن الإطراء ليس هدفه بل مجرد طريقة منه ليُشعرها بأنه راضٍ إلى الآن...

نظر إليها أخيرًا.. نظرة أطول مما تفضّل ثم جلس فوق طاولة مكتبها يزيد من توترها قائلا:

"تبدين متوترة "

ابتسمت ابتسامة جافة ثم ردت ببرود وصوت ثابت:

"هل كنتَ تفضّل أن أكون مرتاحة؟"

رفع نيكار حاجبه كأن ردّها لم يزعجه بتاتا:

"أفضّل أن تكوني فعالة...وهذا ما أنتِ عليه آنسة كارسيس "

تراجعت عن الطاولة تسند نفسها إلى الكرسي بذراعيها قائلة ببرود:

"كم مشروع تحت الأرض تحتاج لتغطي على قذاراتك؟"

ابتسم ببطء كمن يستمتع بالتمرد الصغير الذي يراه منها للمرة الأولى قائلا باستمتاع:

"بقدر ما يلزم...لحماية كل من يعيشون فوق الأرض."

اقترب خطوة منها و صوته أصبح أقل هدوءًا وأكثر حدة قائلا:

"ولا تنسي.. أنتِ هنا لأنك رأيتِ ما لا يجب رؤيته...أنا فقط اخترت ألا أنهي الأمر بالطريقة السهلة.."

نظرت إليه ثيودورا مباشرة بعينين لا تخاف..لكنها لا تنكر القيد أيضًا قائلة بصوت حاولت جعله ثابتا:

"وأنا فقط...اخترت البقاء حيّة."

طال الصمت بينهما ثم استدار نيكار فجأة متجهًا إلى الباب ليقول بجدية:

"سأرسل الملف للمقاول غدًا...أكملي النسخة التنفيذية."

ثم خرج صافقا الباب خلفه ببرود تاركا إياها تنظر إليه بتعب بعد أن تخلت عن قناع البرود الذي تعملت ارتداءه طوال الفترة التي كانت مخطوفة عنده....

جلست مجددًا خلف طاولتها تُحدق في المخطط الممتد أمامها كأنها تراه للمرة الأولى... خطوط مستقيمة.. منحنيات أنيقة...و تنسيقات لونية تُرضي ذوق الأثرياء...

"واجهة مدرسة خاصة للنخبة..."

تمتمت ترفع قلماً وتبدأ تتتبع خطاً رفيعاً بالكاد يظهر:

"ساحة أمامية...بهو رخامي...فصول زجاجية مطلة على حديقة داخلية..."

بدت وكأنها تصف لوحة فنية لكن عينيها لم تكن ترى إلا ما تحتها...

سحبت نسخة من الطبقة السفلية..طبقة لم تُرفق في العرض الرسمي..

"هنا.. النفق..."

أشارت بقلمها على الممر المموّه خلف غرفة الكهرباء..

"بعرض مترين ونصف ممتد من الجهة الشرقية حتى المستودع الخلفي...لا تظهر له أي فتحات واضحة ولا يشتبه أحد بوجوده."

صمتت لوهلة تُحدّق في الممر...

"ربما...ربما هو مجرد ممر للطوارئ.."

ضحكت بسخرية ناعمة ثم تمتمت بينما تنظر إلى الممر بشرود:

"أو ربما...ممر لتهريب شحنات لا أريد حتى أن أعرف محتواها... حسنا ليس ربما... بل بالتأكيد"

رفعت يدها تمسح جبينها المتوتر بينما تظغط زر إغلاق اللوح الإلكروني قائلة بهمس كان واضحا فيه مدى كرهها للموضوع:

"ما يؤلم... أنني أنا من صمّمته... صممته بكفاءة"

🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶

ارتجّت الطائرة قليلًا وهي تخترق سحبًا رمادية في طريقها نحو موسكو.. بينما جلست إيفا في مقعدها قرب النافذة تطالع السماء من خلف الزجاج السميك وكأنها تنتظر منها إجابة...

كانت ترتدي معطفًا طويلًا من الصوف الوردي الفاتح تحته قميص أبيض بياقة عالية وسترة بيضاء أنيقة وسروالًا فاتح اللون يمنحها مظهرًا رسميًا لا يخلو من الرقي....

خصلات شعرها الشقراء كانت مرفوعة في كعكة مرتخية ووجهها الشاحب قليلًا بدا متعبًا رغم زينته الخفيفة... الكحل الأسود المحيط بعينيها الخضراوتين أعطاها ملامح أكثر جدية وربما أكثر حزنًا...

لم تكن من هواة السفر العشوائي... كل شيء في حياتها كان محسوبًا بدقة و مخططًا له... إلى أن فتحت ذلك الصندوق الخشبي الصغير بين أغراض والدتها قبل أيام...

لم يكن يحتوي على شيء ثمين ماديًا.. مجرد صور قديمة.. خطابات مهترئة.. وقائمة مكتوبة بخط يد رتيب لأسماء كانت في البداية بلا معنى...

لكن البحث السريع حوّلها إلى أبواب مغلقة..

أصدقاء والدتها... سبعة أسماء..

سبعة وجوه...وخمس نهايات مأساوية..

كل واحد منهم مات في ظروف مختلفة: حادث.. مرض مفاجئ.. غرق.. حريق...أو هذا ما يبدو... وكلها خلال العشر سنوات الماضية وكأن لعنة ما كانت تطاردهم.. أو شخصًا يطوي الماضي ببطء...

بقي اثنان فقط على قيد الحياة...

رجل في روسيا...لم تستطع معرفة الكثير عنه سوى اسمه الكامل ووظيفته القديمة في مجال الصحافة الاستقصائية....

وامرأة... كانت الأخيرة في قائمتها... كانت بالفعى قد قابلتها صدفة في الحفل الأخير الذي نظمته عائلتي كارا وكريس ولكن لم تتحدثا طويلًا..

فقط جمل قليلة...وشرارة غريبة جعلت إيفا تتبع حدسها...

كانت تنوي زيارتها في الأيام التالية للحفل.. لكنها تأخرت في البحث عنها وعن المواضيع التي تخص أصدقاء والدتها...

و عندما اتصلت على الرقم الذي حصلت عليه قبل يومين أخبروها أنها غادرت البلاد فجأة... إلى روسيا.. دون موعد.. دون تحذير.. ودون أن تأخذ حتى أغراضها كاملة...

كان يمكن لإيفا أن تتوقف هناك...أن تُقنع نفسها أن الفضول لا يبرر رحلة كهذه...

لكن شيئًا في قلبها.. في عقلها..وفي كيانها كان يدفعها للسفر...

حدس.... أو ربما حاجة خفية لأن تفهم من كانت أمها حقًا ومن كان يحيط بها.. ولماذا كانت تبدو خائفة أحيانًا رغم ابتسامتها الدافئة.

"لو لم يكن هناك شيء مهم، لِمَ سافرت تلك المرأة بهذه السرعة؟ولو لم يكن ذلك الرجل في روسيا ذا شأن لما ظل حيًّا وحده حتى الآن.."

أسندت إيفا رأسها إلى النافذة تراقب من خلف الزجاج مشهد الغيوم التي امتدت كأسرّة قطنية في السماء...

كانت غارقة في بحر أفكارها تسترجع خيوط ماضٍ ما زال يُراوغها..وموضوع سفرها المفاجئ..

وكأنّ الأقدار تدفعها نحو هذا البلد البارد.. وكأن شيئًا هناك ينتظر أن يُكشف عنه الغطاء.. ولهذا اختارت السفر فجأة مُعللة رحلتها لأدريان بأنها تتعلّق بأعمالٍ تخص الكارا وشركتهم القابضة وهو لم يعلق.. حسنا لقد شك في البداية لكنه أيضا وافق بسهولة أثارت حيرتها..

"هل أنتِ باربي؟"

جاءها الصوت صغيرًا.. ناعمًا.. كنسمةٍ طرقت عالمها المنعزل...

التفتت ببطء لتجد بجانبها فتاة صغيرة لم تتجاوز السابعة من عمرها بشعرٍ بنيّ مجعّد وعيون واسعة كأنّها تحتضن دهشة الكون كلّه... كانت ترتدي كنزة زرقاء مزينة بالنجوم وتحتضن دمية باربي قديمة الطراز...

رمشت إيفا ببطء قبل أن تبتسم بلطف قائلة بدهسة:

"باربي؟ ولماذا تقولين ذلك؟"

قالت الطفلة وهي تشير إلى شعر إيفا وملابسها:

"شعركِ وردي وأشقر مثلها تمامًا...وملابسك ناعمة وجميلة مثل الأميرات."

ضحكت إيفا ضحكة خافتة ناعمة كأنّها لم تخرج من قلبها منذ زمن ثم همست بمكرٍ لطيف:

"أنا باربي..ولكن في مهمة سرية."

فتحت الطفلة فمها دهشة ثم اقتربت منها قليلاً وهمست:

"هل تبحثين عن كنز؟ أم عن أمير تتزوجينه؟؟ "

إبتسمت إيفا بقوة ثم أجابتها وهي تريح ضهرها على المقعد:

" لا يا حلوتي.. لا أريد أمير يبحث عن أميرته... بل شرير يحرق العالم من أجل صغيرته... ولكن الحقيقة.. لقد وجدني بالفعل قبل أن أفكر فيه حتى... فقط أبحث الأن عن سر...سر قديم نسيه الزمن "

صمتت الطفلة للحظة ثم قالت بصوت خفيض يشوبه الحزن:

"أنا أيضًا أبحث عن ماما...لكنها ماتت."

تجمدت إيفا في مكانها كونها لم تتوقع أبدا أن تكون الفتاة الصغيرة يتيمة..نظرت إليها طويلاً قبل أن تهمس دون أن تشعر:

"وأنا كذلك...فقدت أمي منذ سنوات"

سادت لحظة صمت بينهما كل واحدة منهما شاردة في اللا شيئ قبل أن تمدّ الطفلة يدها الصغيرة وتضعها فوق كف إيفا:

"لكننا قويتان.. أليس كذلك؟ ماما كانت تقول إن البنات القويات لا يخَفن.."

تقلص شيءٌ في صدر إيفا.. شعورٌ قديم لم تلمسه منذ وقتٍ طويل... شدّت على يد الطفلة بلطف وهمست:

"قويتان جدًا صغيرتي"

قالت الفتاة بابتسامة مشرقة:

"اسمي سيلين... وأنتِ؟"

"إيفا."

"اسمك جميل... يشبه الأسماء السحرية"

ضحكت إيفا من القلب هذه المرة كما لو أنّ هذه الطفلة قد أزاحت عنها غبار الحزن للحظة قصيرة إلى أن قطع ضحكتها صوت رجلٍ جاء من الممر..

كان طويل القامة ويبدو في أواخر الثلاثينات من عمره.. يحمل على وجهه ملامح التعب والحنان معًا وشيئ لم تستطع إيفا تفسيره..

"سيلين.. ألم أقل لكِ أن لا تزعجي الركّاب؟"

إختفت ابتسامة ايفا تدريجيا.. لكنها اعتدلت في جلستها قائلة بهدوء لأنها خمنت أنه والد سيلين:

"لا بأس..كانت رفيقة ممتعة."

نظر الرجل إليها بامتنان وقال بهدوء:

"شكرًا لكِ...منذ أن توفّيت والدتها وهي تميل إلى الحديث مع الغرباء أكثر."

هزّت إيفا رأسها بإدراك تراقب كيف حمل الرجل ابنته وهي تلوّح لها من فوق كتفه..

"سعدت بلقائكِ يا إيفا"

قالت سيلين بصوت مرتفع جعل والدها يبتسم بخفوت.. بينما إيفا ابتسمت هي الاخرى ثم التفتت مجددًا إلى النافذة...

اتجه الرجل إلى مقعده ثم وضع سيلين على مقعدها يغطيها ببطانية الطائرة يحذرها أن لا تنهض ثم وقف من مقعده واقترب من ايفا بخطوات رزينة وعيناه تحملان مزيجًا من الاعتذار والفضول ثم قال لإيفا بصوت هادئ:

"أرجو أن تكون سيلين لم تزعجكِ... هي فقط تميل إلى الوجوه الدافئة.."

رفعت إيفا رأسها بهدوء وملامح وجهها ثابتة على عكس ضحكاتها مع الفتاة الصغيرة وقالت:

" كانت ألطف ما في الرحلة حتى الآن."

مرت لحظات صمت بينهما تحت استغراب ايفا كونه حالس بجانبها ولم يعد الى مقعده.. حسنا هي لا تحب مجالسة الغرباء.. في الأخير هي من المافيا والعلاقات الخارجية مع الغرباء قد تؤثر عليها وعليهم.. لذلك كانت تقابل كل حديث معه ببرود وهدوء.. إلى أن مدّ يده نحوها قائلاً:

"آريس فيرون... أعمل في مجال البحوث التاريخية... ووالد تلك الصغيرة الفضولية."

صافحته إيفا بتردد خفيف في نظراتها لكنها أخفت ذلك بابتسامة حاولت جعلها لينة:

"إيفا كارا."

توقّف للحظة كأن الاسم دق جرسًا خافتًا في ذهنه لكنّه لم يُعلّق.. بل قال بهدوء ومغزى:

"روسيا ليست وجهةً شائعة في هذا الوقت من السنة... عمل؟ أم زيارة؟؟ "

أجابت إيفا بنبرة باردة:

"لنقل إنه مزيج بين الإثنين"

أومأ بصمت ثم قال بهدوء ومن العدم تحت تفاجئ إيفا من حديثه:

"البحث قد يقودنا إلى مفاجآت بعضها جميل وبعضها... ضروري"

نظرت إليه إيفا بتمعّن ثم قالت ببرود لاحظه على وجهها:

"هل هذا من تجاربك كباحث أم كأب؟"

صمت للحظة ثم ابتسم ابتسامة بدت لها شاحبة ثم قال بنبرة غريبة:

"كلاهما وربما شيء ثالث...سأتركه للزمن.."

ثم نهض بهدوء وكأنه لا يرغب في إثقال اللحظة قائلا بهدوء بارد هو الآخر:

"سعدت بلقائكِ آنسة كارا.."

راقبته إيفا يعود إلى مقعده يجلس بهدوء يحاول أن لا يصدر صوتا حيث كانت سيلين قد غفت أخيرًا..

إيفا التي كانت تستعد للغوص في أحداث ذاكرتها وجدت نفسها تفكر في اسمه..

"آريس فيرون"

🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶

كان الليل قد طوى جناحيه على المدينة ورائحة القهوة الباردة ما زالت عالقة في الجو تتسلل بخفة إلى زوايا المكتب الهادئ...

جلس أدريان خلف مكتبه ذراعه تتكئ على حافته واليد الأخرى تعبث بلا وعي بقلم لم يكتب به شيئاً منذ ساعات... أمامه أوراق لم تُوقّع.. وصفقات تنتظر موافقته.. لكن كل شيء بدا له باهتاً...بلا معنى.

عقله لم يكن هنا...

بل هناك على ارتفاع آلاف الأقدام في السماء...حيث كانت هي...إيفا...

تنهد بصمت وحدّق في شاشة هاتفه التي لم تضيء منذ وداعها في المطار.. رغم كل شيء...و رغم موافقته قلبه لم يهدأ...

لم يكن مرتاحاً لفكرة سفرها وحدها خاصةً وهي ترفض تماماً وجود الحراس...

يتذكر نظرتها حين قالت له:

"أنا أستطيع القتل يا أدريان..لستُ فتاةً مدللة في الثانوية."

كانت نبرتها شبه حادة..وكأنها تُقسم على شيء أكثر من مجرد استقلال.

ورغم كل محاولاته لثنيها فقد وافق في النهاية لكن على مضض..

نهض من كرسيه بخطوات بطيئة واقترب من النافذة الواسعة حيث أضواء المدينة تلمع كنبضات قلبه القلق...

وضع يديه في جيبه وأخذ نفساً عميقاً يحاول أن يُقنع نفسه أن ما فعله صحيح... أنها قوية... أنها ليست بحاجة إليه ليكون ظلّاً لها في كل خطوة.

لكن الخوف...الخوف كان شيئاً آخر..

لقد أوصى رجاله الموثوقين في روسيا أن يراقبوا وجهتها منذ لحظة وصولها دون أن يعلموا أنها زوحته.. فقط أوامر من العرّاب الأعلى قائلا لهم:

"راقبوها دون تدخل...إلا إذا شعرتُم بالخطر."

ومع ذلك...ماذا لو حدث شيء على متن الطائرة؟

ماذا لو لم تصل أبداً؟

عقله امتلأ بالاحتمالات السوداء وكل خبرة السنين التي قضاها في هذا العالم الملطخ بالدماء لم تشفع له الليلة... لأنه لأول مرة يخشى أن يفقد شيئاً لا يمكنه تعويضه...

عاد إلى مكتبه ثم أخرج من الدرج السفلي صورة صغيرة كانت في اطار من المفترض ان يضعه على سطح مكتبه لكنه لم يفعل... التُقطت لهما في حفل زفافهما.. كانت تبتسم ابتسامة شاحبة... وكانت عيناها صامتة لا تقول شيئا...

تنهد أدريان بينما ينظر الى الصورة بلمعة في عينيه قائلا بهمس:

"فقط لو يلمسك أحد ما.. فصدقيني أنه لن يدفن في روسيا باربي"

رنّ الهاتف على الطاولة أمامه يقطع الصمت الذي بدأ يثقل الهواء...رفع عينيه نحوه ببطء وكأنّه يتوقع خبراً سيئاً خاصة وانه رقم روسي...

ضغط على زر الرد وصوته خرج بارداً... متوتراً:

"تحدث."

"سيدي، وصلت الطائرة بنجاح إلى موسكو.. السيدة خرجت من المطار الآن و كل شيء تحت السيطرة ولم تُلاحظ أي تحركات مريبة.."

"هل يرافقها أحد من رجالنا؟"

"ثلاثة على الأرض.. واحد في الفندق..وبالطبع دون أن تشعر بشيء."

"استمروا بالمراقبة... لا تتدخلوا إلا إن اضطُررتم.."

أنهى ادريان المكالمة يتنهد بعمق لكنه لم يشعر بالراحة...

أغمض عينيه للحظة يضع الهاتف جانبًا، يمرّر يده في شعره بعصبية...حسنا هو من سمح لها بالسفر لكنه يشعر وكأن شيئاً داخله انتُزع من مكانه...

فُتح باب المكتب بهدوء...ولوهلة ظنّ أن أحد رجاله دخل بدون إذن لكن الخطوات الناعمة والعطر الفاخر لم يكونا غريبين عليه..

ريجيندا..

كانت ترتدي ثوباً داكناً أنيقاً شعرها القصير الأسود مرفوع بعناية كما هي عادتها ونظرتها الهادئة تخترق أكثر مما تعبر...

وقفت تنظر إليه لثوانٍ قبل أن تتحدث:

"أنت لست بخير."

"أنا فقط لست معتاداً على أن تكون زوجتي على بُعد قارات."

"لكنك سمحت لها."

- "لأنها أرادت...وبشدة..."

قالها بنبرة مرهقة قليلاً...

اقتربت ريحيندا وجلست على طرف الأريكة تتأمله كما لو كانت تحاول قراءة ما خلف صدره المغلق...

"ديموس كان يقول دائمًا:

'الرجل الحقيقي لا يخاف من العالم... بل من فقدان المرأة التي اختارها قلبه.' "

"وهل خاف علىكِ؟"

ابتسمت بسخرية ناعمة بينما رجلا فوق رجل قائلة ببرود:

- "خاف... لكنه لم يعترف وكنت أعلم أنه يحبني من الطريقة التي يراقبني بها وأنا أضع السكاكين في المطبخ."

ضحك أدريان بخفة لأول مرة منذ ساعات

بينما ريجيندا نهضت ثم اقتربت من طاولته و وضعت يدها على كتفه برفق:

"راقبها... لكن لا تخنقها... إيفا ليست فتاة عادية لكنها أيضًا ليست خالدة.."

"أعلم."

"والآن انهض... أنت لم تأكل شيئًا منذ الأمس."

"ليس الآن."

"ستأكل.. حتى وإن اضطررتُ لاستدعاء ديموس ليأمرك."

ضحك مجددًا لكنه نهض معها متجها إليها يقبل جبهتها بخفة قائلا:

"لدي عمل ما أمي.. فقط ساعة وسأخرج للعشاء.."

أومأت له ريجيندا ثم اتجهت الى الخارج تغلق الباب خلفها بهدوء بينما أدريان جلس في الظلام شبه التام وضوء خافت من المصباح القريب يلامس حافة المكتب... وسكون ثقيل يملأ المكان سوى من صوت أنفاسه التي بدأت تتباطأ كأنها تُنصت لشيء داخله...

مدّ يده إلى أحد الأدراج السفلية.. ذلك الدرج الذي لا يفتحه إلا نادرًا... فتحه ببطء وأخرج منه علبة خشبية صغيرة غُطيت بطبقة رقيقة من الغبار...

فتحها كأنّه يفتح زمناً مضى... كان في داخلها... منديل وردي مطوي بعناية باهت اللون عند زاويته خيط وردي بلون أغمق وعلى طرفه خُيط بحرف يدوي: E

رفع المنديل بهدوء...كأنّه يرفع شبحها من الذاكرة ثم

مرّ بأنامله فوق الخيط بخفة

ذاكرته لم تكن دقيقة...لكنها لم تكن بحاجة لأن تكون كذلك...كل التفاصيل الواضحة اختفت لكن الشعور بقي:

تمشي بكل هدوء على الرصيف المبتلّ كلبها بجانبها بجانبها وعيناها تسبقانها بحذر..

هو كان ينزف من جرح صغير على ذراعه تائهًا بين شرف ماضيه وغضب واقعه حين التقت عيناهما.. لم يكن هناك تهديد...فقط صمت...

"أعلم أننا أعداء"

قالت تلك الكلمات بهدوء وهي تمدّ يدها له بالمنديل..مكملة حديثها ببرود:

"لكنّني أريد السلام... ليوم واحد فقط"

أخذ المنديل منها لكنه لم يشكرها.. ولم تسأله عن جرحه واتجهت مع كلبها تكمل طريقها..ومنذ ذلك اليوم لم يتركه..

ضغط المنديل إلى صدره و تنفّسه ارتبك للحظة كأن الماضي عاد ليجلس على صدره بثقله المعتاد...

"سلام ليوم واحد إيفا؟"

تمتم بصوت خافت ساخر...موجوع

"وأنا وقعت في الحرب كلها.."

أعاد المنديل إلى مكانه و أغلق العلبة.. لكن ذكرى يدها وهي تمتدّ إليه... بقيت مفتوحة

قبل أن يُغلق العلبة الخشبية سمع طرق خفيف على الباب ليدخل أحد رجاله المقربين عندما أذن للطارق بالدخول يحمل صندوقًا أسود أنيقًا..

" سيدي.. هذا وصلك هذا الصباح باسم خاص."

"من؟"

- "لم يُذكر اسم المُرسل... فقط بطاقة"

عقد حاجبيه وأخذ الصندوق ثم أخذ يتفحصه منتظرا حتى خرج الرجل ثم وضعه أمامه وظلّ يحدّق فيه لثوانٍ و قام بفتحه بحذر

كان في داخله... مكعب كبير بسيط الشكل لونه أسود غير لامع... ولوهلة ظنه مجرد قطعة ديكور..حتى لاحظ الشقوق الدقيقة...

مدّ إصبعه وفتح الطبقة الأولى..لتتدحرج أمامه ثلاث مكعبات صغيرة كل واحد بلون مختلف: أحمر.. رمادي وأزرق داكن.

وأسفلها...ورقة صغيرة بخط يدوي يعرفه جيدًا لم تحتوِ إلا جملة واحدة:

"لكي لا تشعر بالملل من دوني"

ظلّ صامتًا لطن قلبه دقّ مرة بقوةثم عاد للهدوء الثقيل... فقط الفرق أنه كان مبتسما بقوة

أعاد المكعبات إلى مكانها أغلق الصندوق... لكن البطاقة بقيت في يديه يتأملها بابتسامة شاردة..

طواها ببطء ثم دسّها في العلبة بجانب المنديل القديم يهمس لنفسه بابتسامة:

"مكعب؟؟ محاولة ساذجة لتهدئة عاصفة قلبي.."

🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶

جلست إيلينا في سيارتها والمحرك مطفأ منذ أكثر من ساعة.. يديها متشابكتان في حجرها كأنها تخشى أن تتحرك.. أن تفلت من نفسها.. من ذلك الفراغ الذي يتسع داخلها كلما تذكرت صوته..

كان الهواء ساكنًا لكنها شعرت بأنفاسها تتسابق...

زجاج السيارة يعكس ملامحها المتعبة... تلك الملامح التي تغيّرت كثيرًا عن تلك الفتاة التي وقفت أمامه يومًا..في الساحة الخارجية لثانويتها و قلبها يرتجف من الخجل والخوف...

"أحبك..جايسون."

قالتها ببساطة و بعفوية مراهِقة ظنّت أن للحب شجاعة تكفي وحدها...

وتذكر تمامًا كيف رمش مرتين ثم ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة وقال بصوته الهادئ:

"إنتِ صغيرة يا إيلينا...وأنا بالفعل أحب فتاة أخرى وأنوي الزواج بها"

وقتها شعرت بشيء ينهار داخلها.. شيء لم تفهمه تمامًا لكنها تعلم أنه لن يُبنى مجددًا بنفس الطريقة...

"لم أكن صغيرة جايسون.. كنت فقط أبسط مما تحتاج"

يا للعجب... لقد أخبرت والدتها أنها ستذهب مع صديقاتها لمعرض كتاب ليلي وأنها ستتأخر...

لكنها هنا.. تراقبه من خلف الزجاج اليوم مثل كل مرة...

يخرج من العيادة نفسها.. بالخطوات نفسها.. وتلك الهالة من الحزن تسبقه دائمًا.. كما لو أن الظل الوحيد الذي لم يتخَلَّ عنه بعد موتها... زوجته...

زوجته التي انتزعته من أحلام إيلينا ثم تركته محطّمًا.. بلا قلب..و بلا أمان..

كم من المرات قالت لنفسها إنها تجاوزت الأمر؟

كم مرة أقنعت قلبها أن ما تشعر به الآن ليس حبًا؟؟ بل شفقة؟ اهتمام؟

لكنها تعود وتقف أمام باب تلك العيادة فقط لترى إن كان ما زال يتنفس...

هي تراقبه.. لا لأنه أصبح حرا.. دون زوجة أو دون حبيبة... فقط لأنها لم تستطع أن تعود..

أغلقت عينيها وضغطت على جبهتها...هل يُعقل أنها وصلت إلى هذا الحد؟؟؟

تأتي في الوقت ذاته من كل أسبوع.. تراقبه يخرج.. ثم ترحل.. دون أن تملك شجاعة أن تقترب...حتى اليوم...

خرج من العيادة.. بنفس الهالة.. ونفس التعب في عينيه...

نظرت إليه يقف للحظة و كأنه يبحث عن شيء...ثم مضى.. لم ينظر نحوها.. ولم يشعر بها...

هو لا يعلم حتى أنها لا تزال هنا.. تحمل ذلك الاعتراف القديم في صدرها كندبة لا تندمل...لكنها هنا بعد كل شيئ

فتحت باب سيارتها بهدوء وخرجت بخطواتها الواثقة ترتدي نظارتها الشمسية رغم أن الجو ملبد بالغيوم ثم اتجهت الى العيادة..

دفعت الباب الزجاجي بهدوء تتجه إلى مكتب الطبيبة كونها تعرفها بالفعل لأنها صديقتها بعد كل شيئ...

طرقت الباب بطرقات خفيفة تنتظر الرد لكن الباب فتح فجأة.. واستقبلتها الطبيبة بابتسامة مفاجئة قائلة:

"إيلينا؟ لم أتوقّع رؤيتك"

إيلينا (بصوتٍ مبحوح):

" كيف حالك ليديا...كنت فقط...أريد أن أعرف إن كان بخير... أعني... جايسون.. هل... يتحسّن؟"

ابتسكت ليديا بتفهم وشفقة كونها تعرف حالة إيلينا..ولكن قبل أن ترد رنّ جرس الباب خلفها..وصوت الخطوات عاد.

التفتت ببطء هي وايلينا لأن الباب فتح بهدوء..وهناك على بعد خطوات وقف هو...

جايسون... كان قد نسي مفاتيح سيارته وعاد يبحث عنها.. لكنه لم يجد المفاتيح.. بل وجد شيئا آخر.. شيئا أثار دهشته بقوة..

كانت إيلينا.

استعت عيناه قليلا وكان الصمت سيد الموقف..لكن جايسون كسره عندما همس بتساؤل:

"إيلينا؟"

🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶

نهاية الفصل

🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶

ــــــــ🩶 فقرة للتسلية🩶ــــــــ

في غرفة مظلمة كانت كارا تمسك هاتفها وتعد التعليقات والنجوم وعيونها غارقة بالدموع

كارا: لمااااااذاااااااااااا 😭😭😭😭

ادريان : ماهذا العويل والنحيب كأنك أرملة يوم الدفن...اللعنة لقد فجرتِ طبلة اذني

تغير وجه كارا 180 درجة في لحظة واحدة هيهيهي ادرياااااااان 😈😈😈

ادريان: ما ما ما هذه النظرة..... ماهذا التعبير.....ماللذي تريدينه....ماللذي تنوين فعله

كارا: عزيزي ادريان ...بطلي ادريان..لا تخف تعال الى ماما

ادريان : مستحيييييل اعرف هذه النظرة...ولاخير يأتي من هذه النظرة

كارا : ان لم تأتي إلى هنا خلال خمس ثوان فستندم..

ادريان : لاااا يعني لاااا

كارا : ايييييه كبر الصبي وتعلم التمر..هل تصدق اني ساقتلك في الفصل القادم واكتب بطلا جديدا مهذبا ويسمع الكلام

ادريان : لن تفعلي فأنا البطل

كارا: هذا صحيح...هذا صحيح انت البطل بطلي الوسيم الذي سيساعدني لزيادة التعليقات

ادريان : اييييه..هذا كل شي...حسنا سأرسل رجالي لتهديهم ليعلقو اكثر..حلت المشكلة

كارا👿😡👿ابعد رجالك المتاعيس عن قرائي الاعزاء والا ساكسر ذراعيك هل تفهم

ادريان : اذن ماذا هل اتوسل اليهم مثلا

كارا : لااااااا طبعا لا 😈

ادريان: تبااااا تلك النظرة مجددا.....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ🩶

احم احم احم.. مرحبا 🥹🌸🩷

كيف حالكم🥹🤏🏻

الفصل التاسع من الرواية🥹🤏🏻

ياااه تطور ملحوظ فالأحداث.. ورغم ذلك لم نصل بعد إلى الأبعاد الحقيقية للقصة فقط تلميحات بسيطة🤚🏻😭

فصل خفيف ظريف🥹🤏🏻

اءءء ايفا وادريان أخذو قلبي في هذا الفصل🥹🤏🏻🩷

رايكم في الفصل؟؟

رايكم في الفقرة الأخيرة للفصل... وضعتها للتسلية فقط..

أشياء من وحي الخيال لأحداث خلف الكواليس مع أبطالي🥹🩷

أتمنى أن يعجبكم الفصل..🍓🌚

لا تنسو التصويت والتعليقات أحبتي🥹🤏🏻

قراءة ممتعة 🩷🌸

وإلى اللقاء في الفصل القادم🫠👋

أستغفر الله وأتوب إليه

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وشم أيلول 9.1

المؤلف Ravina
2025/07/23 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة