كابوس يلاحقني

كابوس يلاحقني

22 0

وسط أشجار الغابة المظلمة،كان يخطو بقدميه على الأرض الثلجية من تحته فتتحول للأسود القاتم ، بينما يتتبع بعينيه مسار الدماء التي نزفتها فريسته الهاربة منه ، و أما هي فكانت تجري بأقصى طاقتها بدون النظر نحو الخلف ، نظرة واحدة قد تكلفها حياتها.

كل خطوة تخطوها تلون الأرض تحتها بلون أحمر قانٍ ، على الرغم من البرد الشديد و البياض الذي يسود المكان تابعت ركضها متحاملة على نفسها و على ركبتها المصابة و جروح جسدها التي تنزف بغزارة. شحوب وجهها و ارتعاش أطرافها و تشوش نظرتها و لهاثها الشديد كلها علامات تدل على أنها ستفقد وعيها بسبب نزفها الشديد.

هو من خلفها يمشي و يصفر لحنا هادئا و دافئا لا يوحي بأنه هو سبب تلك الجروح على جسد تلك الصغيرة،كانت تركض أمامه بشكل متعرج و آثار أقدامها على الأرض تدل على ضعفها و اختلال توازنها و دنوِّ لحظة الصفر منها.

على الرغم من أنَّ البرد يسيطر على المكان،إلَّا أنَّ هذا لم يمنع قطرات العرق من التشكل على وجهها ما جعل غرتها السوداء تلتصق بجبينها و تحجب عنها الرؤية مرات عديدة،وفي كل مرة كانت تبعدها بيدها و ترجعها للخلف لكنها تتمرد مجددا لتسقط على عينيها الباهتتين لعدم رؤية ألوان الحياة كباقي الأطفال من نفس سنها، و لسوء حظها اثناء رفعها لغرتها لم تنتبه لحجرة متوسطة الحجم فتعثرت بها و سقطت على وجهها.

أمسكت بركبتها و تكورت على نفسها تكبت شهقات البكاء من الخروج من بين شفتيها،و في وسط غمرات ألمها كان هو يقترب منها ببرود بينما كل خطوة يخطوها تحول ما حوله إلى سواد ، رفعت عينيها اللتين اغرورقتا بالدموع نحوه لتتسعا على آخرهما عندما انتبهت أنه يبعد عنها حوالي ثلاثة أمتار فقط.

جلست على الأرض و هي تزحف للخلف بذعر إلى أن ارتطم ظهرها بشجرة ما أوقفها عن هروبها البائس من مصيرها الأسود الذي ينظر لها و كأنه يرى عرضا ممتعا لمهرج في سيرك ما ، عندما التقت عيناها به أخفضتهما من فورها للأرض ، عيناه كانتا سوداوتين بالكامل حتى الجزء الذي يفترض أن يتواجد فيه بياض يحيط بحدقة العين كان أسودًا ، هوة سوداء تبتلع كل ما هو خير في هذه الأرض و ما حولها.

تتبعت بعينيها قدماها اللتان توقفتا عندها بينما السواد يتسلل و يلتهم بياض الثلج حتى وصل لها و باتت دماءها الحمراء غير ظاهرة على الرغم من نزيفها المتواصل على الثلج، كل ما جال في خاطرها في تلك اللحظة لما على الشياطين أن تكون هكذا ؟ لما عليها ان تجعل المرء يجنُّ أو يموت من الخوف ؟ لما…

قطع نحيبها الصامت صوته الرخيم و الذي بثَّ في أوصالها الرعب و هو يقول ببرود ينافس صقيع المكان حولهما : " أتعلمين ما هو خطئك أناستازيا ؟"

لم تجرؤ على رفع بصرها و النظر في عينيها فاكتفت بهز راسها نافية ، خطأ ؟ أي خطأ ؟ لكنّه لم يهتم بأفكاره بل اكتفى بالإنحناء نحوها هامسا في أذنها بهدوء : " خطئك أنَّك تهربين من قدرك أناستازيا "

لم يمنحها لحظة لاستيعاب الرعب الذي سببه لها و باغتها بقطعه لأنفاسها ، لم تستطع التنفس بينما كان يعصر رقبتها تحت كف يده ليخنقها و يفصلها عن الواقع.

شيئا فشيئا ، بدأ الظلام يغشى بصرها ما يدل على فقدانها القريب لوعيها.

فتحت عينيها و هي تنظر للسقف بخوف شديد بينما تتعرق بشدة ، كانت تقبض على الغطاء بقوة بينما تتنفس بسرعة و نظرها يتنقل بين أركان الغرفة التي كانت بسيطة و لا تحتوي سوى على خزانة و مكتب مليء بالكتب و الأوراق و الأقلام المتناثرة هنا وهناك إضافة لسريرها الذي تستلقي عليه.

غطت عينيها بكف يدها بينما تنفسها كان يهدأ شيئا فشيئا ، حاولت تهدأت نفسها و أنَّ ما رأته ليس سوى كابوس لذكرى قديمة مضت ، هي الآن بأمان و لا داعي للخوف،حاولت تكرار ذلك في رأسها لكن لم يجدي الأمر نفعا بل أصيبت بالصداع الشديد.

استقامت جالسة على السرير بينما تمسك رأسها لأنها أصيبت بالدوار،تنهدت و نظرت حولها مجددا،كل ما كان يشغلها في تلك اللحظة لما عادت تلك الكوابيس رغم أنها انقطعت عنها لعام كامل؟ هل لإنها عثرت على الأمان أو لسبب آخر؟

تنهدت و أبعدت الغطاء الصوفي عنها لتهب واقفة و هي تتمتم : " لا يجب أن أنهك عقلي في التفكير في الماضي ، حان وقت العمل" ، لتدخل إلى الحمام الملحق بالغرفة لتستحم و تبدأ يومها.

⟡════⟡════⟡ ⟡════⟡════⟡ ⟡════⟡════⟡

أكره الصباح،لا أعرف ما الفائدة من الإستيقاظ صباحا لترى وجوها تصيبك بالغثيان كل يوم ، أعني لما يجب أن أبدأ يومي برؤية أناس منافقين ؟

تنهدت بينما أحكم إغلاق رباط حذائي الجلدي و الذي يعني أنني مستعدة { و لو ظاهريا } لمقابلة الناس و مجاملتهم بأمور أراها غبية فقط كي أتمكن من العيش بهدوء ، أو كما آمل على الأقل.

توجهت نحو المكتب الذي يبدو و كأن زوبعة مرت من هنا ، كتاب يتدلى من على الطاولة و اوراق لا أعرف كيف علقت فالسقف و أقلام متناثرة هنا و هناك و لا نستثني بقع الحبر التي سجلت حضورها في كل مكان.

وقفت أمام الفوضى التي لا أعرف كيف تشكلت و أنا أفكر هل أستطيع إقناع الآنسة جيني بأن تنظف غرفتي ؟ على الأرجح لا ، لكن لا ضير من المحاولة .

مددت يدي و التقطت مخطوطة مغلقة بإحكام و استدرت لأغادر و أبدأ عملي ، لكن لسوء حظي لم أنتبه لأحد الأقلام المرمية على الأرض فتزحلقت و سقطت على وجهي ، لا أعلم ما مشكلة الأرض معي و مع وجهي المسكين.

تنهدت و نهضت أسند نفسي بذراعاي،أنا حقا سئمت من هذا العمل، تقدمت نحو الباب وفتحته ليلفحني هواء بارد قادم من الممر،يبدو أن إحدى الخادمات نسيت أن تغلق النافذة ليلة أمس،لو علم الإمبراطور،لا،لو علمت تلك المتعجرفة لعلقت الخادمة المسكينة في اعلى راية العلم في ساحة التدريب.

أخذت نفسا عميقا و زفرت الهواء ببطئ و قد كررت هذا عدة مرات إلى أن هدأت افكاري.مشيت في الممر لأنزل الدرج بينما أحدق باللوحات المنتشرة هنا وهناك،لوحة لأراضي زراعية و فيها عمال يعملون على حني محصولهم ،ولوحات اخرى عن الحروب التي انتصرت فيها الإمبراطورية.

توقفت عن المشي عندما انتبهت إلى أن الستائر مغلقة و ليست مفتوحة كالعادة،ما جعلني ارفع حاجبي على تقصير الخادمات هذه الايام.

وصلت إلى الدرج و تذكرت في تلك اللحظة أن هناك اجتماعا علي حضوره و إلا سيوبخني الوزير،لم الحظ بقعة الماء على الأرض عند نهاية الدرج فدست عليها و انزلقت ساقطة على وجهي، يوم رائع من بدايته.

نهضت و أنا أنظر حولي،لقد انتبهت لأمر للتو ، الخادمات غير متواجدات و هذا غريب خاصة أننا في القصر التابع للقصر الإمبراطوري،نظرت حولي ثم اكملت سيري إلى غرفة تجمع الخدم و انا انظر للأرض هذه المرة كي لا اسقط مجددا.

وقفت عند باب الغرفة و الصقت اذني بالباب احاول استراق السمع لكن الهدوء مسيطر على المكان،فتحت الباب و أطللت برأسي من خلفه و انا انظر هنا و هناك،الغرفة فارغة، غريب عادة لا يتأخرون في الإستيقاظ و لم أتأخر أنا أيضا كعادتي.

فتحت الباب على مصرعه و خطوت حتى وصلت منتصف الغرفة البسيطة،خزائن يخزن فيها الطعام الذي سيستخدم هذا اليوم و طاولات هنا و هناك مع مقاعد للجلوس.

سمعت طقطقة خشب الأرضية خلفي و ما إن كدت أستدير حتى صرخ الذين كانوا خلفي بجملة واحدة"عيد ميلادٍ سعيدًا ، أناستازيا"

صرخت أنا الأخرى و تراجعت إلى الخلف حتى سقطت جالسة على الأرض و أنا أنظر بصدمة للأغبياء أمامي. لقد كانوا مجموعة من الخدم و إحداهنَّ تحمل كعكة شكولاطة و تلف شعرها البني على شكل وردة، إبتسمت و هي تقول " اليوم رسميا اصبحت في 15 من عمرك ،مبارك و نتمنى لك عمرا مديدا" لحظة،اليوم عيد مولدي ؟ هذا يفسر الكابوس و الحظ العاثر لدي منذ الصباح.

نهضت و أنا أرفع يداي للأعلى و قد قلت بنبرة حاولت إخفاء الحنق و الانزعاج من فعلتهم هذه " لا! لا حفلة و لا كعكة و انسي عيد الميلاد الجحيمي هذا!" لا أريد حفلة ، لا أريد كعكة ، لا أريد سوى أن أنهي هذا اليوم على خير!

تنهدت جيني بانزعاج واضح و قالت " بحقك ، من يقول على يوم ميلاده أنه 'جحيمي'؟" تجاوزتني و وضعت الكعكة على الطاولة خلفي ثم استدارت و هي تنظر لي و كأنني قطعت عليها نجاحها.

"أي شخص لعن؟"حسنا،لم أقصد أن تخرج نبرتي حادة بهذه الطريقة،لكنها تدفعني للجنون.

"على أية حال ، قال فخامته أنك ستكونين من بين الفتيات في حفل الظهور الأول ، أنت و سموها الاميرة سايا" تنهدت بعد ان انهت كلامها ثم نظرت لي ببراءة"لا مجال للتراجع"

رمشت ثلاث مرات من الصدمة،ماذا؟أنا؟حفل ظهور؟مع سايا؟"هذا مستحيل ، حفل ماذا و ظهور ماذا ، لست من الطبقة النبيلة حتى" رفعت يداي بسخط و ضربت الأرض بقدمي ، أعترف ،أحيانا أتصرف بطفولية.

حفلة الظهور الأول في إمبراطورية آسيا هي حفلة ضخمة تتجمع فيها الفتيات اللواتي بلغن 15 من عمرهن لتعريفهن بالعالم الإجتماعي،البحث عن المصالح والتحالفات تبدأ من هذه الحفلة التي كل من فيها منافقون.

"أنت صعبة المراس حقا،ما دام الإمبراطور أقرَّ بذلك فليس لديك الحق في الإعتراض ، كما أنها فرصة للتعرف على الناس و تكوين صداقات جديدة" قالت ذلك و جلست على الكرسي تنظر لي بملل،قال صداقات قال، هذه مجرد علاقات سطحية لا فائدة منها.

زفرت بانزعاج و أخذت شوكة من الدرج و من ثم غرستها في قالب الحلوى و أبدأ بتناوله، الشكولاطة دائما ما كانت حلا للمشاكل، لكن ليس هذه المرة على مايبدو.

⟡════⟡════⟡ ⟡════⟡════⟡ ⟡════⟡════⟡

انحنت تلك الخادمة العجوز التي خط الزمن على وجهها تفاصيله،كانت أمامها فتاة تبدو في 15 من عمرها،لا تزال فتية لكن مغرورة.

"سمو الأميرة سايا،إنتهينا لليوم" عيناها الحادة مسحتها من اعلى لأسفل لكن نبرتها لم تخلوا من الأحترام … الإحترام المزيف.

أومأت برأسها لخادمتها ثم مررت نظرها حول الغرفة ذات الطراز الملكي ، كل شيء فيها غالٍ و نفيس يدل على مدى ثراء صاحبتها،من اللوحات النادرة إلى الفساتين و الإكسسوارات المرصعة بالزمرد الخالص،مظاهر و مظاهر و مظاهر.

وقع نظرها على الفتاة ذات الشعر الأدعجي المرفوع على شكل ذيل حصان ، كان الفستان الذي ترتديه بالنسبة لها قديما مهترئا،بين يديها كتب و مخطوطات كثرة و واضح على ملامحها قلة الصبر و الإنزعاج.

ابتسمت بلطف متصنع و بنبرة تقطر سما و تكبرا" ما رأيك بفستاني،يا رئيسة الكتاب" نفضت خصلاتها الكستنائية إلى الخلف و من ثم مسحت على فستانها برقة.

" رائع سموك" ردها التلقائي و ابتسامتها الصفراء جعلت الغيظ يبلغ حده في لحظات قليلة،و قد انفجر عندما استدارت الأخرى متجاهلة لها و مسرعة في خطواتها،حينها زفرت بانزعاج و حذرتها قائلة " أنا لم أمنحك الإذن للمغادرة " صرت على كل كلمة أخرجتها من فاهها ،ما جعل الأخرى تتوقف في مكانها و تنظر لها من فوق كتفها بنبرة منزعجة " إعذريني جلالتك ، لكن أنا متأخرة على الإجتماع "

تابعت مشيها متجاهلة الكستنائية التي تغلي بحقد،فبنظرها ما هي إلا دخيلة على منزلها و قصرها و عائلتها ، و المستولية على اهتمام والدها الذي يجب أن يوجهه لها.

أما الأخرى فكل اهتمامها كان منصبا على الوصول بأقصى سرعة إلى غرفة الإجتماعات الملكية،فقد كثرت تأخراتها على الإجتماعات في الآونة الأخيرة.

هذا جعلها تركض غير مبالية بنظرات الخدم المستغربة من حولها و ما إن وقفت أمام الباب فتحته بقوة،ما جعل الذين في الداخل يعتقدون أنه اقتحام و أجبر الفرسان كرد فعل على استلال سيوفهم من أغمادها و وضعها على عنقها تهديدا لها.

تجمدت في مكانها و رفعت يدها المرتجفة و بنبرة مرتجفة قالت"ل.لحظة ، ه.هذه أ.نا" بيدها أبعدت إحدى الأنصال التي كانت على بعد شعرة من قطع رقبتها.

"أنزلوا سيوفكم" توجهت أنظار جميع الموجودين نحو الذي أمر بعتق رقبتها،وجهه محمر و العروق النابضة ظاهرة على جبهته و عنقه دلالة على غضبه.

أخفض الفرسان سيوفهم امتثالا لأمره مزامنة مع بلعها لريقها ، فشكله يعني أن هناك موجة توبيخ في طريقها إليها.

زفر بقوة و ضرب الطاولة بكف يده و صرخ" رئيسة الكتاب! كم مرة أخبرتك أن تلتزمي بمواعيدك!ماهو مسوغك لتأخرك الآن!" ارتعدت قلوب الحاضرين قبل أجسادهم ، أما المعنية في الأمر فابتسمت بتوتر و قالت أسخف عذر قد يوجه نحو الوزير في غمرة غضبه

" الحقيقة يا سيادة الوزير، سمو الأميرة سايا طلبت رأيي" بلعت مجددا رغم جفاف حلقها بسبب نظرات الوزير التي يوجهها نحوها، سيقتلها لا محالة.

رفع حاجبه ثم اطلق نفسا ساخرا و تمتم قائلا " صحيح ، رأيك" وجه نظره نحو مترأس الطاولة الذي لم يعره اهتماما ، ليعيد نظراته نحو أناستازيا ليقول بنبرة جعلت أغلب الحاضرين يقسمون أنها فحيح لأفعى" رأيك في ماذا؟"

نبرته جعلتها تبتلع للمرة الثالثة في اقل من دقيقتين،لتتحرك في مكانها بانزعاج و قالت بينما تتحاشى النظر إلى عينيه"أمور نسائية سيادتك" أنهت كلامها بابتسامة متوترة بينما تنظر للحضور لعلَّ احدهم ينقذها.

" إخرسا كلاكما ، أناستازيا خذي مكانك ، الوزير أرفيدلاس إهدأ" انتقلت الانظار جميعها نحو مترئس الطاولة ، جالس بلا اكتراث لما يحدث حوله بينما يمسك إحدى الملفات يدققها ، تنهدية راحة فلتت من أناستازيا لتنظر للوزير بسخرية ، أما الوزير فتشنفها بغضب و اتجه كلاهما للجلوس على مقاعدهما.

"حسنا إذن ، بما أن رئيسة الكتاب وصلت ، و الكل هادئ ، فسنبدأ اجتماعنا الدوري الآن" نظر الجميع له باحترام و هيبة ، لم يكسب احترام رعيته بل انتزعها نزعا بالسيف و النفوذ ، إمبراطور إمبراطورية آسيا العظيمة كين دي إينيرجيا.

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة متوارثة: كايرثاس

المؤلف STAR
2025/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة