رصاصة في اليد

رصاصة في اليد

29 0

في قلب كل فوضى

هناك ترتيب خفي

وفي عمق كل صمت صرخة تنتظر أن تُسمع

🩶ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ🩶

البداية

🩶ـــــــــــــــــــــــــــ🩶

هناك أمسيات تضاء من الخارج وتطفأ من الداخل.. وهذه كانت إحداها..

فندقٌ..ذو كيان رابط بين الرقي والغموض فتح أبوابه الليلة لحضورٍ يُجيد إخفاء نواياه خلف أناقةٍ مُتقنة الصياغة.

لم يكن مجرد مبنى..أو مجرد فندق..

بل كان مسرحًا صامتًا يتقن لعبته بهدوء و يرحّب بالخطوات المتزنة والضحكات المحسوبة كما لو كانت جزءًا من لحنٍ مدروس بدقة..

الأضواء خافتة بما يكفي لتجميل الزيف والموسيقى تنساب كما لو أنها تخشى أن تُزعج الأسرار المختبئة خلف النظرات..

كان كل شيء مُهندَسًا كصفقةٍ طويلة الأمد

الزوايا المُضيئة... نبرات الأحاديث.. حتى رائحة العطر في الهواء... وكأن الفندق نفسه يعرف أن هذه الأمسية ليست احتفالًا بريئًا..

بل واجهة مصقولة لتحالفٍ أعمق مما يبدو..

وقد قُدّمت المناسبة للعالم كما يجب أن تُقدَّم: شراكة اقتصادية بين مجموعة كارا وشركة كريس القابضة.. مشروعٌ يُسوّق كأمل استثماري جديد..

بينما الحقيقة كانت أن ما بدأ كاتفاق هشّ بين عائلتين تفرّقهما سنوات من الدم تحوّل تدريجيًا إلى وثيقة قانونية تحمل توقيع الطرفين وشعارًا موحدًا يُعرض على اللافتات وعلى دعوات الحفل هذه الليلة...

"كارا-كريس"

اسم بدا في ظاهره كأنه ثمرة تحالف ذكي لكنه في العمق لم يكن أكثر من قفاز مخملي يُغطي أيادٍ اعتادت القتل ...

وبالطبع.. لم يكن أحد من الحضور يجهل طبيعة هذه الشراكة.. بل كانو يعلمون جميعهم أنها وُلدت من رحم التوتر..

لكن العالم لا يهتم بالخلفيات فقط يهتم بالواجهة وهذا ما فهمته العائلتان جيدًا..

الشركة الجديدة جاءت كغطاء أنيق لتجميل واقعٍ أكثر تعقيدًا حيث يتقاطع المال مع السلطة..

والتجارة مع السيطرة.. والربح مع الهيبة...

منشآت صناعية.. استثمارات عقارية.. وشراكات تجارية موزعة بعناية.. كلها ترتّب بعناية لتبدو قانونية.. مدنية..و نظيفة..

لكن ما لم يُكتب في العقد هو أن هذه الشراكة لم تكن فقط لتقوية النفوذ....بل لضبط التوازن.

في السنوات الماضية كان كل طرف يحاول الانفراد بالساحة... لكن الطموحات بدأت تتصادم والخسائر مهما كانت صغيرة أصبحت مُكلفة أكثر مما يجب...

لهذا لم تعد المصالحة خيارًا عاطفيًا أو حلاً سلميًا..بل ضرورة استراتيجية..

وقد كانت الشركة هي الدليل الرسمي على هذا الاتفاق:

ورقة تُرفع في وجه الإعلام والمستثمرين لتقول "نحن شركاء"... في حين يظل كل طرف ممسكًا بخيوطه الخاصة خلف الستار...

كانت القاعة واسعة وهادئة يملؤها ضوء دافئ يتسلّل من الثريات المعلقة في السقف..بينما الطاولات موزعة بشكل متناسق و كل واحدة تحمل مزهرية صغيرة وزهورًا بيضاء مرتبة بعناية.

كانت تعزف الموسيقى في الخلفية بهدوء.. نغمات خفيفة تكاد لا تُلاحظ لكنها تضيف لمسة مريحة للأجواء...

النادلون يتنقلون بهدوء بين الحضور يقدمون المشروبات والمقبلات دون ضجة والضيوف يتحدثون بصوت منخفض وابتسامات خفيفة ترتسم على الوجوه..

لا شيء كان مبهرج.. فقط هدوء مرتب ونظام واضح و كل شيء يسير بوتيرة واحدة.. بلا استعجال..بلا صخب...

كانت إيفا تتعلق بذراع أدريان بهدوء ترتدي فستانًا ورديًا بلونٍ ناعم.. قصّته بسيطة بقماش خفيف ينسدل برقة على جسدها وتنورة الفستان تتحرك بخفة مع خطواتها...

كانت ملامحها هادئة لكنها تحمل شيئًا من الثقة الهادئة التي لا تحتاج إلى كثير من التظاهر...

شعرها كان منسدلًا على كتفيها.. ناعمًا كعادته.. لكن ما جذب الانتباه تلك الخصلات الأمامية التي صبغتها باللون الوردي مجددا كما اعتادت في السابق لتضيف لمسة من التمرد لوجهها الجميل

لم تكن بحاجة إلى كثير من الزينة لتبدو لافتة حضورها وحده كان كافيًا ليجعل العيون تتوقف للحظة.. قبل أن تعود إلى هدوئها المعتادة.

كانت عائلة كارا وعائلة كريس قد وصلوا قبل فترة...

و بالفعل توزّع أفراد العائلتين على الطاولات الأقرب إلى المنصة يجلسون بهدوء.. يتبادلون الأحاديث القصيرة ونظرات لا تخلو من الحذر...

وجوه مألوفة تتبادل التحية لكنها لا تخفي طبقات من الماضي العالق بين النظرات.

كان ديموس والد أدريان يتحدث بصوت منخفض مع أحد رجال عائلة كارا بينما جلست ريجيندا زوجته تتابع القاعة بنظرة متفحصة يدها تمسك بفنجان قهوة لا يبرد أبدًا من كثرة انشغالها عنه...

كان واضحًا أن الجميع يحاول الحفاظ على هدوء الصورة وأن يبدو كل شيء طبيعيًا والحفل يسير بشكل سلس.. رغم أن السلاسة نفسها هي المثيرة للشك في وجود العائلتين...

ومع دخول أدريان وإيفا التفتت بعض الرؤوس بهدوء دون مبالغة.. مجرد لحظات صامتة.. نظرات عابرة.. لكنها كانت كافية لتؤكّد أن حضورهما لم يكن عاديًا..

بعد تحية خفيفة وبضع كلمات مجاملة تبادلوها مع أفراد العائلة تابع أدريان وإيفا سيرهما بهدوء نحو الطاولة التي جلس عندها داميان وجايسون.

كان داميان يميل بجسده إلى الخلف يراقب الأجواء بعين نصف ساخرة كعادته بينما جلس جايسون إلى جواره متكئًا على الكرسي بإحدى يديه ونظراته تتنقل بين الوجوه دون اهتمام واضح...

رفع داميان حاجبيه بابتسامة خفيفة ما إن اقتربا ثم قال بنبرة منخفضة:

"أخيرًا قرر العريس والعروس الوصول.."

ابتسم أدريان بخفّة دون أن يعلّق بينما جلست إيفا بهدوء إلى جانبه ترتّب تنورتها بخفة قبل أن ترفع عينيها إلى جايسون الذي اكتفى بهزة رأس قصيرة كتحية وابتسامة صغيرة بالكاد تُلاحظ...

كانت الطاولة بعيدة قليلًا عن مركز القاعة وهذا ما منحهم نوعًا من العزلة الخفيفة وسط كل الأحاديث الرسمية والنظرات المتبادلة...

جلس أدريان بجانب داميان.. بينما جلست إيفا إلى جوار جايسون.. وبين الأربعة خيّم صمت مريح

ذلك النوع من الصمت الذي لا يحتاج إلى تفسير ولا يُثقل الجو بل يمنح لكل شيء توازنًا هادئًا...

وبرغم مرور الأسابيع لم يكن جايسون قد تجاوز بعد ما حدث... لا أحد يذكر الأمر بصوتٍ عالٍ لكن ملامحه كانت تقول ما يكفي.... خلف ابتسامته الصغيرة كانت هناك مسحة حزن لا تزول.. وكأن ظلّ أليكسـا لا يزال يرافقه في التفاصيل الصغيرة...

عندما يضحك أحدهم يبتسم مجاملة... لكن عينيه تبقى ثابتة... وحين يتحدث الآخرون يشاركهم الحديث... لكن صوته لا يحمل الحماسة القديمة..

إيفا التفتت نحوه للحظة ثم أعادت النظر أمامها لأنها شعرت بذلك الثقل الذي لا يُقال...

لم يكن جايسون ضعيفًا.. لكنه كان متعبًا من الداخل.. مرهقًا من ذكرى لم تغادره حتى وإن تظاهر بالعكس...

كان وجوده على هذه الطاولة وسط الأضواء والموسيقى نوعًا من المجاملة لا أكثر... فالحزن لا يرحل بسهولة خاصة إن حمل معه قلبًا أحب بصدق..

أدار أدريان رأسه قليلاً نحو جايسون يراقبه بصمت للحظة ثم سأله بنبرة منخفضة دون أن يلفت انتباه الآخرين:

"هل أنت بخير؟"

لم يكن في سؤاله ضغط فقط تلك الطريقة الهادئة التي يعرف بها أدريان كيف يسأل دون أن يحرج...

بينما جايسون لم ينظر إليه مباشرة...بل اكتفى بتثبيت نظره على الكأس الزجاجي بين يديه ثم قال بصوت هادئ أقرب إلى الهمس:

"حضرت الحفلة وهذا كافٍ.. أليس كذلك؟"

ابتسم أدريان بخفة لكنه لم يرد... كان يعرف جيدًا أن جايسون لا يحتاج إلى كلمات كثيرة الآن فقط مساحة هادئة ووجود من لا يُكثر السؤال...

عاد الصمت بينهما لكنه لم يكن صمتًا ثقيلًا فقط نوع من التفاهم الصامت الذي لا يحتاج إلى تفسيرات طويلة..

كسر داميان الصمت وهو يميل بكتفه نحو أدريان ويهمس بنبرة متسلية:

"تأخرت عن الحفلة يا ابن العم... دعني أخمّن..؟بسبب زوجتك الجميلة؟"

رفع أدريان حاجبًا ثم رد بنبرة هادئة دون أن ينظر إليه:

"صبرك يا ابن العم.. سيحين دورك وستصبح مثلي تمامًا"

صمت قليلا ثم أضاف بابتسامة جانبية ولمعة مكر زينت عينيه:

"وستتأخر أكثر.."

ضحك داميان وهو يهز رأسه وقال ساخرًا:

"أنا؟ أتزوج؟ لا بأس.. لكن تأكد.. حتى إن جنّ جنوني وفعلتها فلن تكون من عائلة كارا.."

تدخلت إيفا بابتسامة خفيفة دون أن تلتفت نحوهما:

"لا تقلق.. نحن لا نرشّح لك أحدًا."

تجاهلها داميان ثم أكمل بنبرة مصطنعة وكأنه يروي مأساة:

"تخيّل فقط.. أفتح عيني صباحًا على امرأة من عائلة كارا توبخني على طريقة جلوسي أو ترمقني بنظرة عميقة تقول (أنت تشبه والدك كثيرًا).. لا.. شكرًا... "

ضحك أدريان وهو ينظر إلى الكأس أمامه قائلا:

"ستتذكر كلماتي داميان.. سيأتي يوم وستقع في الحب وسترمي كل مبادئك خلف ظهرك."

"أوه بالتأكيد لكن يومها تأكّد أني أتعرض للابتزاز أو هناك مسدس موجه إلى رأسي."

ارتفعت ضحكة خفيفة من جايسون أخيرًا كأن المشهد قد خفف عنه شيئًا من الثقل بينما تابعت إيفا الحديث بنبرة هادئة:

"أحيانًا القدر لا يستأذن.. فقط يختار نيابة عنا."

رد داميان سريعًا.. مشيرًا بيده وكأنه يعترض على حكمتها المفاجئة:

"ولهذا السبب أنا لا أفتح الباب للقدر أبدًا أتركه يطرق كما يشاء.. لن أجيبه."

ضحك الجميع بخفة وعاد الجو لطبيعته إلى أن رنّ هاتف داميان فوق الطاولة يهتز بخفة قبل أن تضيء الشاشة..

ألقى نظرة سريعة عليه وفجأة ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة غير مألوفة عليه...لكنه لم يقل شيئًا سوى:

"سأرد على هذه الرسالة...مسألة عاجلة.. دقيقة فقط"

ثم نهض من مكانه مسرعا وأخذ هاتفه معه متجهًا نحو ركنٍ جانبي من القاعة بينما أدريان تابعه بنظرة جانبية ساخرًا في صمت بعد أن وقعت عيناه على فتاة في الجهة الأخرى ترتدي فستانًا أحمر.. كانت تجلس وحدها وتكتب على هاتفها بانتباه وابتسامة وكأنها تضع قلبها في كل حرف...

رفع حاجبه بخفة و لم يعلّق فقط ابتسم لنفسه..

لاحظت إيفا تلك ابتسامته فأمالت رأسها قليلاً وسألته بنبرة مستغربة:

"ما الذي يضحكك أدريان؟"

هزّ كتفيه بخفة دون أن يشرح ثم تمتم ساخرًا لنفسه وهو يرفع الكأس:

"هل كان يقول قبل دقائق إنه لن يتزوج بفتاة من عائلة كارا؟؟ "

🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶

جلست فيوري على الكرسي أمام طاولة الزينة الخاصة بها تُعدل خصلات غرتها السوداء وتُحكم تثبيت سماعتها في أذنها.. فهي على صدد الذهاب إلى لقاء مهم مع واحد من أهم عملاء المافيا لديهم مع سيدها ماركوس..

أنهت تظفير شعرها القصير ونهضت مستعدة للخروج إلى مكان اللقاء..لكن لفت انتباهها انعكاس قلادتها على المرآة..

وضعت يدها على قلادتها التي تحمل شكل كرزة صغيرة باللون الأخضر تتحسسها.. كانت كرزاتها الصغيرة من حجر الزمرد الأخضر.. لم تكن شيئا ملفتا للأنظار أو ذا سعر غالي.. لكنها كانت مهمة جدا.. بالنسبة إليها على الأقل...

ابتسمت بخفة وهي تتذكر كلام أمها لها قبل سنتين عندما أهدتها هذه القلادة..

"ان كنتِ تريدين الزواج فارتدي هذه القلادة فيوري"

كانت امها بلجيكية من أم عربية - عراقية تحديدا وقد عرفت عن هذا التقليد من امها - أي من جدة فيوري -

كان شيئا تافها ربما تقليدا غبيا..خرافة ما ذُكرت في إحدى القصص لكن ما ظن الجميع أنه خرافة كان مهما جدا للبعض ولفيوري خاصة..

بالنسبة لها كان الزواج شيئا مقدسا جدا تتمناه منذ نعومة أظافرهاوككل فتاة تملك مواصفات لفارس أحلامها كانت هي كذلك تملك أحلامها الخاصة..

تمت خطبتها عدة مرات مذ كانت في السادسة عشرة من عمرها حتى عمر الثامنة عشرة لكن أحدا منهم لم يكن كما تريد، ولم يكن منهم من يناسبها..

حتى أجشهت بالبكاء يوما وهي تتكلم مع أمها عن الموضوع، كانت فيوري حساسة جدا قبل دخولها عالم المافيا والإجرام.. وكانت تأمل بالزواج بسرعة وتكوين عائلتها الصغيرة لتعيش معهم حب العائلة الذي حُرمت منه بسبب طلاق والديها قبل أن تولد هي حتى!

أعطتها أمها هذه القلادة وأخبرتها عن الحكاية التي توارثتها من أجيال قبلها وكيف أن من ترتدي حجر الزمرد ستتزوج قريبا...

لم تصدق فيوري تلك الخرافة في البداية لكنها كانت يائسة جدا لذلك لم تمانع ارتدائها..

"امي.."

"همم؟"

"لقد مرت نصف سنة مذ ارتديت هذه القلادة لكنني لم اقابل نصيبي حتى الآن..."

ابتسمت والدتها بهدوء وهي تداعب فراء القطة الأبيض على حضنها..

"لا تستعجلي على قسمتكِ عزيزتي وآمني بالذي تفعلينه.. لا تفكري في القلادة على أنها أداة سحرية ستجلب لك زوجك برمشة عين.. بل اعتبريها كتذكار مني حتى تقابلي نصيبك"

تلاشت الذكرى الخفية من أمام عينيّ فيوري وهي ما تزال تُطالع انعكاسها في المرآة واستُبدلت الذكرى بخيال ماركوس امامها....

احمرّت وجنتاها عندما أدركت انها بدأت تفكر بماركوس كثيرا هذه الأيام وغالبا هي تفكر به أكثر من مجرد كونه رئيسها..

بقدر ما يُخيفها الأمر بقدر ما يُعجبها كذلك بقدر ما يُثير استغرابها.. فماركوس أشقر الشعر.. حليبي البشرة.. زيتوني العينين.. وبالتأكيد لا يطابق فتى أحلامها الذي كانت تحلم فيه منذ طفولتها..

فهي دوما ما كانت تميل إلى الرجال السُمر أصحاب الشعر الداكن والعيون الغامقة..و كان ماركوس عكس كل هذا وبعيدا كل البعد عما كانت تتخيله

لكنها مع ذلك وجدت تسارع نبضاتها الغريب عندما تكون بجواره محببا لكنه بطريقة ما.... خاطئ..؟

ففؤاد ماركوس قد سُرق بالفعل... هو لديه من يحبها وهي تعلم ذلك مذ قابلته... لكنها لا تستطيع التحكم بشعور الانجذاب الذي تشعر به ناحيته..

"لا!"

صرخت فيوري مذعورة وهي تنفض رأسها من تلك الأفكار الغريبة..

أي إعجاب وأي زواج؟ ماركوس يكون رئيسها! كما أنه رئيسها في منظمة مافيا إجرامية! هل فقدت عقلها؟ هذا مستحيل.. لا بل ومن سابع المستحيلات.. بالإضافة إلى كونه يحب إيفا بالفعل!

ضربت وجنتيها بكفيها بخفة لتشتت الأفكار المبعثرة من رأسها ثم أخفت قلادتها تحت قميصها الأسود ذا الرقبة..

أخذت نفساً عميقاً..ثم أمسكت بجهازها اللوحي وخرجت من الغرفة أخيراً تتجه إلى ماركوس... سيدها... للحاق بموعد إتمام الصفقة

عليها التركيز الآن فالعمل يأتي أولاً دائماً...

كانت تمشي في أروقة القصر حتى تصل إلى غرفة مكتب ماركوس حين وردها اتصال هاتفي.. توقفت عن السير وأخرجت هاتفها من جيب بنطالها الأسود العريض ولم يكن سواه المتصل... ماركوس

فتحت الخط ووضعت الهاتف على أذنها وأكملت السير

"نعم سيدي؟"

"تعالي إلى مكتبي فيوري.. علينا مناقشة أعمال الغد"

ابتسمت فيوري بخفة.. إذ قبل أن ينهي جملته كانت هي قد فتحت باب مكتبه ودخلته بالفعل

"كما تريد سيدي"

قالت وقد أغلقت هاتفها وأعادت وضعه في جيبها الخلفي

ابتسم ماركوس بسخرية وهو يعيد ظهره ليستند على ظهر الكرسي

"دائما في الموعد.. هاه فيوري؟"

اتسعت ابتسامة فيوري الخفيفة إنشاً واحداً فقط كانت دائما ما تتصرف بهدوء أمامه عكس العواصف التي تُهلِكُ دواخلها...

"على الأقل أنا لا أُلقي بأعمالي على غيري رغم كثرة وقت فراغي"

ردت بسخرية خفية لم تفته.. كانت الديناميكية بينهما غريبة جداً.. فرغم أنه يكون سيدها ومدير عملها.. إلا أنه لم يكن يمانع تماشيها معه بالسخرية..

من يراهما بهذا الشكل سيظن أنهما كانا رفيقين في الجيش معاً....لا رئيس ومرؤوسته..

"واه.. ضربة موفقة عزيزتي لكنني أحب إخباركِ أنه لو كان لدي وقت فراغ كما تزعمين لكنت ذهبت إلى حفلة ذلك المغرور"

ابتدأ جملته بسخرية هو الآخر لكنه أنهاها بجدية رغماً عنه فسيرة أدريان دائماً ما توتر الجو..

نظرت إليه فيوري للحظة تتأمل ملامحه المنقبضة عند ذِكر أمر الحفلة المشتركة بين عائلتي كريس وكارا ليعود إليها وجهها الجدي هي الأخرى..

"صحيح.. لما لم تذهب؟ كان من الضروري إظهار وجهك للإعلام في مثل هذه المناسبة"

قالت بهدوء ولكن جدية رغم أنها لم تكن تفضل ذهابه إلى هناك هي الأخرى.. فإيفا حتماً ستكون متواجدة في الحفلة التي أقامتها عائلتها وعائلة كريس لشركتهم القانونية الجديدة التي يريدون بها تغطية أعمالهم القذرة من أعمال المافيا والإجرام.. والتي هي بنفس الوقت شركة لتعزيز الصُلح بين العائلتين في الخفاء..

"وهل تريدين مني مقابلة وجه ذلك المغرور صاحب الرأس الكبير لثلاث ساعات كاملة؟ هل جننت؟"

رد محاولاً قدر استطاعته أن يُصاحب كلماته بسخريته المعتادة.. لكنه فشل فشلاً ذريعاً.. فقد كان جدياً حد اللعنة.. هو يقصد كل كلمة قالها..

من المستحيل عليه أن يقابل أدريان من غير أن تحصل مجزرة ما..والمجزرة حالياً ليست الخيار الأفضل لكلا الطرفين..

ضيقت فيوري عينيها قليلاً وهي تنظر إليه بشك

"لكن إيفا ستكون متواجدة"

قالت جملتها تلك وفي داخلها نيران مشتعلة لا تعرف كيف تطفؤها فرغم علمها بمدى حب ماركوس لإيفا وأن شعورها الخفي بالإعجاب نحوه لا طائل منه إلا أنها لا تستطيع فعل شيءٍ سوى الشعور بغيرة حارقة غير محبذة...

حاولت دفن مشاعرها في أعماقها ككل مرة لكنها لم تستطع منع نفسها من السؤال...

نظر ماركوس إليها مطولا قبل أن يجيب بهدوء

"وإذاً؟"

عقدت فيوري حواجبها باستغراب

"ماذا تعني بـ 'وإذاً؟' أنت تعرف جيداً ما أقصد... سيدي..."

تنهد ماركوس وهو يريح رأسه على ظهر الكرسي ويغمض عينيه ويدلك جبينه بتعب

"وإذاً تعني وإذاً فيوري... أغلقي الموضوع"

نظرت فيوري إلى شكله الذي أصبح متعباً فجأة لعدة ثوانٍ قبل أن تفتح جهازها اللوحي وتبدأ بإخباره عن مهام الغد.. وفتح هو عينيه يستمع إليها بانتباه

"لدينا اجتماع مع عائلة سميث في تمام الساعة التاسعة صباحاً. أتمنى أن تستيقظ باكراً فأنت تعلم مدى كرههم للتأخير وهذا الاجتماع ما سيحدد مصير باقي اللقائات.. كما أنه يتوجب علينا زيارة المستودع بعد الاجتماع.. فقد حدث خلل ما بالسلعة ووجب علينا تفاديه قبل أن تقع علينا مهمة دفع الضرر..لديك موعد غداء عند الساعة الثالثة مع...."

توقفت فيوري قليلاً وهي ترى الصورة على الشاشة أمامها.. استغرب ماركوس سكوتها

"هل هناك خطبٌ ما فيوري؟"

لم تجبه لعدة ثوانٍ أخرى ثم اكتفت بهز رأسها يميناً وشمالاً وهي تكمل..

"موعد غداء مع الآنسة لونا... ستشرح لك فيه عن كمية وموعد وسعر البضاعة القادمة... لا أدري ما المهم في الأمر لتطلب موعد غداء ألم تكن تستطيع فقط إرسال رسالة نصية تخص المعلومات وتريحنا من المواعيد الإضافية؟"

تمتمت فيوري بآخر جملتين مع نفسها من غير أن تنتبه.. ورغم أن صوتها كان خافتاً إلا أنه وصل إلى مسامع الجالس أمامها..

ابتسم ماركوس بجانبية وانحنى على مكتبه وهو يريح مرفقيه على الطاولة ورأسه على ظهر كفيه

"مشكلة جديدة مع ابنة الهيلتون؟ أم لأنها شقراء؟"

قلّبت فيوري عينيها بملل...

"أنت تعرف أنني لا أهتم بهذه الأمور"

"كاذبة"

"أعلم"

ضحك ماركوس بخفة وهو يستقيم من مكانه وأخذ سترته من على كرسيه وهو يتقدم منها

"علينا اللحاق بموعد المهمة الآن.. سنرى حلاً لمشكلتكِ مع الشُقر لاحقاً.. فأنا أشقر بعد كل شيء.. لا تنسي هذا"

غمز في نهاية كلامه مما جعلها تقلّب عينيها مرة أخرى.. لم يكن برودها وسخريتها حقيقيين.

إنما كانت هي فقط واجهة لعمق مشاعرها تجاهه كانت تكره جميع الشُقر عداه.. وكانت تكره هذه الـ"لونا" بالذات لأنها تتملق إليه بشكل واضح ومقرف..! لكنها بالطبع لن تخبره بهذا

وضعت الجهاز اللوحي على الطاولة لتأخذ منه سترته السوداء وتساعده في ارتدائها.. كانت تفعل هذا منذ اليوم الأول الذي بدأت العمل فيه معه..وقد أخبرها مراراً أنها ليست خادمته بل مساعدته وذراعه الأيمن ولا داعي لأن تقوم بهذا.. لكنها كانت تقوم بما ترغب به رغماً عن الجميع.. حتى عن ماركوس..

"الجميع ينتظرنا في مستودع الأسلحة الآن"

قالت وهي تعدل السترة عليه قبل أن تبتعد عنه قليلاً لتنظر إليه وتقيم عملها البسيط.. همهم هو بينما أومأت هي برضى وحملت جهازها اللوحي مرة أخرى لتبدأ بالسير معه خارج مكتبه إلى مستودع الأسلحة...

"انظري.. صفقتنا هذه أهم من رؤية وجه البطاطس المحروقة تلك أليس كذلك؟"

قال بسخرية وهو يقصد بكلامه أدريان بالطبع فمن سواه قد يتكلم عنه بسخرية بهذا الشكل؟ أوه صحيح.. إنه أدريان مرة أخرى

لم تستطع فيوري منع القهقهة الخفيفة التي خرجت منها

"وجه البطاطس المحروقة؟"

"أولا يبدو كذلك؟"

"أوه إنه بالتأكيد كذلك"

"سعيد أنك توافقينني الرأي"

"إن هذا لمن دواعي سروري"

كان كلاهما يتكلمان بنبرة ساخرةلكنها مريحة.. فهي نبرة قد تبدو للبعض وقحة لكنها لهما؟.. هي النبرة التي تُبعدهما عن توتر العمل والمافيا.. النبرة التي تُشعرهما بالحرية.. النبرة التي تخصهما.. وتخصهما وحدهما فقط...

دخلا السيارة يجلسان كليهما في الخلف. أخبر ماركوس السائق أن يتجه إلى مستودع الأسلحة ثم أخرج سيجارته وأشعلها وبدأ يتنفس منها

تنهدت فيوري بقلة حيلة وفتحت نافذتها التي على اليسار، فهي لم تكن تحب فكرة أن ماركوس يسمم نفسه بهذا الدخان.. وكانت تكره استنشاقه حتى لو كان ذلك عن طريق الخطأ

لاحظ ماركوس تصرفها ونظر إليها بطرف عينه بينما كانت هي تُطالع السماء من النافذة

"هل أُطفؤها؟"

سأل وهو ينفث نفساً آخر منها

"وكأنني إن قلت نعم ستفعل ذلك حقاً"

استدارت لتنظر إليه.. ابتسم هو بجانبية وأخذ نفساً آخر

"صحيح"

قلّبت عينيها بملل للمرة الثالثة لهذا اليوم ثم نظرت إليه بجدية

"سيدي هل هناك شيء أستطيع القيام به حقاً؟"

"همم؟"

نظر إليها هو الآخر يستفسر بصمت عن معنى كلامها

"أعني أدريان...هل تريدني أن أحل الموضوع من جذوره؟"

عقد ماركوس حواجبه وأخرج لفافة السيجارة من بين شفتيه ليحملها بين أصابعه

"ما الذي تقصدينه بـ "من جذوره؟""

"لقد فهمت قصدي"

قالت بهدوء جدّي كان يعلم جيداً ما تقصده بـ "من جذوره".. فهي كانت وبكل وضوح تعرض فكرة قتل أدريان على ماركوس...

أغمض ماركوس عينيه بتعب لثانية واحدة ثم فتحهما وهو ينظر لها بجدية

"كلا فيوري.. لا تتدخلي بالأمر"

نظرت إليه مطولاً غير راضية بإجابته..

"أنا جاد فيوري لا تقومي بفعلٍ متهورٍ من رأسكِ.. أنا من سأحل مشكلتي معه بنفسي"

نظرت إليه فيوري لثوانٍ ربما طالت لدقائق لم تعجبها الفكرة أبداً.. فهي من كانت تريد تحمل المسؤولية إن كان ماركوس يريد شراً بأدريان.. ورفضه لعرضها الآن كان بمثابة أنه لا يثق بها لمثل هذه المهمة الصعبة...

لكنه و على العكس.. كان قد رفض من فرط ثقته بها..

فهو يعلم أن فيوري إن كُلفت بمهمة لن تتركها حتى تنهيها على أكمل وجه.. وهو يعرف أن اللعب مع آل كريس.. خاصة في مثل هذه الظروف سيشكل خطراً لا متناهياً عليها.. وهذا ما كان ليموت ولن يسمح به

لم يسمع منها رداً سوى أنها أعادت النظر من خلال النافذة

تنهد هو بضيق وأخذ يتجرع من سيجارته بشكل أسرع وهو ينظر من نافذته أيضا بدوره...

🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶

كان سطح الفندق غارقًا في الظلام لا يضيئه سوى ضوء القمر و وهج خافت من المدينة البعيدة..

هناك جلست آناستازيا كارا على الحافة.. ساقاها متدليتان في الفراغ.. وكأس النبيذ النصف ممتلئ بين أصابعها...

ارتشفت جرعة بطيئة بينما تراقب الأضواء المتناثرة في الأسفل بعينين غارقتين في أفكار لا يشاركها أحد....

لقد سئمت من ضجيج الحفل وكانت تحتاج إلى لحظة من الهدوء...لكن للأسف.. ليس كل ما يتمناه المرء يدركه!!!

فقد فتح الباب الزجاجي المؤدي إلى السطح... لكنها لم تلتفت على الفور.. لم يكن لديها رغبة في مشاركة هذه العزلة مع أحد... لكن الصوت العميق الذي انساب عبر الهواء جعلها تتوقف للحظة...

"إما أن تكوني تهربين من شخص ما.. أو أنك ببساطة لا تحبين الحشود.."

رفعت آناستازيا حاجبها قبل أن تستدير ببطء لتجد أمامها رجلاً طويل القامة بملامح حادة وهالة من الثقة الهادئة... لم تكن تعرفه لكنه لم يكن يبدو كأحد الحاضرين العاديين.. بينما هو عيناه الداكنتان راقبتاها بنظرة تحليلية..

نظرت إليه آناستازيا بهدوء ثم قالت بابتسامة جانبية:

"ألا يمكن أن يكون الأمر مزيجًا من الاثنين؟"

ضحك داميان بصوت خافت واتجه الى الحافة التي كانت تجلس عليها متكئًا على السور بجوارها..لكنه كان حريصا على ترك مسافة محسوبة بينهم..

"ذوقك في الاختباء راقٍ على الأقل...معظمهم يختارون الزوايا المظلمة في الداخل... "

التفت اليه قائلة بنبرة ساخرة تتحنب النظر إلى عينيه:

"أفضّل الهواء الطلق... يمنحني شعورًا بأنني لا أختنق.."

نظر إليها داميان بتمعن... شيء ما في نبرتها أثار اهتمامه... كانت مختلفة عن باقي الحاضرين.. لم تكن متكلفة ولا متصنعة... ذكّرته بشخص...أو بشيء مألوف لكنه لم يستطع تحديده تمامًا...

"إذا كنتِ تفضلين الهواء فهذا يعني أنك لا تنتمين لهذا المكان..."

ابتسمت آناستازيا لكنها لم تجبه كونها فهمت مقصده تماما...هو يقصد انها لا تنتمي الى المافيا...

عادت نظراتها إلى أضواء المدينة أمامهما وكأنها تهرب من تحليل كلماته...بينما هو لاحظ صمتها لكنه لم يضغط...

مرت بينهما لحظة صمت... هي تنظر إلى ألأسفل متأملة اضواء المدينة بشرود... بينما هو ينظر إليها متمعنا في تفاصيل وجهها من الجانب..

قطع داميان الصمت الذي كان بينهما قائلا بهدو:

"تعجبني الطريقة التي تتحدثين بها...لا تبدو مصطنعة مثل الآخرين"

"وأنت تبدو كشخص لا يجامل كثيرًا."

ابتسم داميان ثم رفع كتفيه قليلًا وكأنه يقر بذلك قائلا:

"الحقيقة أريح من المجاملات"

ابتسمت اناستازيا بسخرية بينما داميان اعتدل في وقفته محمحما بجدية قبل أن يضيف بهدوءه المعتاد:

"لماذا لدي شعور بأننا التقينا من قبل؟"

شعرت آناستازيا حينها بوخزة غير مفهومة لكنها لم تظهر أي رد فعل..مجرد صدفة.. مجرد جملة قد يقولها أي شخص...ورغم أنها لازالت تشعر بتوتر لعد جملته إلا أنها جاوبته بسلاسة وهدوء:

"ربما لأن الناس في هذا العالم يتشابهون أكثر مما نعتقد.."

ضحك داميان بصوت خافت لكنه كان ضحكًا بلا مرح حقيقي ثم التفت إليها أخيرًا متأملًا وجهها للحظة أطول مما يجب...جديا هو يتساءل لما انتابه ذلك الشعور... أنه رآها من قبل..

ابتسمت آناستازيا عندما شعرت بشروده في وجهها ثم تحركت من مكانها بخفة تنزل من الحافة لتصبح واقفة بجانبه.. بينما داميان نظر إليها ببرود قائلا:

"أو ربما لأن بعض الأصوات تبقى معنا حتى لو لم نرَ وجوه أصحابها."

تجمدت أنامل آناستازيا للحظة لكنها لم تظهر أي دهشة في تعابيرها فقط اكتفت بالابتسام وفي عينيها نظرة باردة تحمل غموضًا.. ثم أجابته بهدوء:

"أصوات؟ تبدو كشخص يستمع كثيرًا..."

ابتسم داميان بقوة وابتسامته كانت حقيقية هذه المرة إلا انه اكتفى بالصمت.. بينما هي كانت تفكر في أنها أعجبت بضحكة رجل آخر غير الرجل الذي يحبها بل ويتمنى أن يراها...

كانت المحادثة تسير بينهما بسلاسة بدت لهما وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن...لم يكن لقاءً يحمل أي مشاعر خاصة لكنه حمل راحة غير متوقعة... شيء نادر الحدوث في عالمهما.

لكن كل شيء انهار في لحظة واحدة عندما فُتح باب الشرفة مرة أخرى وظهر أحد رجال عائلة كريس الذي كان يبحث عن داميان.

"سيدي.. أدريان يطلبك بالداخل"

لم تهتم آناستازيا بالبداية لكنها لاحظت أن الرجل نظر إليها لثانية ثم عاد إلى داميان وكأنه يحاول إرسال رسالة غير منطوقة...و عندها فقط لاحظت اللقب الذي استخدمه...

داميان؟؟؟؟؟

عقلها استوعب الاسم في نفس اللحظة التي استدار فيها هو ليقابل نظرتها... داميان كريس... ابن عم أدريان... أحد أبناء العائلة التي لطالما اعتبرتها عدوة ولازالت رغم أنها في فترة هدنة..

تجمدت ملامحها للحظة بينما داميان رأى التغير الطفيف في عينيها و الشرارة التي لم تكن هناك قبل ثوانٍ...وهنا أدرك الحقيقة هو الآخر...

لكنه لم يظهر أي رد فعل عنيف... بل ابتسم ابتسامة مختلة لم تكن خالية من السخرية...

"هدنة...؟ أليس كذلك؟ رائع... لأني لو التقيتك قبلها لما تبقّى منكِ ما يكفي لتُخبري أباكِ أنني كنت مهذباً لساعة كاملة.."

قال داميان بنبرة لم تكن غاضبة.. بل كانت مختلة كعادته... أما آناستازيا فبدلًا من التراجع أو الرد بانفعال رفعت كأس النبيذ إلى شفتيها وأخذت رشفة صغيرة قبل أن تهمس بنفس نبرته:

"غريب...وأنا طوال الساعة كنت أفكر كم سيكون صراخك موسيقياً لو قطعت حبالك الصوتية واحدة تلو الأخرى..."

نظر إليها داميان بابتسامة دهشة وكاد أن يرد عليها لكنها أكملت حديثها بعد أن ابتسمت ابتسامة بدت له جد مستمتعة ثم قالت بهدوء:

"هدنة إذا؟؟؟ ربما... لكني ما زلت أحتفظ بقائمة... وأنت... أنت الآن في الصفحة الأولى دامي..."

كان داميان ينظر إليها بهدوء وحيرة داخلية أخفاها بمهارة... لطالما سمع عنها.. لكنها أول مقابلة لهمها وللحقيقة... هي عكس ما كان يتوقعه من فتاة لا تتدخل في شؤون المافيا.. لكنها ويا للعجب..جلست على حافة سطح فندق..و تمتلك ابتسامة مختلة كخاصته..

اعتدلت آناستازيا في وقفتها ونفضت فستانها بنعومة ثم استدارت بهدوء لتعود إلى قاعة الحفل متحاهلة إياه وكأن شيئًا لم يكن..

كانت تمشي برقة وصوت كعبها يطرق الأرضية بصخب وهي تدير كأس النبيذ بين أصابعها..ثم فعلت بعدها آخر شيئ توقع أن يراها تفعله...

رمت كأس النبيذ ليتحطم على الأرض مصدرا صوتا عاليا ثم أخرجت شيئًا صغيرًا من حقيبة يدها الصغيرة.. بدا كحلية معدنية تتلاعب بها بين أناملها بغير اكتراث...لكن داميان لاحظ ذلك لأنه كان يمشي وراءها بخفة متجها إلى قاعة الحفل هو الآخر..

كان رصاصة فضية صغيرة على شكل علاقة مفاتيح.. لكنه واثق أنها لم تكن مجرد زينة....بل كانت مصنوعة بعناية..

حسنا هو شيء لا يحمل معنى لغير العارفين لكنه بالنسبة لشخص مثل داميان.. أثار فضوله..لذلك اتجه اليها يقطع المسافة بينهما بخطوات شبه سريعة قائلا بغموض:

"ليست كل النساء يحملن رصاصة في جيوبهن.."

لم تستدر آناستازيا.. لكنها ابتسمت عندما أحست بابتسامته حتى ولو لم تر وجهه.. ثم أجابته دون أن ترفع عينيها من على كأس النبيذ المتحطم على الأرض:

"وهل كل الرجال يلاحظون التفاصيل بهذه السرعة؟"

حسنا...هو الآن توقف ينظر إلى آثارها بغموض بينما هي أكملت سيرها بهدوء...

هي ليست بشخص عادي بالتأكيد!!!

ابتسم داميان باختلال ثم قال بصوت خافت بالكاد يسمع:

"فيلار كاسيير"

🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶

كان الحفل يشارف على نهايته..والأضواء بدأت تخفت تدريجيًا مع صوت الموسيقى الناعمة التي خفّ إيقاعها خاصة بعد أن إنتهى وقت توقيع العقد والناس تفرّقوا إلى مجموعات أصغر والضحكات بدأت تذوب في ضجيج الخلفية...

كان أدريان واقفًا بجانب مجموعة من رجاله يتحدث معهم بنصف اهتمام بينما عيناه كانت تلاحق ضحكة معينة...

بالطبع إيفا التي كانت واقفة بجانب شقيقها نيروس تبتسم تلك الابتسامة التي لا تُرى كثيرًا وتتحدث بحماسة مع امرأة تبدو في أواخر الخمسينات...

كان كل شيئ هادئا... حتى قطعه صوت ناعم بارد يناديه بسخرية مألوفة:

"مرحبًا يا زوج أختي"

استدار أدريان ببطء دون أن يظهر اندهاشه لكنه كان قد فوجئ فعلًا....

آناستازيا كانت واقفة هناك وذقنها مرفوع بثقة ترتدي فستانًا أحمر داكنًا يلمع تحت أضواء الثريا لكن البقعة القاتمة على جانبه الأيسر من الأسفل لفتت انتباهه فورًا....

مرّر نظراته عليها من رأسها إلى قدميها ثم توقف عند تلك البقعة وانخفض حاجبه قليلًا بابتسامة ثقيلة قائلا بنبرة مائلة إلى التهكم:

"فستانك الأحمر جميل يا أخت زوجتي لكن... لكنه ملطّخ... دعيني أخمّن... نبيذ؟ أم دماء؟"

نظرت إليه آناستازيا ببرود و لم تبتسم و لم ترف لها عين... بل اكتفت بالنظر إليه مباشرة بعينين باردتين وأجابت بصوت هادئ:

"كسرت كأس النبيذ بنفسي..."

انتظر أدريان تفسيرًا لكنه لم يأتي... فقط نظرتها كانت كافية لتقول إن التفاصيل... ليست للنقاش الآن..ثم أضافت بنفس البرود:

"وكان يمكن أن يكون وجه عاهر ما مكان الزجاج.."

رفع أدريان حاجبًا و شبح ابتسامة يتسلل إلى طرف شفتيه..بالطبع لم يخف عليه دخولهما الى قاعة الفندق في وقت متقارب لكنه ادعى الجهل قائلا:

"أنتِ تنشرين الفوضى أينما حللتِ آناستا.. ألا تفعلين؟"

ابتسمت له بخفة متخلية عن القليل من برودها ثم أجابت بلا تردد ونبرة عدم اهتمام احتلت صوتها:

"أنا لا أنشر شيئًا... الفوضى هي من تتبعني."

تقدّمت خطوة و اقتربت منه حتى أصبح صوتهما لا يسمع إلا بينهما وهمست دون أن تغير نبرتها:

"إن اقترب مني أحد رجالك أو عائلتك مجددًا سأكسر شيئًا أثمن من كأس كريستال... ولن يكون زجاجًا هذه المرة..."

أكملت حديثها ثم ابتعدت بخفة وكأن شيئًا لم يكن..بينما أدريان تابعها بنظرة نصف مبتسم

وفي داخله يفهم تماما المعنى القذر لجملتها الأخيرة ثم قال بهمس:

"توجد شرارة هنا..وكل شرارة تعرف طريقها إلى الإنفجار"

من بعيد كانت إيفا قد التفتت عن حديثها مع نيروس

وعيناها استقرتا على أخيها وزوجها..وقد رأت بالفعل تلك النظرة في وجه أدريان.. ورأت البرود في مشية آناستازيا....

نيروس تابع حديثه دون أن ينتبه بينما تلك المرأة الكبيرة كانت تضحك على تعليق ما لكن إيفا فقدت تركيزها لذلك اعتذرت منهم بهدوء ثم ابتعدت قليلا تتجه الى مكان المشروبات مبتسمة ثم همست لنفسها:

"اللعب بالنار ممتع حتى تحترق الأصابع.. "

ثم ارتشفت من كأسها الذي أحضرته وعادت لابتسامتها الواثقة وكأنها تراقب بداية اشتعال لا أحد غيرها شعر به بعد...

وقفت وحدها للحظة، تنظر إلى كأسها المملوء قبل أن تشعر بوجود شخص خلفها مباشرة...

"تشبهينها كثيرًا.."

التفتت إيفا ببطء لتجد امرأة أنيقة بشعر رمادي مصفف بعناية وعينين لامعتين.. كانت واقفة خلفها بابتسامة دافئة..لكن غريبة.

"عذرًا؟"

قالت إيفا بلباقة وإن كان الحذر تسلل لصوتها..

"والدتك."

أجابت المرأة دون تردد..ثم صمتت للحظة قبل أن تكمل بهدوء يشوبه بعض الحزن:

"كنتُ أعرفها جيدًا.."

تجمدت إيفا لثوانٍ. لم يسبق لأحد أن تحدث عن والدتها بهذا الشكل..

"ومن أنتِ؟"

سألتها ايفا محاولة أن تحافظ على ثبات صوتها لكن المرأة ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت بنبرة أقرب للهمس:

"أحد مِن مَن بقوا أحياء... بالخطأ.."

ثم استدارت وغادرت تاركة خلفها قلقاً ثقيلاً ينهش عقل إيفا.. وقبل أن تلحق بها كانت اختفت بين الحضور و كأنها لم تكن هناك أصلًا...

🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶🩶

مرحباااااا... جئتكم بفصل جديد🥹🌸🎀🩷

خفيف ظريف أليس كذلك؟؟ 🥹🌸🎀

الفصول القادمة ستكون هادئة لذلك حاولو أن تستمتعو😂🗿🌸

الفصل سيراه البعض مملا.. لكنني حاولت قدر المستطاع كتابته بهذا الشكل حتى يكون ك انتقال للفصول القادمة🙂

في الحقيقة وكما اخبرتكم بالفعل في قناتي على الانستغرام... الفصل كان طويلا لكنني حذفت نصفه عن طريق الخطأ.. لذلك اجريت تعديلات على المشاهد فقط واختصرت بعض الأشياء ولم اكتب شيئا آخر.. 💔

رأيكم في الفصل؟ 🥹🎀

تجاهلو الأخطاء الإملائية رجاءً🥲💔

الحفل؟؟

لن أسأل عن الشخصيات كثيرا... فقط؟؟ داميان وآناستازيا🥹🥹🥹🎀🎀🌸🌸اءءء

هل خمن أحدكم هوية مصمم الألعاب؟؟ 😂😂😂

المهم أعزائي.. نلتقي في الفصول القادمة 👋🩷

لا تنسو التصويت والتعليقات🙂🔪🔪

قراءة ممتعة🦋🩷

👋🩷

~أستغفر الله وأتوب إليه~

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وشم أيلول 9.1

المؤلف Ravina
2025/07/23 مستمرة
قائمة الفصول (14)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة