وسمٌ...و ازدواجية

وسمٌ...و ازدواجية

17 0

تنهدت أضع رأسي على الطاولة بتعب،أخيرا و بعد مرور ست ساعات متواصلة انتهى الإجتماع الأسبوعي.أدرت رأسي أنظر للوزير الذي أرخى رأسه على كومة كتب أمامه و استدار ينظر لي .

" الأحداث الأخيرة مع المنفى متعبة بحق، أكاد لا أنام بسببها"همست و بالكاد خرجت الحروف من فمي،طيلة الليالي الست السابقة لم أنم سوى بضع سويعات،هذا و أنا لا زلت في الخامسة عشرة من عمري، الفتيات في سني يتجولن و يمرحن و أنا عالقة مع التقارير والخطابات و الأرشيف.

أغمض الوزير عينيه بتعب و أومأ قائلا " رغم كرهي لاتفاقنا، لكن معك حق" سكت على الرغم من أنني شعرت أنه ينوي إضافة كلام آخر،لكن يبدو أنه عدل عن الفكرة و تركني مع فضولي القاتل.

رفعت رأسي و جلت بنظري في قاعة الإجتماعات الواسعة ،الثريات الذهبية تتدلى من السقف المرتفع،بضع لوحات تحكي عن نشأة الإمبراطورية معلقة هنا وهناك،طاولة الإجتماعات المستديرة في منتصف الغرفة و حولها كراسي فاخرة و على رأس الطاولة كرسي أفخم يجلس عليه الإمبراطور.

كان الوزراء و المستشارون قد خرج معظمهم،كثر الخونة و يبدو أنَّ الإمبراطور سيبدأ بحملة تطهير واسعة قريبا،ما يعني عملا أكبر في الأرشيف.

نهضت من على الكرسي و فعل المثل الوزير أرفيدلاس بجانبي وهو يتمطى كالقطة بعد نومها،تثائبت و خطوت أولى خطواتي للمغادرة تزامنا مع صوت الإمبراطور يقول" الوزير أرفيدلاس ، رئيسة الكتاب أناستازيا ، لا تغادرا ، هناك موضوع أريد مناقشته معكما"

1

ابتسمت بقهر بينما أنظر للحراس الذين أعطوني نظرة متأسفة و خرجوا بسرعة،استدرت و رميت نفسي على الكرسي بحنق و نظرت للوزير الذي بدوره نظر للإمبراطور بالغضب،يبدو و كأنه سينقض عليه و الإمبراطور غير مهتم البتة! بل نظر بلا مبالاة نحوه وعندما طالت النظرات رفع حاجبه غير راضٍ بتماطل الوزير أرفيدلاس.

زفر الوزير بحنق و جلس على الكرسي قائلا " آمل أنَّ ما لديك مهم بما يكفي لأفوت وجبة الغداء بسببك ، كين" نظر له الإمبراطور بملل و قال " لستَ صغيرا أرفيدلاس، ولا تقلق ، الوضع مهم و غير قابل للتأجيل" أومأ الوزير بينما نظر الإمبراطور لي و قال " خريطة العالم "

تنهدت و وقفت أبحث بين الأوراق المتناثرة عن الخريطة المطلوبة ، عندما عثرت عليها سحبتها و أبعدت باقي الأغراض لأفردها على سطح الطاولة، خريطة تظهر القارات الست و المحيطات السبع.

حدود الدول و الممالك والإمبراطوريات موضحة و كل مملكة أو إمبراطورية كتب اسمها مع شعار العائلة الحاكمة لها.

جلست مجددا في مكاني و ظللنا ننظر إلى الخريطة ، طال انتظارنا و قد نفد صبر الوزير فقام من مكانه مغادرا و في ذات الوقت قال متذمرا" يبدو أن الموضوع المهم هو كيف تجعل أرفيدلاس دي إينيرجيا يموت من الملل و الجوع"

تنهدت أنا الأخرى و قمت من مكاني قائلة " المعذرة جلالتك، لكل منَّا أشغاله" و مشيت وراء الوزير الذي وضع مقبضه على الباب يهم بفتحه.

لكن الإمبراطور كان له رأي آخر،فقد شعرت بضغط خفيف ثم فجأة اشتد لدرجة سقطت على الأرض،أمَّا الوزير فاستند إلى الباب مستديرا للإمبراطور قائلا بصعوبة"ماذا؟ إذا كان الموضوع مهما قله و لا تصبنا بالملل،و لا تستخدم سحرك علينا"

ابتسم الإمبراطور ساخرا و استرخى في جلسته تزامنا مع تلاشي الضغط المطبق علينا من قبل سحره، عندما استعدت قدرتي على الوقوف اتجهت نحو مقعدي و جلست بانزعاج،أمَّا الوزير فشعر بالخيانة من تصرفي فتذمر بينما يعود لمكانه"رائع ، الخيانة من الدَّاخل أسوء من الخارج"

اعتدل الإمبراطور في جلسته و قال بجدية بينما يطرق بسبابته على الخريطة،تحديدا على المنفى"تمَّ رصد سحر أسود في المنفى،الغريب في الأمر أنَّه تزامن مع انتشار واسع للأطياف في وسط الغابة المحرمة"

على إثر كلامه اعتدلت أنا الأخرى في مقعدي و نظرت بتوتر نحو الإمبراطور ، فتحت فاهي لأقول أي شيء لكن الكلمات هربت مني.

على خلافي الوزير تمدد في جلسته و استرخي أكثر قائلا بملل" و إن يكن ، منذ الأزل نرصد السحر الأسود و الكيانات هناك، ما الخطير في الأمر"

نظرت للوزير بانزعاج،هو حقًا لا يدرك المصيبة التي ستقع،نظرت إلى الإمبراطور الذي وجدته شاردا و ينظر تجاه الوزير بنظرات غريبة،نظرات تعني 'سأربيك من جديد'.

كان الوزير ينظر بملل نحو الإمبراطور و فجأة توسعت عيناه و سقط من كرسيه إلى الأرض،خرجت ضحكة غصبا عني لأضع كفي على فمي و أديروجهي للجهة الأخرى.

صرخ الوزير بحنق و لا بدَّ أنَّ وجهه ملتصق بالأرض،أمَّا الإمبراطور فابتسم ساخرًا و قال"إذن ستستمع لما سأقوله و تأخذه على محمل الجد؟"

كلُّ ما رأيته هو ذراع الوزير تقبض على سطح الطاولة كي يرفع نفسه،عندما أصبحت قمة شعره البيضاء ظاهرة لي سقط مجددا،الإمبراطور يتفنن في تعذيبه بحق،و أنا يعجبني هذا.

كل ما سمعته هو همهمات غير مفهومة من الوزير،حينها نظرت للإمبراطور الذي بدوره نظر لي، أعطيته نظرات الجراء كي يتوقف عن عبثه،و لو أنني بدوري مستمعة بما يحدث للوزير،لكن هناك أمر أهم من التنمر على الوزير.

تنهد الإمبراطور و دلك صدغيه قليلا ، بضع ثواني و هبَّ الوزير واقفا ينظر بغضب لي ، رفعت حاجبي و قلت "ماذا؟"

رمى الوزير نفسه على الكرسي و قال :" أنتما مزعجان بحق،هل يمكن لأحد منكما التكرم و الشرح لي لما القلق من أمر عادي"

نظرت له بهدوء ثم نقلت نظراتي نحو الإمبراطور الذي شرد مجددا في الخريطة،طريقة غير مباشرة لرمي كل شيء على رأسي،كالعادة!

اعتدلت في مكاني و خاطبت الوزير بجدية "كما تعلم أيها الوزير،والدتي تملك سحرًا غريبا يؤثر في الكائنات التي تقطن الغابة المحرمة"

اعتدل هو الآخر في مكانه و غزت ملامح وجهه الجدية،انتظرت قليلا بينما أنتظر استيعابه الكامل لمقصدي،و لم أنتظر كثيرًا لينهض قائلا "مصيبة،لما لم تقولي هذا منذ البداية"

قلبت عيناي و لم أرد،حديث الإمبراطور كان واضحا و ليست مشكلتي إذا كان الوزير يدرك الأشياء بعد وقت طويل.

نهوض الإمبراطور جعل أعناقنا تندق له ، توجه نحو النافذة الكبرة و ظل صامتًا،لكنَّ صمته لم يدم طويلا حيث خاطبني قائلا:"أناستازيا،لا توجد معلومات عن والدك؟"، أهو يمزح ؟ما شأن والدي في هذا؟

أخفضت نظري إلى أصابعي التي أكمش بها الثوب و قلت" لم نعثر على شيء،بعد" زفرت و رفعت رأسي نحوه و استطردت قائلة"لا توجد سجلات لي حتى،لكن..." لم أتمكن من إكمال كلامي فقد استدار الإمبراطور نحوي و عيناه تغيرت،عيناه اللتان كانت باللون بالأسود تحويلت لتصبح باللون الأحمر الياقوتي.

حبست أنفاسي بينما أنظر نحو عينيه،هل هو غاضب؟لكن ما الذي جعله يغضب في كلامي؟نظرت للوزير بطرف عيني و حتى هو بدا مستغربًا لكن ملامح الإدراك غزت وجهه ما جعلني أنا أعقد حاجباي و أنقل نظراتي بينهما بصمت،زفر الوزير و قال"لا يستحق الأمر كل هذا،إهدأ لا نريد أن ينفجر القصر و نحن فيه"

تنهد الإمبراطور و أغمض عينيه و مشى نحو مقعده و لكنه لم يجلس،فتح عينيه و قال "اسمعاني جيدًا،من الآن سيتم تشديد الحراسة،الدوريات ستتكثف خصوصا على الحدود مع المنفى" تزامنا مع كلامه مرر سباته على الحدود المشتركة للإمبراطورية مع منفى الشؤم كما نسميه هنا.

أومأ كلانا ،الإمبراطور معه حق،علينا تعزيز الحراسة خاصة و أنَّ الأعداء قد يستغلون ذكرى تأسيس الإمبراطورية و يهاجموننا،هموم أخرى تنتظرني لتوثيقها على ما يبدو.

تذكرت حينها أمرًا مهما عندما وقعت عيناي على المملكة المجاورة،نسيتها تماما "مملكة الشعراء،بعد يومين يفترض من سمو الأميرة كلارا زيارتها" رفعت عيناي أمررها عليهم،من ملامح الوزير المصدومة واضح أنَّه نسي الأمر مثلي،و أمَّا الإمبراطور فلم تتغير ملامحه قيد أنملة!

تنهد الوزير و أرجع خصله البيضاء التي اعاقت ظهور عينيه بلون اللافندر،تمتم بشيء غير مفهوم و ضرب الطاولة بكفه ما جعلني أقفز للخلف من الصدمة.

بدأ يبحث بين الأوراق و الملفات المرمية فوق الطاولة بشكل جعلني أظن أنه فقد عقله ،راقبناه بصمت و هو يخرج مخطوطة كانت في آخر الطاولة و كأنه يرفع كأسًا ذهبية،هتف قائلا بينما يستدير ناحيتي "أناستازيا ،هذه المخطوطة تحتوي على الخطاب الذي ستلقيه كلارا بعد ثلاثة ايام في مملكة الشعراء!"

نظرت نحوه بتوجس،أمَّا هو فأدار وجهه نحو الإمبراطور و قال"الخطاب سيتغير 180° درجة!" ثم بدأ يضحك كالمجنون ،عندما انتهت نوبة جنونه حمحم و تمتم"عذرا، تحمست"،ابتسمت ساخرة منه،حقا هذا الرجل يعاني من نوبات جنون غريبة،لكن الأهم "ما الذي تقصده بكون الخطاب سيتغير 180° درجة؟".

ابتسم بهدوء،لا،كانت ابتسامته بعيدةً كُلَّ البعد عن الهدوء ،و هذا ما جعلني أتوجس شرًا منه.اقترب مني و ربت على رأسي قائلا بنبرة مستفزة "هناك خطاب ستكتبينه الليلة يا صغيرة" ،قلبت عيناي على كلامه و اكتفيت بالصمت،لا يحق لي الرفض لأنَّ خطابات العائلة الحاكمة اختصاصي أنا!

حمل الإمبراطور بعض الأوراق و قال بينما يشير لي "أبلغي كلارا بالأمر و اطلبي منها المجيء إلى مكتبي بعد ساعة و نصف بالتمام" ثم اشار نحو الوزير و تابع"أمَّا أنت فاكتب خطابك بنفسك و تعال مع كلارا لمكتبي ".

أومات بصمت و أمَّا الوزير بجانبي قلب عينيها و تذمر كعادته: "ألا يمكن لأناستازيا كتابة الخطاب؟هذا عملها من الأساس" ،نكزت الوزير بمرفقي و أبعدت يده عن رأسي لأتجه نحو الملفات المرمية في الأرض بجانب الطاولة،و سرعان ما جاء صوت الإمبراطور و هو يهم بالمغادرة : "هي في 15 من عمرها،أنت في منتصف الثلاثين ، خذ عملها و أرحنا من نقيقك "،كتمت ضحكتي بصعوبة بينما الوزير ضرب الأرض بقدمه حانقًا .

خرج الإمبراطور و بقيت أنا و الوزير نجمع الملفات و نرتبها،بينما أنا مشغولة بجمع الأوراق جائني صوت الوزير هادئا على غير عادته"أناستازيا،اصدقيني القول،هل حقًا لا يوجد اي سجل في الإمبراطورية لك؟" .

زفرت و نظرت له بهدوء"في كل الأقسام التي بحثت فيها لا يوجد و لو طرف خيط حتى"،لم أكن أكذب كعادتي،فلا أنا و لا الذين يعملون معي و لا حتى نقابات المعلومات السرية أفلحنا في هذا الموضوع.

همهم الوزير و بدا أنَّه شرد للحظة،حمل المخطوطة و بعض الملفات و الأوراق الأخرى و خرج مهرولا لكنه سرعان ما عاد و هتف"لا عليك ، لو عثرت على أية معلومة سأخبرك" و خرج مجددًا تاركًا خلفه كومة من الأوراق التي عليَّ ترتيبها.

دلكت صدغي بتعب،و التفت إلى الفوضى التي تنتظرني كي أرتبها، لم أماطل كعادتي و رتبتها بسرعة ، أخذ منِّي هذا حوالي ساعتين،ما إن انتهيت اترميت على أقرب كرسي منّي.

رفعت بصري إلى السقف المزخرف أتأمله ، لا أنكر جمال هذا القصر و رونقه،لكن الذين يعيشون فيه يستنزفون قوتي ، لم أعد أستطيع مجاراتهم أكثر من هذا،أخشى يومًا من الأيام أن تظهر حقيقتي،أعلم جيدا أنني سأطرد بعدها و غالب الظن أنني سأنفى إلى المكان المشؤوم.

و شيء آخر يشغل بالي منذ زمن،هل سيقبلني أبي كما أنا؟ أم هل سأوفق في العثور عليه من الأساس؟ ألا يبحث عنَّا ؟ أم أنَّه نسينا بالفعل و أكمل حياته؟ و ماذا عن أمي؟ هل هي بخير لوحدها؟ و أخي لا علم لي أين هو الآن، هل يعقل أنَّ الكيانات أمسكت به؟ هذا ليس مستبعدا خاصة أنَّه يستهدفهم هو و جماعته من المجانين.

لم أشعر بنفسي و أنا أغمض عيناي،سرعان ما سحبت داخل عالم الأحلام.

⟡════⟡════⟡ ⟡════⟡════⟡ ⟡════⟡════⟡

تكتفت أمام الفوضى التي تركتها أناستازيا في غرفتها ، الحق يقال، تبدو الغرفة و كأنَّ حربًا قامت فيها،أو أنَّ إعصارًا مرَّ عليها .

الأوراق كانت مرمية على الأرض و بعضها على الخزانة،بعض الكتب مرمية فوق المكتب و السرير، و الحبر يلطخ المكتب،الأقلام في كلَّ مكان،إمَّا مرمية على الأرض أو مغروسة على سطح المكتب و مسند السَّرير ،حقًا لا تعلم كيف غرستها أيضًا في السقف!

تنهدت و خاطبت نفسها بحسرة : "كان يفترض الآن انني في غرفتي أتمتع بالشاي و أحيك قفازًا، تلك الفتاة مخيفة بما يتعلق بالإقناع و التفاوض"

طوت أكمامها حتى المرفقين و قالت"حان وقت العمل جيني! على الأقل لن تغسلي الأواني لمدة أربعة أيام!" ما إن أنهت كلامها حتى بدأت بحمل الأوراق و الأقلام و وضعهم في سلة كي تقوم أناستازيا فيما بعد بفرزها،أمسكت الكتب و رتبتهم في الرفوف،ثمَّ أبعدت الأوراق عن المكتب و بدأت بتنظيف سطحه من الحبر و بقايا الطعام.

عندما انتهت من المكتب انتقلت إلى السرير و بدات بترتيبه هو الآخر ، و في غضون ذلك كانت تدندن بلحن أغنية سمعتها من والدها الذي كان مثلها يخدم العائلة الحاكمة.

مسألة الولاء بالنِّسبة لها مفروغ منها،فقد علَّمها والدها منذ الصغر حب الإمبراطورية و غرس في قلبها الولاء لحكامها مهما كانوا.

فرغت من ترتيب السّرير و عندما همَّت بترتيب المنضدة الصغيرة فتح الباب بقوة جعلتها تقفز من مكانها واضعة يدها على قلبها من الذّعر. كانت على وشك توبيخ أيًا من فتح الباب بتلك الطريقة،لكنهَّا ابتلعت كلماتها ما إن رات أنَّ الداخل هو الإمبراطور بشحمه و لحمه.

بدون تفكير انحنت له باحترام و قالت "جلالتك،اعذرني على وقاحتي لكنّ،لما أنت هنا" رفعت نظرها تزامنًا مع أنهاءها لكلامها ، و لم تصدق عينيها عندما رأت أنَّ أناستازيا محمولة من قبل الإمبراطور و هي نائمة !

رمشت عدَّة مرَّات تحاول استيعاب أنَّ الإمبراطور بنفسه أحضر إحدى العاملات عنده بنفسه! من شدَّة صدمتها نسيت أن تستقيم في وقفتها كما يجب و بقيت على انحناءها له، حمحم و قال مشيرًا بعينيه "استريحي و أزيحي الغطاء كي أضعها" .

على إثر كلامه استقامت بسرعة و ازاحت الغطاء كله عن الفراش،اقترب من السرير و وضع أناستازيا عليه برفق و ابتعد تاركًا جيني تقوم بتغطيتها جيدًا .

ظل ينظر لها بصمت بينما جيني جمعت يديها و نقلت نظراتها بين ربِّ عملها و أناستازيا النَّائمة،لاحظت لين نظراته نحوها،نفس النّظرة التي تعتليه عندما تكون إحدى الأميرتين مريضةً أو متعبة.لاحظت تنهده بعثرته لشعره،'كلَّما بعثر ولي العهد كين شعره ،إعلمي يا ابنتي أنَّه يفكر بشيء سيء أو هناك شيء يشغل باله،لا تضغطي عليه و لا تحاولي التَّحدث معه عندها' سمعت كلمات والدها تترد في عقلها ككل مرَّة تشعر فيها بالحيرة بخصوص شيء يتعلق بهذه العائلة.

استيقظت من شرودها عندما لمحته يتحرك من مكانه إلى الباب و قبل أن يخرج نبس"لا تخبريها "، و خرج مغلقا خلفه الباب بكل بساطة.

زفرت نفسًا طويلًا لم تعلم أنها تحبسه،نظرت نحو النَّائمة بهدوء بحنان،ربتت على رأسها و همست لها "نامي يا آنّا،فأنتِ تحت أجنحةٍ تحميك،كما أردتِ دائمًا" ، و قبلتها على جبهتها و التفتت لتكمل ترتيب الغرفة.

⟡════⟡════⟡ ⟡════⟡════⟡ ⟡════⟡════⟡

كانت تمسح الغبار من على إحدى النَّوافذ بينما بجانبها صديقتها تثرثر كعادتها،اعتلت شفتيها ابتسامة هادئة و هي تسمع كلام الخادمة كلاوديا عن آخر أخبار القصر،كان الخبر الحصري اليوم هو الإمبراطور و أناستازيا.

استدارت نحو كلاوديا التي كانت لا تنفك عن إبداء إعجابها بالمشهد'اللطيف' حسب وصفها،تنهدت و قالت"كلاوديا،أعلم أنَّهما يبدوان لطيفين كأب و ابنته،لكن يا عزيزتي لا يجب أن تعلم مدللة أبيها!" مدللة أبيها،لقب يطلقه العاملون في القصر على الأميرة الثانية 'سايا دي إينيرجيا'،هذه الفتاة رغم صغر سنها إلَّا أنَّها متبجحة كبيرة ! و فوق ذلك تحتقر أناستازيا و تراها أقلَّ منها.

وضعت كلاوديا الممسحة جانبًا و تخصرت قائلة "أتفق معك،لكن العديد من الخدم و العمال رأوه! لا يمكن أن يبقى الأمر سرًا عنها!"،الجميع أصبح يعلم بهذا،لذا جيني قلقة،ليس من ردة فعل الأميرة بقدر خوفها من ردة فعل أناستازيا! فأناستازيا ليست فقط رئيسة الكتَّاب،بل أيضا سيافة ماهرة و ساحرة قوية،و كان هذا بسبب نشأتها في ظروف قاسية.

عادت لمسح النَّافذة لكن هذه المرَّة بذهن مشغول،و لم تنتبه لكلاوديا التي ابتلعت ريقها و لا للتي دخلت و اقتربت منها حتَّى أصبح لا يفصل بينهما سوى بضع سنتيمترات.في تلك اللحظة تمتمت جيني بنبرة شاردة "لا تخبري أناستازيا،لا يجب أن تعلم بالأمر" و استدارت تنظر نحو كلاوديا،لكن الوجه الذي قابلها كان آخر وجه أرادت مقابلته ،"أن.أناستازيا!يا إلهي ،لقد توقف قلبي لحظة عن العمل،لما لم تصدري صوتًا" حاولت مداراة ارتباكها و تشتيت انتباه المتجهمة أمامها عن كلامها السَّابق.

أمَّا أناستازيا فلم تكلف نفسها عناء الإعتذار و قالت"لا تخبرني بماذا،آنسة جيني؟ نبرتها كانت بعيدة كل البعد عن الودِّ المعروف عنها،عيناها ميتة بلا حياة، هذه... ليست أناستازيا التي تعرفها.

شتت جيني نظراتها في كلِّ مكان عدا وجه أناستازيا،في النِّهاية نظرت نحو كلاوديا التي من شدة توترها شحبت و أصبحت مثل لوح يابس،سمعت تنهيدة من المتخصرة أمامها تلاها تخطيها لها و هي تهمس "للجدران آذان،تذكري هذا جيدًا" و غادرت.

استدارت جيني تتبعها بعينيها بينما التقطت أذناها صوت تنهدية من خلفها كانت لكلوديا،بضع لحظات و قالت"كلوديا ،أخبري الجميع أن لا يحتكوا برئيسة الكتاب،مزاجها سيء" لو اخطئ أحدهم في انتقاء كلماته فغالب الظَّن أنَّ أناستازيا ستجعله يندم و يكره يوم ولادته.

رمت كلوديا الممسحة على الأرض و استدارت مهرولة كي تخبر الجميع،أثناء ركضها تعثرت بدلو الماء و كادت تسقط لكنها استعادت توازنها بسرعة،أمَّا جيني فتنهدت بأسى على خراقة صديقتها.

⟡════⟡════⟡ ⟡════⟡════⟡ ⟡════⟡════⟡

حلَّ اللَّيل و توسط البدر السماء الحالكة بينما تناثرت النَّجوم اللاعمة من حوله،كان البدر يلقي بنوره على أرضية الرِّواق و الفتاة صاحبة الشَّعر الكستنائي تجري فيه.خطواتها الثّقيلة و ملامح وجهها المكفهرة جعلت جميع من قابلها يبتعد لا إراديًا عنها،كيف لا و هي الفتاة المعروفة بتكبرها و تجبرها على من هم أقلُّ مرتبة منها.

عيناها رغم أنَّهما كانت بلون السَّلام إلَّا أنَّ صاحبتها لا تعرف للسَّلام معنى في قاموسها .التَّنمر و الغضب و التَّكبر ،ثلاث صفات تأصلت بها منذ صغرها نتيجة لتدليلها و محاولة الخدم و المربين تعويض فقدانها لحنان الأم التي فقدتها في سنٍ مبكرة.

تباطأت خطواتها إلى أن توقفت تمامًا أمام باب مزخرف،باب مكتب الإمبراطور الحالي،بكلمة أخرى -والدها-. أخذت نفسًا عميقًا و رفعت يدها كي تطرق الباب،لكن يدها توقفت في منتصف الطَّريق لذلك.علت وجهها ابتسامة ساخرة و خاطبت نفسها قائلة "منذ متى أطرق الأبواب؟!".

أخفضت يدها و أمسكت بمقبض الباب،أدارته و فتحته بقوة جعلت الثَّلاثة أمامها يرفعون رؤوسهم بسرعة.ابتسمت ساخرة على مظهرهم،أختها الكبرى التي تشبهها في المظهر كان شعرها فوضويا و ملابسها كذلك،هناك ورقة لملف ما عالقة في شعرها و هي غير منتبهة لها، و أمَّا الجالس مقابلا لها كانت ملابسه مجعدة بشكل واضح و نظارته الشَّمسية لسبب ما موضوعة بشكل مائل على رأسه،أمَّا الذي يجلس خلف المكتب فكان لا يقل فوضوية عنهما.الملفات و الكتب تحوم في كل مكان حولهم،أكوام من المخطوطات فوق المكتب و أسفل الكراسي .

ابتسمت ساخرة و نبست بنبرة سامَّة "إذًا...أهناك حرب قائمة و أنا لا علم لي؟" على الرّغم من سخريتها إلَّا أنَّها لا تنفي استغرابها،فوالدها أمر بتكثيف تدريبات الفرسان و تشديد الحراسة،و كلُّ من يمكنه استخدام السِّحر و لديه المقدرة على المبارزة من عامة الشّعب يتم تدريبه،هذا إن دلَّ على شيء فيدلُّ على أنَّ الإمبراطورية تحت تهديد عدو لا يستهان به.

تنهد كين و دلك صدغه ثمَّ قال دون النَّظر لها "سايا،كم مرَّة أخبرتك،أطرقي الباب قل الدخول" ، كانت الهالة حوله سوداء قاتمة، بينما الكتب التي يستخدم سحره في رفعها حوله بدأت تهتز بشدَّة .

نظرت لأختها و عمِّها اللذان تجاهلها و اكتفيا بالتَّنهد ، قطبت حاجبيها و قبضت على فستانها بقوة،تكره شيئا اسمه تجاهل،هي جريمة لا تغتفر بحقها.

أعادت بصرها نحو والدها الذي عاد بكرسيه للخلف و بدأ بالنَّظر لها صامتًا ينتظر منها قول ما تريد ثم المغادرة،فكما يبدو لا مزاج له الآن كي يسايرها كعادته.

صرَّت على أسنانها و قالت من بينها "لما...لما حملت تلك العامية الوضيعة؟!أما كان بإمكانك إيقاظها؟!و لو لم ترد إفساد نومها كان بإمكانك جعل إحدى الفرسان يحملونها إلى حجرتها!"،'العامية الوضيعة' لقب أطلقته على أناستازيا منذ رأتها أوَّل مرَّة في باحة القصر.

اقتربت من المكتب و ضربته تحت الأنظار المتضايقة من ثلاثتهم و صرخت مشيرة نحو الباب "تلك العامية الوضيعة تحاول إيهامكم بأنها جيدة!و أنتم كالحمقى تصدقونها و فوقها تعاملنوها أحسن منِّي؟! أنا الوحيدة التي أرى ما تحاول فعله!"،لم تشعربنفسها و هي تلهث بشكل أثار تفاجئ كلارا على يمينها، و استغراب أرفيدلاس بجانبها.

زفرة طويلة هي كل ما سمعت من الجالس أمامها و الذي ضرب سطح المكتب بكفه و هبَّ واقفا بينما يصرخ في وجهها "سايا!كم مرة أخبرتك إيَّاكِ و التَّطاول عليها بلسانك؟!" تراجعت خطوتين للخلف و توترت ملامحها،عيناه اللتان تغير لونهما من الأسود البارد لتصبحا بلون ياقوتي ، عروق سوداء ظهرت في بياض عينيه هي ما أخافتها بحق.

"أ.أنا...ل.لكن هي..." حاولت متوترة شرح موقفها،لكنَّ عيناه الغاضبتين وترتاها خصوصا مع ازدياد الضغط السِّحري عليها، زمت شفتيها و قد امتلئت عيناها بالدُّموع لكنِّها لم تسمح لها بالنُّزول.

أخذت نفسًا عميقًا و قالت "يبدو أنَّها غسلت دماغك بشكل كامل" سكتت و أخفضت رأسها تداري ابتسامة ساخرة لم تستطع كبحها،ثم انفجرت ضاحكة على ما بدى لها نكتة جيدة.سرعان ما تلاشت ضحكاتها و نظرت نحوهم و ابتسامة مريرة على وجهها، مررت نظرها عليهم جميعًا و بدأت تمشي للخلف لتنبس قائلة "جميعكم مخدوعون بها للأسف،ما عداي بالطبع.آمل أن تستفيقوا من غفلتكم هذه قبل فوات الأوان" استدارت و فتحت الباب راكضة ، تنهيدة جماعية سمعت من الثَّلاثة في ذات اللحظة.

جلس كين على كرسيه بينما يسند رأسه على يده ، لا يتحمل فكرة أنَّ ابنته الصغرى تحتقر أناستازيا ، بينما أناستازيا تقوم بكل جهدها لخدمة الإمبراطورية و مساعدته للعثور على أليسنورا!هو لم و لن يندم على كونه طاغية بنظر الشَّعب ،لكنَّه حتمًا نادمٌ على كونه أبًا مهملاً .

أمَّا كلارا فنظرت لوالدها بأسى و رأفة به، تعلم جيدًا الضغوط التي يمر بها و أفعال سايا لا تساعده بتاتًا! لكنَّها لا تنكر أنَّها تتفق مع شقيقتها بشكِّها بالمدعوة أناستازيا،فبالنسبة لها ترى أنَّ أناستازيا ما إن تحصل على مرادها ستنتقم منهم.

نقلت نظراتها لعمِّها الذي كان صامتًا شاردًا في نقطة ما على الطَّاولة بينهما،لا يبدو أنَّه يعبئ بأيِّ شيءٍ هنا. تنهدت و أدارت رأسها نحو كين عندما شعرت بهالته السِّحرية حوله تختلف،نهضت بسرعة و اتجهت نحوه لتتفقده،لكنَّ الوقت لم يسعفها لأنَّ عروقًا سوداء بدأت تظهر على جانب وجهه الأيسر من عينه و تصل إلى رقبته،و الجزء المكشوف من رقبته ظهر عليه رمز غريب الشَّكل كأنَّه عبارة عن دوائر و مثلثات متداخلة في بينها مع حروف مجهولة اللُّغة.

"أبي!أأنت بخير؟!" ركعت أمامه لتقابلها ملامحه المنكمشة من الألم و قد أغلق عيناه بالفعل لصعوبة الرؤية بهما،وجهه كان يقطر عرقًا كحال باقي جسده رغم أنَّ وجهه شاحب للغاية.

"كلارا!تراجعي قبل أن يتفعل الخت..." نهض الوزير من كلامه كي بعدها لكنَّ ضغطا مهولًا طبِّق على جسديهما في ذات اللحظة أوقفهما عن الإتيان بأي حركة،لحظات و بدأ الضغط يخف و ما إن اختفى تمامًا حتى زفرت كلارا نفسًا مرتعشًا.

كانت على وشك مدِّ يدها نحو والدها لكنَّه قال بجفاء"أخرجا ،حالًا" لم ينظر اتجاهها حتَّى و اكتفى بإرجاع ظهره للخلف يتكئ على ظهر الكرسي،بينما كلارا و أرفيدلاس تبادلا نظرات ترجت فيها عمَّها بإقناعه كي تبقى لكنَّه نفى برأسه و أشار بعينه نحو الباب كي يغادرا معًا.

نهضت و مشت نحو الباب و في كلِّ خطوة تلتفت نحوه والدُّموع قد تجمعت في محجري عينيها.في لحظة كانت تقف أمام الباب وبجانبها عمها ،مسحت دمعت غدرتها ثم قالت "لما؟لما يبعدني كلَّما كنت أحاول التَّخفيف عنه؟"،غالبتها دموعها و نزلت بصمت على وجنتيها بينما أرفيدلاس ربتَّ على كتفها بشفقة،فهو يعرف أنَّها تعتبر نفسها غير مؤهلة للحكم بعد اختفاء الإمبراطورة و انعزال أخيه عنهم لفترة طويلة.

تنَّهد و قال "اذهبي و احصلي على قسط من الرَّاحة" وضع يديه في جيوب سرواله و مشى تاركًا إيَّاها خلف ظهره.مسحت دموعها مجددًا و بدأت بالمشي باتجاه جناحها ،كانت أكتافها منخفضة للأسفل لشعورها بالخجل من نفسها،هي ستكون الحاكمة القادمة لإمبراطورية عظمى،و لا يجب أن تنهار أبدًا كي تضمن أمان شعبها.

لكنَّها ضعيفة،أجل هي ضعيفة و ترى نفسها أقلَّ من أختها الصُّغرى.لو فقط كان كيران حيًا لما عانت هكذا.لعاشت ككل فتاة من نفس سنِّها،تتجول و تتنهز،تقيم حفلات شاي ، تقرأ الروايات الرومانسية أو تحيك شيئًا ما في وقت فراغها،ليس نفس ما تفعله الآن مطلقًا!تتجول بين صفوف الجنود لتتأكد من جاهزيتهم لأي معركة ممكنة،تقيم مؤدبات على هامش الإجتماعات السِّياسية،تقرأ كتب السِّياسة و فنون الحرب في وقت فراغها ،إن وجد أساسًا!

رفعت رأسها عندما شعرت بهالة سحرية غريبة،لا نقية و لا مدنسة،بل شيئا آخر لم تقرأ عنه بعد.كانت أناستازيا تمشي في الرِّواق و ما إن التقت نظراتهما توقفت كلتاهما عن المشي.ظلَّت كل واحدة منهما تحدق بالأخرى بصمت،ليس ذلك الصَّمت المريح،بل الصَّمت المتوجس و الحذر.

الإبتسامة السَّاخرة على وجه أناستازيا بدأت بالنُّمو ما جعل كلارا تعقد حاجبيها و تقبض على فستانها، أناستازيا بالنِّسبة لها لغز لا حلَّ له،تتجهم في وقت الفرح،تبتسم في وقت الشِّدة و تسخر من جميع من تقابله!

راقبتها تعيد شعرها الأسود للخلف و تميل رأسها لليسار و ابتسامتها السَّاخرة قد ازدادت اتساعًا ،لمحتها تمرٍّر عينيها عليها من أخمص قدمها إلى رأسها.الضَّحكة السَّاخرة التي خرجت من فاه أناستازيا جعلتها تكزُّ على أسنانها محاولة كتم غضبها المتصاعد،فبالنِّسبة لها ما فعلته الآن عبارة عن قلِّة احترام و إهانة لها و لكونها ولية العهد و الحاكمة القادمة.

اقتربت أناستازيا خطوتين منها و قالت بنبرة ساخرة "تبدين كالزومبي ،سموَّك.كنت أنوي زيارتكم لمساعدتكم ،لكن يبدو أن سموَّه ملَّ من بكاء كل خمس دقائق فطردك،هل أنا مخطئة؟" ثم ضحكت مجددا و كأنَّها ألقت نكتة مضحكة.

أمَّا كلارا فتشنفتها بغضب ثم نبست من بين أسنانها "رئيسة الكتُّاب أناستازيا،أرجوا أن تعرفي مقامك،أنتِ هنا أقلُّ من معظم الموجودين مقامًا و أهميةً" لاحظت كيف توقفت أناستازيا عن الضَّحك ما جعل ابتسامة منتشية تظهر على وجه كلارا،لقد أوفقتها عند حدِّها و لم تسمح لها بالتَّطاول عليها،و صمتها خير دليل على ذلك.

كلُّ هذه ظنون في عقلها تحاول بها مداراة خوفها المتزايد من الواقفة أمامها،فهالتها السِّحرية التي لم تكن متزنة ازدادت حولها،و شعرها الأسود منسدل على وجهها و يمنعها من رؤية التَّعابير التي ترسمها ملامحها الآن،لكنَّ صوتًا صغيرًا في داخلها بدأ يصرخ يطلب منها الهرب فورًا،تجاهلته و بدأت في المشي تنوي تخطي أناستازيا و العودة لغرفتها.

توقفت عن المشي عندما رفعت أناستازيا رأسها تنظر نحوها ببرود،تراجعت للخلف خطوتين و بدون إدراك منها بلعت ريقها بصعوبة.عيون أناستازيا كانت باردة بلا تلك اللَّمعة السَّاخرة التي اعتادوا عليها في عينيها السوداوين،و تكاد تقسم أنَّها لمحت وهجًا أحمر اللَّونِ فقط للحظة فيهما.

داهمها صداع قوي جعلها تترنح في وقفتها و تستند بيد على الجدار جانبها و باليد الاخرى وضعتها على فمها لشعور بالغثيان،حينها أحست بسائل لزج و دافئ يسيل من أنفها ،فأبعدت يدها و نظرت لها بصدمة،فقد كانت مصطبغة بلونٍ أحمرٍ قانٍ .رفعت عينيها مصدومة من هذا و قالت"ك.كيف تجرؤين على استخدام سحرك علي؟" .

هزت أناستازيا و قالت ببرود "الأميرة الأولى ولية عهد إمبراطورية آسيا ،كلارا دي إينيرجيا،أنا لست خادمةً عندكم" ثم قربت وجهها من وجه كلارا و تابعت بصوت منخفض "أنا أخدم نفسي فحسب،ما إن تنتهي مصلحتي سأغادر، و سأتأكد من أنَّ لا أحد يعرفني،مثلًا أنتِ و تلك المتعجرفة شقيقتك" و أبعدت وجهها ترمقها بنظرات غريبة،ثم استدارت و تركتها هي تستعيد أنفاسها المسلوبة.

وضعت يدها المرتعشة على صدرها بينما تحاول أخذ أكبر قدرٍ من الهواء،فقد شعرت و كأنَّ أحدًا كان يخنقها رغم أنَّ أناستازيا كانت أيديها خلف ظهرها و ليست هي من خنقها.أناستازيا خطيرة،خطيرة عليها و على الجميع هنا.

مسدَّت عنقها و بدأت في المشي إلى جناحها و هي تتمتم "ما هدفك من كلِّ هذا ، أناستازيا؟" تنهيدة خرجت من فاهها تزامنًا مع سقوط غراب أحمر العينين ميتًا على الأرض في الحديقة.

-انتهى الفصل الثاني-

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعنة متوارثة: كايرثاس

المؤلف STAR
2025/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة