فطور بطعم الخوف

فطور بطعم الخوف

35 0

صعدت السلالم ببطء، وكل درجة كانت تُشعرني وكأنني أرتفع نحو قدر لا مفر منه. لم أعد أشعر بقدميّ، فقط ثقل في صدري وضجيج في رأسي

مررت بممر طويل، أضواؤه خافتة، والجدران مزينة بلوحات قديمة لأشخاص لا أعرفهم، لكن نظراتهم... كانت باردة، كأنهم شهدوا مآسي أكثر مما ينبغي.

توقفت أمام الباب الذي أشار إليه. خشب قاتم، ومقبض معدني بارد… لم ألمسه فوراً

وقفت لحظة، أستجمع شجاعتي، ثم فتحت الباب.

غرفتي.

واسعة… أكثر مما توقعت. جدرانها رمادية، وستائر سوداء ثقيلة تُغلق على نوافذ ضخمة. السرير في المنتصف، مفروش بأغطية حريرية داكنة، وطاولة صغيرة بجانب نافذة تُطل على الحديقة الخلفية… أو بالأحرى، المتاهة الخلفية

لكن ما لفت انتباهي لم يكن فخامة الأثاث… بل الكاميرا الصغيرة في الزاوية العليا. بالكاد تُرى، لكنها هناك. تراقب

شهقت بهدوء، شعرت ببرودة زحفت في ظهري

"أحقًا أنا حرة؟" سألت نفسي. "أم مجرد دمية في قفص ذهبي؟"

لم أنم في تلك الليلة. بقيت على سريري، عيني لا تفارق الباب.

كأنني أنتظر أن يُفتح فجأة… ويبدأ الكابوس الحقيقي.

لكن الفجر جاء بلا أصوات. فقط صمت ثقيل.

حتى طرق الباب...

طرقات ثلاث… هادئة، لكن واثقة...

"آنسة جوليانا، السيد يطلب حضورك على الإفطار."

جاء الصوت من خلف الباب… نسائي، آلي، دون مشاعر.

وقفت بتردد. ارتديت رداءً بسيطًا كان موضوعًا بعناية على الكرسي.

وخرجت من الغرفة، أحاول إخفاء رعشتي.

لم أكن أعلم ما الذي ينتظرني على الطاولة…

لكنني بدأت أفهم شيئًا واحدًا:

هذا الرجل لا يلعب.

***

وقفَت أمام باب مزدوج كبير، فتحته دون أن أنطق بكلمة، ثم انسحبت

دخلت...

الغرفة كانت ضخمة، ممتدة كقاعة ملكية. طاولة طويلة من خشب داكن يتوسطها تنسيق ورد أبيض، وأطباق متعددة موضوعة بإتقان وكأن وليمة أُعدّت لشخصيات ملكية

لكن ما جذب نظري فورًا… كان هو...

جالس على رأس الطاولة، بكامل أناقته، يقرأ صحيفة بهدوء وكأن لا شيء خارج عن المألوف

لم ينظر نحوي فور دخولي، لكني شعرت به يعرف أنني هنا

"اجلسي"

قالها دون أن يرفع عينيه. صوته… هادئ كالعاصفة التي تسبق الخراب

تقدمت وجلست في المقعد المقابل، ويدي تقبض على حافة الكرسي بشدة حتى بيّضت مفاصلي

رفع نظره أخيرًا، وعيناه قابلتا عينيّ

"نمتِ جيدًا؟"

سؤاله كان بسيطًا… لكن نبرته حملت شيئًا آخر. وكأن الإجابة لم تكن تهمه حقًا.

أجبرت نفسي على الرد:

"لم أعتد بعد على الأسرّة الناعمة."

ابتسم… أو شيء يشبه الابتسامة.

"ستعتادين، تمامًا كما اعتدتِ على القيود."

نظرت إليه في صمت، أحاول أن أفهمه، أن أقرأ أي خيط إنساني خلف هذا القناع المترف.

لكنه كان مثل الجدار… أنيق، جامد، بارد.

بدأ يتناول إفطاره بهدوء، بينما جلست أراقب الطعام دون شهية.

"هل تعرفين لماذا أنتِ هنا، جوليانا؟"

سألني فجأة، دون مقدمات.

ارتبكت. لم أتوقع سؤاله.

"لأن والدي… باعني لك."

قلتها بمرارة،أومأ برأسه بخفة

"جزء من الحقيقة فقط."

رفعت حاجبيّ بقلق.

"وماذا عن الجزء الآخر؟"

وضع الشوكة جانبًا، وأسند ذقنه على يده، ينظر إليّ نظرة طويلة… محمّلة بمعانٍ لا أفهمها بعد

"لأنني اخترتك. من بين الجميع… أنا من أردتك."

تسارعت ضربات قلبي

"ولستِ هنا فقط لتسددي دَين والدك… بل لتصبحي شيئًا أكبر بكثير مما تظنين."

همستُ: "ماذا تقصد؟"

لكن جوابه الوحيد… كان الصمت.

ثم وقف، وقال بنبرة حادة هذه المرة:

"استعدي… سنخرج بعد ساعة. هناك شيء يجب أن تريه."

***

مرّت الساعة بصمت ثقيل.

أبدلت ملابسي، لا أعلم لماذا اخترت الأسود… ربما لأن كل شيء حولي يصرخ بالموت.

عندما خرجت من الغرفة، وجدته ينتظر عند باب القصر، إلى جانبه سيارة سوداء فاخرة.

فتح لي الباب بنفسه. لم يتكلم، ولم أسأله.

طوال الطريق، التزم الصمت، وأنا كنت مشغولة بحروبي الداخلية.

إلى أين يأخذني؟ ولماذا الآن؟ ولماذا... أشعر بهذا الارتجاف في قلبي؟

توقفت السيارة أخيرًا أمام بوابة حديدية قديمة، صدئة… ورغم ذلك، كانت تفتح تلقائيًا وكأنها تعرفه.

عيناها حدّقتا في اللوحة على الجدار: مقبرة سانت كلير.

أحسست بالهواء ينسحب من رئتي.

فتح الباب، نزل، ثم التفت نحوي.

"تعالي. لن نطيل البقاء."

خطوت خلفه بخطوات مترددة، الأرض المبللة من المطر الأخير تعكس السماء الرمادية… كأن كل شيء هنا حزين.

توقف أمام قبر صغير، بسيط، لا يليق بامرأة كانت كل عالمي.

ركعت أمامه… قرأت الاسم، وابتلعت الدمعة التي علقت في حلقي.

إلين روزالين — زوجة محبة، وأم لا تُنسى.

قال بهدوء خلفي:

"أتعلمين أن والدتك لم تمت مريضة كما أخبروك؟"

استدرت إليه فجأة، قلبي كاد يتوقف.

"ماذا؟"

نظر إلى شاهد القبر للحظة، ثم قال:

"في الليلة التي ماتت فيها… كان والدك هنا. لكنها لم تكن مريضة. كانت تحاول الهرب."

شهقت.

"أنت تكذب."

ابتسم بسخرية، نصف ابتسامة، وقال:

"أنا لا أضيع وقتي في الأكاذيب، جوليانا. الحقيقة أكثر إيلامًا من أي كذبة."

تقدمت منه خطوة، والغضب بدأ يتصاعد داخلي:

"لماذا تخبرني هذا الآن؟ ما هدفك؟"

"لأنك تحتاجين أن تعرفي من هو والدك الحقيقي… ومن كانت أمك."

ثم أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا — قلادة قديمة، أعرفها جيدًا. كانت لوالدتي.

أعطاها لي دون كلمة.

"كيف حصلت عليها؟!" سألت، مذهولة.

قال بهدوء:

"لن أجيبك الآن. لكن عندما تكونين مستعدة لسماع كل شيء… سأريك ما لم يخبرك به أحد."

استدار، وعاد نحو السيارة، تاركًا إياي أمام قبر والدتي… قلبي يرتجف، يئن، يشتعل.

ولأول مرة…

بدأت أشك أن حياتي كانت كذبة منذ البداية.

---

نهاية الفصل الثالث ✨

ماذا حدث فجأة؟

ماذا يقصد بأمها؟

و من هو؟

و ماذا حل بوالداها؟

و ماذا فعل والدها ؟

استمروا في القراءة لتجدوا اجاباتكم في الفصول القادمة🦋

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝑳𝒊𝒈𝒉𝒕 𝒊𝒏 𝒕𝒉𝒆 𝒉𝒆𝒍𝒍||نور في الجحيم

المؤلف ruby_x_al
2025/07/15 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة